العلم قبلة المحتارين

العلم قبلة المحتارين

مجيد أبو رقية

لا شك في أن الرحلة التي قطعتها البشرية عبر تاريخها، أنما هي رحلة انتقال من الجهل والخرافة باتجاه العلم والبحث الموضوعي المرتكز على أدلة مقنعة. ولقد ظلت البشرية تستند إلى رؤية خرافية في تفسير أحداث الكون، إلى أن بدأ الإنسان رحلته الشاقة والطويلة لاستكشاف «العلل » الحقيقية التي تكمن وراء الأحداث. ولكن الغريب أن الإنسان المعاصر الذي قطع أشواطاً بعيدة من هذه الرحلة نحو حضارة وتفكير يقومان على منطق «السببية » الذي يفسر الظواهر الطبيعية والبشرية منطلقاً من أرضية البحث التجريبي، هذا الإنسان لايزال يحمل فوق كاهله طبقات متراكمة من آثار تفكيره الخرافي في الأحقاب السابقة فغدا يقف في مفترق طريقين للتفكير، أحدهما يجذبه إلى إعمال العقل، والآخر يغريه بالنكوص إلى مراحل الطفولة البشرية بما تلازم معها من تفسير عشوائي للظواهر.

ولا غرابة أن نجد كيف يقع الناس بألاف ضحايا الشعوذة ويجري تمثيلها بخداع متقن وقد يدفعون الثمن غالياً ويموتون على أيدي دجالين وصلوا إلى القمة في التمثيل والخداع. وهناك حتى في الغرب المتحضر جمعيات روحية لها إصدارات ونشرات ودوريات ومجلات وكتب تنشر كل ما هو مثير وغريب وهي بطبيعة الحال تتحدث عن العلاج الروحي، والمعجزات الروحية وتتعمق فيها وتدعوا الناس إلى طلب العلاج.

ولا شك أن هؤلاء استطاعوا استقطاب مئات المرضى بالرغم من الدجل العلاجي والذي قد أظهر عدم جدواه في حالات كثيرة، والتي أعلن أصحابها أنها قد أحسوا بالشفاء وبعد الفحوص الطبية فأن الأمر لا يخرج عن كونه شعوذة لا تجوز إلا على أصحاب النوايا الطيبة أو العقول الساذجة.

لو طلبت من أحدكم أن يخرج للتو ويستطلع وعلى ساحة الوطن العربي ومناطق كردستان كان الناس ولا يزالون يلجأون إلى العارف بالله أو الشيخ أو إلى سيدنا، لاعتقادهم بكراماته واعترافاً ببركاته التي تنساب من يديه وهو يتمتم ويطلق البخور فيشيع حوله جواً من الطمأنينة والهدوء. وفي تلك الأقوال والأفعال ردود أفعال لا تنكر على حالة المريض المعنوية، وهذا لا ينكره الطب النفسي الحديث… فالإنسان روح وبدن وكلاهما يؤثر بالآخر وقد يشفى المريض اعتقاداً منه في معجزات شيخه أو قديسه.. لأن الثقة والاعتقاد القائم بين المريض وطبيبه أو المريض ووليه من الأسباب الدافعة للشفاء من بعض الاضطرابات النفسية التي قد تنعكس على أمراض وظيفية أو غير عضوية مثل الصداع، والطفح الجلدي والمغص المعدي والقرح وضيق التنفس أو اختلال الدورة الشهرية أو الاكتئاب… وما شابه ذلك، ولكن في أحيان كثيرة يقوم الطب الخرافي على تعاويذ وأحجية، ووضع يد الشيخ المداوي على موقع الجزء المريض مع تمتمة ودعوات قد تكون غير واضحة ولا مفهومة، ولكن ذلك لا يجدي شيئاً في الأمراض العضوية التي يعرفها الطب في أغلب الأحيان، فميكروب السل لا تنفع معه الصلوات والأحجية ولا هي تزيل الحصوات في الكلية ولا تستأصل السرطان، ولا تقدم ولا تؤخر في شلل الأطفال… ومن هنا وجب على كل عقل رزين أن يتبع حديث الرسول الكريم «عباد الله تداوا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلى وضع له دواء، إلا الهرم » أي الشيخوخة.

إن الذين يؤلفون باسم العلم الخرافات ويقفزون إلى الاستنتاجات قفزا،ً فهذا أمر لا يرحب به العلم أبدا،ً ومن هنا كان صموده العظيم وانجازاته التطبيقية في محاربة أنماط التفكير العصري الخرافي، فالذين تكلموا عن الطاقات الخفية والقوى الخفية الموجودة فينا بنو الإنسان والقوى الروحية الخارقة التي تثني وتفتت المعادن والأحجار، ومعرفة الغيب «أي الحدث قبل وقوعه » وبعضهم وصلوا إلى حد المغالاة في مسألة تجسيد الأرواح واستخدام الصوت المباشر للمتوفي، أو الكلام عن احساس الشجر ورقة النباتات الأرق إحساساً من البشر سيد المخلوقات، وهنا الأمثلة كثيرة، فلو ذبحت ديكاً تحت شجرة فأن الشجرة تنفعل وتستاء أشد الاستياء أو إذا ألقيت سمكة حية بين النار وإلى جانبك نبات فأنه يرتعد ويهتز من هذه الوحشية…. وأن النباتات تقرأ أو تشارك الناس أفكارهم وتعرف أسرارهم وتعرف أرقامهم وهو يمتلك ظاهرة التخاطر… إلا أن تدخل العلماء وقيامهم بالدراسة والبحث ودحض تلك المزاعم كما دحضت مزاعم اهتزاز الحيوانات للموسيقى ورقص الخيول على الأنغام ورقصة الكوبرا … أن هذه الحيوانات تسمع فعلاً ولكن لا تعرف للموسيقى طعماً ولا للرقص معنى، كل ما هنالك أنه قد درب على ذلك تدريباً حسناً.. «حيوانات السيرك » أو القرد الذي يعجن ويرقص ويؤدي التحية، وتأتي هذه الحيوانات بحركات تثير اعجابنا وتصفيقنا، وهي قطعاً لا تدرك معنى تصفيق واعجاب، ولكن لماذا تقوم أساساً بهذه الحركات لقد تدرب عليها وتعيها في ذاكرتها البدائية، وكلما نجحت في استيعاب حركة شجعها مدربها بما تهواه من طعام أو معاملة حسنة، فلو اتينا بقطيع هائل من الخيول أو القرود أو الحمير أو البط… الخ وعزفنا لها ألحاناً من النوع الذي يثير مشاعرنا ويحرك وجداننا، ويدفعنا إلى تحريك ارجلنا أو أصابعنا مع نغماتها أو قد نقوم لنرقص على إيقاعها، لو أننا عزفنا تلك الموسيقى أمام هذه الحيوانات ليل نهار فلن نشهد حصاناً واحداً يرقص )سامبا( ولا حمارا يؤدي )الرومبا( ولا قرداً يهتز كما تهتز رقصات الكثير من البشر… ولو فعلوا ذلك لكان معنى هذا أنه يدرك معاني الجمال كما يدركها الإنسان.

وللعلماء في معاملهم مع الحيوانات وسلوكها تدريبات كثيرة وشاقة لكنهم لا يفعلون ذلك من أجل تسلية أو إثارة أو بيعها لحلقات السيرك. بل هم في الواقع يبحثون بحثاً جادا في أسرار المخ والذاكرة والجهاز العصبي عموماً، وكذلك الأمر مع النبات فلم نسمع للنبات جهازاً عصبياً يجعله أكثر استجابة للمؤثرات التي تؤثر في الحيوان هذا برغم أن علم تشريح النبات الذي بدأ منذ مئات السنوات قد عاين صغيرة وكبيرة في خلاياه وانسجته وأعضائه وأنه قد استعان على ذلك بالميكروسكوب الضوئي والالكتروني فلم يكتشف فيه آثار لجهاز دوري أو عصبي أو ليمفاوي أو حسي كما هو الحال في الحيوان.

وهذا يعني أن النبات أبسط بناءً وأيسر تكويناً من الحيوان، ودعك من الإنسان سيد المخلوقات، ولأنه الوحيد الذي يعرف معنى الإدراك. لا ننكر أن هناك مؤثرات تؤثر في النبات فحركته مع الشمس أو سعي الجذور نحو الجاذبية الأرضية أو تغيير مساره نحو مصدر مائي أو انطوائه على نفسه ليلاً، أو انكماش أوراقه إذا اشتدت الحرارة…. الخ، كل هذا مدروس ومعروفة أسبابه وتتحكم فيه عوامل كثيرة ليسير كل شيء وفق برنامج بديع من لدن حكيم خبير.

لقد دفعني فضولي أن أعرض هنا وبإيجاز موضوع الأطباق الطائرة.. وهل هو حقيقة أم وهم؟ طبعاً القصص كثيرة جدا ويتراوح المشاهدون بين عامة الناس والحاصلون على درجة الدكتوراه في بعض العلوم.

وتراكمت الحكايات والأساطير والتعليقات والمبالغات التي تتردد على ألسنة الناس، أو التي انسابت من أقلام الكتاب الذين يؤلفون المقالات والكتب عن الأطباق الطائرة «طبعاً كتب تدر عليهم دخلاً يسيل له لعاب المؤلف »، بل كل همهم أن يعرضوا بضاعتهم المشوقة كما يصورها لهم خيالهم، وبهذا تروج كتبهم ويأكلون خبزهم.

لا شك أن أحداث هذه الظاهرة المحيرة )الأطباق الطائرة( تجمعت في سجلات وتقارير لدى الحكومة الأمريكية بما في ذلك سلاح الجو وأجهزة الدفاع الرادارية وملفات البحرية وإدارة المخابرات المركزية والهيئات العلمية، وفيما لو جمعت لصارت مجلدات من فوق مجلدات تئن بحملها الخيول والجمال وفيها تختلف أراء الناس وتتعدد أوصافهم وتقديراتهم وهذا الاختلاف يشكل عبئاً على العلماء عند بحثها وتعليلها.. لأن تشتت الأقوال عند التحقيق في الحادثة يشتت الجهود ويضلل العقول الباحثة عن الحقيقة. لكن لا يمكن أن يسير العلم في طريق الضلال، وجاء على لسان الدكتور رونالد منيزل أستاذ الفلك والفيزياء الكونية بجامعة هارفارد بقوله: )الاطباق الطائرة أسطورة من الأساطير الحديثة التي توافق العصر الذي نعيش فيه(! وخاصة بعد حادثة )زوند الرابع… واحد من سلسلة الأقمار الصناعية التي يطلقها الاتحاد السوفيتي لاكتشاف الكون الخارجي( أطلق زوند صبيحة 3 أذار1968 وتجلى للناس في مساء اليوم نفسه على هيئة مثيرة أرعبت تسع ولايات أمريكية، وسببت للمسؤولين في أجهزة الأمن والدفاع متاعب وهوس لا حدود له، صحيح أن الناس أجمعت على أنها )طبق طائر( لكن الحقيقة أنها كانت زوند، وأنها أطلقت ليتخذ له حول الأرض مدارا وكان من المقرر أن تشغل الصواريخ الحاملة للقمر في فترة ما بعد اطلاقه ولكن خطأً فنياً حل بالتجربة فلم تنجز الهدف الذي أطلق من أجله، ودخل القمر منطقة الجاذبية الأرضية ثانية واندفع خلال الغلاف الجوي الهوائي في طبقات الجو العليا بسرعة رهيبة، ونتج احتكاك جبار بين زوند وجزئيات الهواء وأدى إلى ارتفاع هائل في درجة الحرارة وانطلاق شرار كثيف يشبه النار الموقودة التي تتلون بألوان عدة، وانفصل القمر إلى أجزاء متعددة وسبحت في الفضاء، فهيئت للناس أن الأجزاء المتوهجة ليست إلا نوافذ مضاءة في طبق طائر.!

وعلى هذا المنوال فأن خداع البصر وحالات الناس النفسية، وتهيئوهم ذهنياً للدعايات من غزو الأطباق الطائرة، وطريقة الدعايات الإعلامية الخاصة التي سمت الظواهر الطبيعية بالأطباق الطائرة، ولا هي بطائرة أنما هي نوع من السراب الخادع الذي يظهر نتيجة لظروف جوية خاصة هيأت ظهوره وهذه الظروف يعرفها العلماء باسم الانقلاب أو الانعكاس الحراري، وكثير من هذه الظواهر مسجلة في ملفات القوات الجوية الأمريكية، وكذلك الظروف الجوية السائدة قد لا تخدع العين وحدها، بل تخدع الأجهزة الرادارية أيضاً وملفات الهيئات الحكومية والحربية مليئة بمثل هذه الخدع الجوية والبصرية والرادارية، ولا يعرف حقيقتها إلا كل من عاينها ودرسها وعرف أسرارها وكثيرا ما يبلغ المشرفون على أجهزة الرادار خاصة في بداية استخدامه وتشغيله عن أهداف غريبة.

وقد يذهب بعضهم إلى اعتبارها أطباق طائرة جاءت إلى الأرض من أرجاء الكون وطبيعي أن الصحافة الرشيدة تجد في مثل هذه الأمور أخبارا جدا مثيرة، وكثيراً ما تضعها في عناوين عريضة حتى تجذب العامة فيزيد التوزيع تبعاً لذلك. وبعدها تتجلى الحقيقة ويقدم العلماء التفسير العلمي الصحيح لما ظهر وخدع فتغمض الصحافة عيونها إذ ليس من التفسير العلمي ما يثير، أنما المثير هو التفسير الخيالي الذي يقع تحت دائرة الخزعبلات والاساطير، وهذا ما حدث في خدعة مطاردة طبق طائر «شباط »1948 جعلت الخرافة تختمر أكثر وأجهزة الإعلام تدق الطبول «ظهر شيء غريب وبعيد في الهواء » في قاعدة «جودمان » الجوية الأمريكية ووصفوه بقولهم «كان يشبه مخروطاً من الآيس كريم وعلى قمته شيء أحمر » وصدر الأمر إلى ثلاث طيارين بقيادة توماس مانتل لتتبع هذه الحالة ورصدها، وانطلقوا بثلاث طائرات من طراز )ف 51 س( وأبلغ مانتل برج المراقبة أنه لايزال يتابع الجسم الغريب، بينما مساعداه قررا في الوقت نفسه أنهم لم يريا شيئاً ذا بال.

اتصل مانتل بالبرج: أنني الآن أتجه إلى الأعلى بسرعة 360 ميل /ساعة وارتفاع عشرين الف قدم وإذا لم استطع التقرب من الجسم سألغي المطاردة وأعود، وكان آخر تقرير تلقاه برج المراقبة، وعاد مساعداه سالمين وانقطع الاتصال به بعدها وجدوا حطام الطائرة وبداخلها مانتل ميتاً، وانطلقت الاشاعات والعناوين الكبيرة التي تؤكد الاطباق الطائرة والتي تحمل العداء لأهل الأرض وانهالت آلاف الأخبار تشير إلى رؤية الاطباق الطائرة من كل شكل وحجم ولون وذهب البعض إلى حد التصريح بأنه قد تحدث إلى هذه المخلوقات واستضافهم، لكن الحقيقة كانت غير ذلك، إذ ما ظنه الناس والقاعدة الجوية طبقاً طائراً لم يكن في الواقع إلا بالوناً ضخماً أطلقه بعض العلماء صباح ذلك اليوم لدراسة طبقات الجو العليا، وانعكست عليه أشعة الشمس في المساء وهو على ارتفاع 60 ألف قدم حسبه الناس مركبة قادمة من الفضاء، وعندما حصل الاعتراض من الذين اتهموا العلماء بالغباء، قالوا: من قتل مانتل؟

الواقع الذي قتله كان تهوره واندفاعه إذ لم تكن الطائرة مزودة بالأوكسجين ولم تكن مهيأة للتحليق على مثل هذا الارتفاع الكبير وعندئذ فقد وعيه وعدم تحكمه بالطائرة فهوت به وهو ميت بداخلها  رغم الاشاعات الكاذبة التي انتشرت عن اختطافه من طائرته عن طريق من كانوا في طبقهم الطائر.

والحقيقة أن بؤرة هذا الصدى تقع أساساً في الولايات المتحدة، وهناك جمعيات ونواد ومجلات )غير علمية( كرست جهودها لتسجيل هذه الظاهرة والبحث عنها وتقديم التقارير للجهات المسؤولة لتتخذ منها أمراً، وطبيعي إدارة المخابرات المركزية والمخابرات الحربية، ودوائر البنتاغون لم تغمض عيونها عما يتردد على ألسنة الناس وهم يفكرون بالاتجاه الآخر، ليس مستبعداً أن تكون بعض هذه الظواهر الطبيعية أو الجوية أو الأرضية وسائل تجسسية من الروس ولابد من الحذر حتى يمكن تجنب الخطر! على كل حال أن المراصد الفلكية الجبارة تنتشر على هذا الكوكب في كل مكان وهي تمسح الفضاء من حولها ليل نهار، كما أن عيون هذه المراصد أقوى وأكفأ من العين البشرية مئات الألاف من المرات وبعضها قادرة على رؤية ضوء شمعة تبعد عنه في الفضاء ما يقرب من أربعين ألف ميل، أليس كل ذلك كفيلاً برصد طائر واحد من الألوف التي تزعم الناس أنها تهبط على الأرض والتي يؤكدون رؤيتها والتحدث مع مخلوقاتها، والحق أنه فيما يدعي هؤلاء تناقض واضح لكن ذلك يرجع إلى جنوح العقل إلى الخيال وولعه بالاساطير برغم التقدم العلمي الجبار الذي وضع بين أيدينا انجازات علمية ضخمة لا نستطيع لها حصراً. «والعاقبة لمن استنارت عقولهم » ويبدو أن بعض العقول البشرية سوف تبقى على طفولتها مهما تقدم بها العمر، أو تطور العصر… مثلها في ذلك كمثل المجتمعات البدائية التي لا تزال تؤمن بالسحر والشعوذة والاشباح والأرواح وما شابه ذلك، ولكن مع اختلاف جوهري، فهذه العقول تحاول أن تزاوج في أفكارها بين العلم والخرافة، فتبدو الخرافة للرجل العادي أو حتى المتعلم وكأنما علم يقوم على أساس أو كأنما نواميس الكون الراسخة تسيرها الاساطير وتتحكم فيها قوى يقف العلم على حد زعمهم  أمامها عاجزاً وما هو بعاجز ولكن العجز هو الذي يسيطر على بعض العقول!

للأسف هذه الكتب الاسطورية تغلف نفسها بضلالة كاذبة من علم وتنتشر بالألاف في الأسواق وتجد إقبالاً من الذين يميلون إلى الولوج في عالم غامض تسيطر عليها الخرافات. كما خرج علينا الكاتب الأمريكي )تشالز بيرلتز( بكتابه )مثلث برمودا( ووزعت منه في شهور قليلة أكثر من خمسة ملايين نسخة وسبب ذلك الإقبال المنقطع النظير أن الكتاب يحتوي على حكاية غريبة، لو صحت هذه الحكاية لوضعت العلماء في متاهة علمية وعندئذ لن تسعفهم كل قوانينهم ومعادلاتهم ونظرياتهم وبحوثهم في تقديم تعليل مقنع عما يجري من أحداث في هذا المثلث المرعب الذي تتحكم فيه كائنات غير منظورة، فتشيع في أرجائه الدمار والموت! واختفاء الطائرات دون أثر وابتلاع السفن بقوى خفية وتوقف الزمن على مياه برمودا أو في سماء المثلث المسكين. ومثلث الرعب بريء مما يدعون.

الواقع أن ما أثير حول هذا المثلث المرعب فيه مبالغات ومغالطات كثيرة لو أنصفناه لظهر لنا أن العالم كله أكثر رعباً من مثلث الرعب، وهناك احصائيات دقيقة تشير إلى عدد الحوادث التي تتم في قطاعات مختلفة من هذا العالم، ومن هذه الاحصاءات يتضح أن مثلث برمودا بريء من حوادث الموت والتدمير والقوى الخفية التي تتسلط على مائه وأرضه وهوائه، وأن ما يحدث فيه رغم شدة الحركة فيه اقل مما يحدث في أماكن كثيرة مماثلة في العالم.

وحسب تقارير حرس السواحل الأمريكية وهي جهات موثوقة بها تشير إلى عدد الحوادث عام 1975 هي أربعة سفن لا غير، من مجموع ما فقد حول السواحل الأمريكية جميعها ويقدر عددها 21« سفينة أي نصيب برمودا أقل من 20 % وفي 1976 ستة سفن من أصل 28« سفينة » مفقودة علماً أن مثلث برمودا يعتبر من أكثر مناطق العالم حركة وازدحاماً وينطلق على سطح مياهه أكثر من ) 150 ألف( سفينة من كل الأحجام وعدد التي تغرق سنوياً ما بين 4  6 في برمودا حسب آخر احصاء، أضف إلى ذلك أنه لم تسجل حالة سقوط أو تدمير أي طائرة مدنية أو تجارية في السنوات العشرين الأخيرة فوق مثلث برمودا، كما أن المثلث أكثر أماناً من أي مساحة مماثلة فوق أرض الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وقد يذهب التضليل إلى غايته عندما ينسب إلى مثلث برمودا اتهامات هو بريء منها ومما يدعي المؤلفون، فالسفينة البريطانية )بريتش يورك( غرقت مقابل سواحل ايرلندا والألمانية )فرييا( قد نسب غرقها ظلماً إلى ذلك المثلث كونها غرقت في المحيط الهادئ البعيد جداً عن برمودا، ولكن المؤلفون نقلوا هذه الأحداث بقدرة قادر وأرجعوها إلى هذا المثلث المسكين، وكذا شاط خيال المؤلفين وفي كتب كثيرة وبعناوين مختلفة ولكتاب مهرة يعللون ويشرحون ويضللون بنسج قصص واساطير وحكايات خيالية كأنما حقائق علمية لأنها تتمسح بلغة العلم وهذا الأسلوب قد يمس هوى في عقول الناس الذين يميلون إلى كل ما هو غيبي ومحجوب من الإدراك والحواس، ولا شك في أن لذلك جاذبية عند العامة والخاصة.

ويظل الأمر مثيراً مادام غامضاً فإذا عرفنا غموضه انتهت إثارته وتقلصت جاذبيته لأن قافلة العلم تسير نحو البحث بهدوء وتأن وعقل مفتوح لإظهار الخدعة من الحقيقة وهم لا يفتحون عقولهم إلا على كل ما هو موضوعي ومنطقي وطبيعي وخاضع لحدود العقل ولا يجوز إفساح المجال أمام الجاهل أو الهمجي أو المتوحش أن يسيطر على هذا الكون العظيم أو يفرزه لأن العلم سلاح أعظم وأرقى وأدق ولا يجوز أن نعيش في هذا العصر التكنولوجي بتناقض بغيض بين الحقيقة والخرافة والانحراف الفكري عن شرائع الله من كونه وتوجيه العقول وجهة لا عقلانية فبدل الأوهام المريضة يجب أن نسلك طريق الصواب والاسترشاد إلى البحث عن الحقيقة فقط لأنه نشاط إنساني أصيل. يكفي هذه الأساطير والشعوذات السقيمة «رفعت الأقلام  وطويت الصحف .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى