الظاهرة الكردية….التعريف والنية

الظاهرة الكردية....التعريف والنية

شيار كوجكري

اخذت الأنظمة الاستبدادية والعميلة في الشرق الأوسط الموقف القائم على إنكار الحقيقة الكردية، وإظهار قضيتها كقضية يمكن قطعها وقذفها أساساً لهم. بالطبع لا يقتصر هذا الموقف على الأنظمة فقط بل إن المثقفين والأكاديميين والفنانين والعلماء والإعلاميين أيضاً ينتهجون هذا الموقف بشأن الكرد. والذين يرغبون في إدامة هذا الموقف في يومنا الراهن الذي تُبذل فيه الجهود لحل هذه القضية بالسبل السياسية والديمقراطية ليسوا بقليلين. إلا أن هذا الموقف ومثلما يعرف نتائجه سابقاً، جلي بأنه سيؤدي إلى نتائج خطيرة إلى آخر درجة وبالأخص في هذه الفترة التاريخية التي بدأ فيه الشعب الكردي والهويات الأخرى بإعلاء أصواتها وإسماعها للعالم.

تعريف ظاهرة ما يبين أسلوب التقرب لها. التعريف الصحيح يؤدي إلى الحلول الصحيحة، أما التعاريف الخاطئة والغير صائبة فإنه لن يجلب معه سوى تعقيد وتعميق القضايا وعدم حلها. حل قضية ما، يتطلب أولاً القيام بتعريفٍ صائب للقضية، وتثبيت أسبابها بشكل صحيح.

يتم تناول مصطلحي «الكرد « و « القضية « بشكل متطابق، لدى مناقشة القضية الكردية. وهكذا، يأتي الأمر إلى وضع لا يمكن الخروج منه. تعد المقاييس التي يتم من خلالها تناول وتعريف مصطلحي الكرد والقضية أمراً هاماً. فالفئات العلمية- الأكاديمية- والفكرية – التي تناولت الظاهرة الكردية بنظرة الإيديولوجية الرسمية لسنين طوال أغلقت على الظاهرة بستار القضية. فبتقديم وجود الكرد الاجتماعي – التاريخي إلى جانب مصطلح « القضية » وتناوله في كفة واحدة، أُنكِرَ وأفنيَّ البعد الاجتماعي- التاريخي للكرد، إذ ما تزال توضع إلى الآن الكردياتية في محل القضية. مما لا شك فيه بأنه هناك قضية معقدة يعاني منها، ويدلي بها الشعب الكردي. فحتى إنه تم إيصال الظاهرة الكردية بحد ذاتها إلى حالة قضية معقدة.

إلا أن هذه الحقيقة لا تعني في أي وقت من الأوقات بأن الظاهرة الكردية هي قضية. الكردياتية ليست بقضية. القضية هي عدم الاعتراف بحقيقة الكرد الاجتماعية- التاريخية، أو بالأحرى ظهرت هذه القضية مع المحاولات القائمة على إنكار هذه الحقيقة.

تعريف جهود الشعوب والثقافات والمجموعات العقائدية بتاريخها الممتد لآلاف السنين ومحاولاتها في تطوير ذاتها وحماية وجودها وتبني حقوقها وتبيان مطالبها على هذا الأساس على أنها قضية، إن لم يكن نابع عن جهالة فهو فاشية وتحريف.

لا يمكن تقييم رغبات الشعوب في تطوير ذاتها، وإحياء ثقافتها، وحماية وجودها وكأنها قضية. عدِّ وجود الهويات الدينية والفروقات الأثنية مثل المسلمين، الأرمن، الرومان، العلويين، والكردياتية على أنها قضية، هو من معارف الدولة- القومية الاستبدادية و القوموية العرقية. وعلى أساسه فإن كافة الهويات ما عدا التي بينتها الدول- القومية ) الترك- السنية- الرجل في تركيا، الفرس- الشيعة- الرجل في إيران، العرب- العلويين- الرجل في سوريا( أوُصلت إلى حالة تصبح فيها قضية بحد ذاتها.

تقديم الهويات إلى جانب مصطلح القضية هو أسلوب من أساليب الحرب الخاصة. بهذا الشكل يتم خلق إدراك ووعي يؤمن بأن « الهويات هي منبع القضايا » ضمن المجتمع. يتم خلق هذا الوعي والإدراك عن قصدٍ ووعي من قبل الدولة. تحريف المصطلحات وقلبها رأساً على عقب، واستخدامها بشكل خاطئ هو من الأساليب التي غالباً ما تقوم الدول القومية بمراجعتها. إنها سياسة من سياسات الدولة في منطقتنا والتي تهدف إلى حماية الدولة القومية وإعلائها وإضفاء المشروعية عليها. لذلك، فإن تناول وتقييم العديد من المصطلحات المتداولة والمعرَّفة من قبل السياسة العالمية من جديد وإعادة تعريفها بشكل مناسب لجوهرها يعد أمراً هاماً إلى آخر درجة. مع العلم بأنه يتم التوجه على أساس مثل هذه المصطلحات إلى التعاريف التي تعيق الحل وتدفع به إلى طريق خاطئ أو مسدود.

وجود الهويات والفوارق المختلفة ليس سبباً للقضايا. الفوارق وتطوير الوجود وحمايته على أساس التباين الإيجابي هو ديالكتيك وجود كافة الكائنات والمكونات. ويسري مبدأ الوجود الكوني هذا بالنسبة للإنسان ومجتمعه. إذ تَشَكَلَ ووُجِدَ المجتمع كمجموع الفوارق والهويات المتباينة. فإن كانت قد وصلت الهويات الأخرى المتواجدة خارج الهوية الرسمية في دول المنطقة القومية إلى وضع تصبح فيه قضية معقدة فهو نتيجة التزييف البنيوي للدولة القومية و ذهنيتها القائمة على أساس الاستبداد والتطابق والأحادية. وما إدراك الهوية الكردية وكأنها قضية سوى نتيجة لمثل هذه الذهنية.

صحيح بأنه هناك قضية، ولكن هذه القضية ليست الهوية الكردية. القضية هي نظام الدولة القومية وسلسلة منطقها وذهنيتها المنشأة في منطقتنا على أساس إنكار وإفناء الهوية الكردية. ولكن الأسوأ هو انتشار هذا الإدراك العائد لقلة من الفئات الحاكمة والسلطوية مع الزمن إلى الشعوب المجاورة. لذلك تقوم الدول الحاكمة المستبدة بتعليل كل ما يتعلق بالظاهرة الكردية في مجتمعاتهم كقضية ومشكلة.

محال أن يكون لمنطقٍ مثل منطق القومية الدولتية المقتربة من الكرد والهويات الأخرى المختلفة على هذا الأساس أن يكون لها تقرب أو موقف يعمل على حل القضايا. لأن المقصود من « حل القضايا » بالنسبة للدولة القومية هو الإفناء والإمحاء والإبادة.

لقد تم الاقتراب من الهوية الكردية لسنين طوال على هذا الأساس. والنتائج الظاهرة للعيان من هكذا تقرب معروفة من قبل الجميع. طلب الهويات المختلفة لحقوقها المشروعة في مثل هكذا أجواء يعد كما وكأنه يحوي بالخطر والتهديد للهويات الرسمية الأخرى كالعرب- الفرس- والترك. وهو ما يعني اختلال وانتكاس مجتمعية الهويات التي ترى وجود الهويات والفوارق المختلفة كتهديد وخطر على وجودها. مع العلم بأن المجتمع يتألف من مجموع الفوارق والتباينات المختلفة.

استُخْدِمَتْ الفئات التي قد أنُشِأ لديها الإدراك الذي يرى الفوارق الأخرى كتهديد لها في الهجمات الجماهيرية والأحداث التعسفية والإبادات العرقية الممارسة ضد الشعب الكردي والفوارق والمجموعات الأخرى. وهو ما يزال مستمرا حتى يومنا الراهن. تقوم الدول من خلال مثل هذه الفئات فرض إنكار الذات والصهر ضمن هوية الدولة الرسمية على الهويات والفوارق الأخرى. هذا الاقتراب يؤدي إلى ظهور ردود أفعال معاكسة ويحث على نخر النزعة القوموية لدى الهويات الأخرى أيضاً، وبالتالي ينمي ويغذي أرضية صراعٍ ربما لن ينتهي حتى ولو استمر لمئات السنين. إذ إن الخناق التعصبي القومي القائم في منطقتنا يتطور على مثل هذه الأرضية.

التقرب الإنكاري للظاهرة الكردية ليس محدودا بممثلي الدول والسلطة والإيديولوجية الرسمية السياسيين فقط. بل أن مواقف المؤسسات العلمية، ومؤسسات الإعلام والصحافة، ومؤسسات الثقافة والفن هي نفسها أيضاً. قيام أصحاب السلطة بنشر آرائهم ومفاهيمهم عن طريق الإعلام، والعلم والفن وتبيانها وكأنها الحقيقة لهو أمرٌ وهيم للغاية. وبالتالي، فإن اتخاذ مؤسسات العلم والفن والإعلام الدولة ومفاهيمها أساساً بدلاً من مقاييس الفن والعلم والحقيقية الاجتماعية هو بمثابة فتح ثغرة كبيرة في بنية الإنسانية.

واضح وضوح النهار بأنه لن يتم حل أي قضية إن لم يتم ترك مثل هذه التقربات. في الوقت الذي وصلت فيه القضية الكردية لنقطة الانفجار، ووصلت الأزمة ضمن الدولة لذروتها قام القائد آبو باسم حركة التحرر الكردية ببدء مرحلة جديدة من خلال إعلانه لحملة الحل السياسي الديمقراطي. فإن فهم المرحلة الجديدة التي قام القائد آبو ببدئها في المرحلة التي أصبح فيها الانقطاع والتضاد فيما بين الترك والكرد يأخذ منحاً أكثر اشتداداً وتسارعاً ضروريٌ جداً.

هناك العديد من الأمثلة والتجارب بحوزتنا لكي نفهم ونرى جيدا ما الذي تؤدي إليه كل ذهنية وسياسة. لذا فإن التقرب بوعي ومعرفة قيمة هذه المرحلة لهو أمرٌ تاريخي إلى آخر درجة. ولدت الفرصة لنا لكي نقوم بتضميد أكبر جرح تعاني منها تركيا ومنطقتنا عموماً على أساس الحل السياسي الديمقراطي. فإن التضحية بهذه المرحلة جراء بعض الحسابات الرخيصة كالتخطيط لتصفية حركة التحرر الكردية، والاقتراب على أساس إنكاري من وجود الشعب الكردي الاجتماعي التاريخي بدلاً من ذلك فإنه سيسوق ويضع الشرق الأوسط ضمن عنفٍ وحربٍ يصعب الخروج منه. ولن يكون الثمن فقدان عشرات السنين فقط، بل فإن الثمن سيكون اندثار ودما قيمٍ عظيمة.

التقرب الإنكاري يمثل أساس القضية. لم يخدم هذا التقرب حل القضية بل زادها تعقيداً وتعميقاً. وأعاق عملية دمقرطة المنطقة وألقى ضربة قاضية للجهود المبذولة بهذا الشأن. لهذا السبب يجب فهم وتعريف الظاهرة الكردية بأبعادها التاريخية- الاجتماعية بشكل صائب. مثلما إن هذا الموضوع هو هام لأجل الانضمام على أساس بنّاء وسليم لهذه المرحلة، فهو بمثابة المفتاح لأجل حل القضية الكردية ودمقرطة المنطقة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى