الفيدرالية مشروع حل وطني للأزمة السورية

الفيدرالية مشروع حل وطني للأزمة السورية

عبدالعزيز حمدوش

جاء الإعلان عن الاتّحاد الفيدراليّ لروج آفا-شمال سوريّا إيذاناً بالدخولِ إلى مرحلةٍ جديدةٍ مع السنةِ السادسةِ للأزمةِ السوريّةِ إذ أنّ البحث قد بدأ جديّاً حول الصيغة السياسيّة التي يمكن اعتمادها لسوريا المستقبل وفقاً لنتائج الميدان التي استهدفت كثيراً من ملامح سوريا ما قبل 2011 , وتباينت التوصيفات وردود الفعل إزاءها ما بين الصمت والفتور والرفض المبالغ فيه تبعاً لحسابات سياسيّة.

الثوابت الأخلاقيّة والوطنيّة والعدالة هي مقوم موقف الكرد من الأزمة

بكلّ الأحوال فالإعلان في أحد جوانبه كان بمثابة تبرئةٍ للكرد ورداً قطعياً بعد خمسِ سنواتٍ من إدانتهم من قاصري النظرِ والمتقوّلين بالانحيازِ أو الوقوفِ في صفِّ النظامِ, ذلك لأنَّ معطيات الميدان ووحدة العدو والتقنين الإعلامي السياسيّ الذي اعتمده النظام طيلة فترة الأزمة فتح المجال للتأويل, كذلك فإنَّ هذا الاتهام جاء من قبيل التماهي في أجندة تركيا في المنطقة وخدمةً لأهدافها, وعلى ذمةِ هذه التهمةِ تمَّ استهداف الكرد من قبلِ فصائلِ المعارضةِ المسلّحة وسائر التنظيمات المتطرّفة الإرهابية كالنصرة وداعش ومن يواليها, تارةً انتقاماً وتارةً أخرى بزعم تحرير مناطقهم, فإنَّ كان هناك ثمة شبهة في العمل الميداني تلاعب بها البعض, فإنَّ إعلان الفيدراليّة في المستوى أكّد حجم الاختلاف والتعارض.

والإعلان كان سابقة تاريخيّة للكرد السوريين وتتويجاً لجهودٍ مضنيةٍ ونضالٍ متواصلٍ من جهة, وتثبيتاً لركائز العمل السياسيّ وتأسيساً على إنجازاتِ الميدانِ, وإخراجِ القضية الكرديّة للفضاء الدوليّ ببعدها الإنسانيّ, بعدما كانت لعقودٍ مسألة مُناطةً بالمؤسساتِ الأمنيّة في دول تواجدهم.

وإذ انخرط الكثير من السوريين في أتونِ صراعٍ مسلّحٍ ليُسقط أحدُهما الآخرَ إما للاحتفاظِ بالسلطةِ بتبني نظرية المؤامرة أو الوصولِ إليها وفق نظرية الثورة, وكلاهما ضمن اصطفافات معينة, مع تبادل تهم التخوين والتكفير, ولتتحوّل سوريا إلى ميدان تصفية للحسابات الإقليميّة والدوليّة, ولنكون أمام شكلٍ من الحرب بالوكالة, كمنطلقٍ لإعادة ترسيم خارطةِ المنطقةِ وفق مقتضيات المصالحِ, فإنَّ الكرد لم يغادروا موقعهم الوطنيّ رغم كلّ الضغوط والإغراءات الرخيصة وشكّلوا مساراً ثالثاً حقيقياً هو الوسطيّة الجامعة انطلاقاً من ثوابت أخلاقيّة وطنيّة جوهرها إنسانيّ وقوامها العيشُ المشتركُ والسلمُ الاجتماعي, وليكونوا بذلك أصحاب مشروعٍ واقعيّ لحلّ الأزمة, يُسقط توصيف البعض لهم بالرماديّة والحياديّة أو من أراد لهم أن يكونو اكذلك, أي أنّهم قابلوا بالوسطيّة استغراق غيرهم بالنزاع من منطلق التطرّف القومي والدينيّ الذي أغرق البلد في الفوضى وحوّله لساحات حرب, وبذلك حافظ الكرد على مسافةٍ واحدةٍ من طرفي الصراع هي بحجم حقوقهم المشروعة كشركاء بالوطن ابتداءً بالإقرار بحقّ الوجود وما يتّصل به من خصوصيّةٍ ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ, دون التماهي في خطابِ أيّ طرفٍ, ورغم أنّ الكرد هم بيضة القبّان في المعادلة السوريّة إلا أنَّ أيّاً من طرفي النزاع لم يحاول مقاربة قضيتهم وتفهّم مطالبهم وحقوقهم بشكل صحيح وضمن سياق وطنيّ.

خطوات منتظمة استوعبت متغيرات الأزمة واستحقاقاتها

لم يكن للكرد من خيارٍ منذ بداية الأزمة إلا الدفاع عن أنفسهم وحماية مناطقهم وبالتالي كان تأسيسُ وحداتِ حمايةِ الشعبِ هو الأولوية نتيجة استهدافهم المتكرّر من قبل فصائل «الجيش الحر » ومن ثمَّ التنظيمات المتطرّفة المختلفة, ولم يقعِ الكردُ في فخِّ عسكرةِ المجتمعِ رغم تواصل التهديد الوجوديّ لهم, فجاء الإعلان عن الإدارات الذاتيّةِ الديمقراطيّةِ في المقاطعات الثلاث24/1/2014 كضرورةٍ لتنظيم المجتمع المدنيّ باعتباره حاضنة الحياة, وظلَّ الكرد ملتزمين بحدود جغرافيا مناطقهم, ولم يتجاوزوها إلا منضوين ضمن قوات سوريّا الديمقراطيّة وليس بعناوين حزبيّة أو أيّ صيغة تنطوي على اجتزاءٍ, بل بالعنوان الوطنيّ العريض الذي يشمل كلّ السوريّين, وبذلك كانت خطواتُ الكرد منتظمةً ومتدرّجةً ووفق مقتضياتٍ واقعيّةٍ في بيئةٍ عاصفةٍ تعبقُ برائحة البارود والدمِ, وهذا ما مكّنهم من الصمود وردِّ العدوان وتحقيق مأثرة الانتصار في كوباني وإنجاز معادلةِ الأمنِ والاستقرارِ التي سقطت في سائرِ أجزاءِ سوريا, فتوالت المواقفُ الدوليّةُ التي تعتبرهم قوةً ميدانيّةً فعليّةً في مواجهة الإرهاب يجب دعمها, وخاصةً بعد أن تحوّلت سوريا إلى بؤرةٍ للإرهاب وقِبلةٍ للمرتزقة من كلّ أنحاء العالم والذي لم يعد خطرُه ينحصر في سوريا بل يتعدّاه ليهدّد السلمَ والأمنَ الدوليين, وما أحداثُ باريس وتفجيرات بروكسل إلا أمثلة لهذا الخطر الذي استدعى أن تدقَّ الحكوماتُ الغربيّةُ ناقوسَ الخطر وتغلقَ مطاراتها لمجرّد الاشتباهِ وترفعَ درجاتِ التأهّبِ وتتخذ إجراءاتٍ أمنيّةٍ مشدّدةٍ, ويستوقفنا أنّ مواطنين بلجيكيين بعد تفجيراتِ بروكسل بادروا لرسمِ علم وحدات حماية الشعب تعبيراً للتأييد لها وعرفاناً بجهودها وتضحياتها بمواجهة الإرهاب العابر للحدود.

التدخل الروسي العسكري غيّر معطيات الميدان لصالح النظام

مع اقتراب موعد انعقادِ جنيف 3 أعلنت روسيا عن سحبِ فائضِ قواتها العسكريّة, ولتُطرح الأسئلة بالجملة

حول هذه العملية, ولكن جواباً واحداً يصلح لها كلّها هو «الميدان », ولعل روسيا حاولت إعادة ترتيب الأوراق

لإحرازِ مكاسبَ جديدةٍ على غرار ما تمَّ من خلال الهدنة, إذ أنجزت هذه القوات معظم مهامها وفي مقدمها إحداث تغييرٍ بالميدان ونقل قوات النظام إلى موقع الهجوم بعد سلسلة الانكسارات التي مُنيت بها, وبالتالي تقليص مساحةِ سيطرةِ التنظيماتِ المسلّحة على اختلافها بفضلِ الغطاءِ الجويّ واستهداف مقارّها ومواقعِ انتشارِها ولتستعيد قواتُ النظامِ السيطرةَ على ريف اللاذقية ولتصلَ طلعاتُ الطيرانِ الروسيّ حتى الحدود مع تركيا, وتضربَ طوقاً موسّعاً حولَ مدينةِ حلب وتباشرَ العملَ على محورين عبر البادية فتستعيد تدمر والقريتين ضمن خطة لعزل الرقة عاصمة خلافة البغدادي, وبذلك ارتفع رصيد النظام في مباحثاتِ جنيف التي لن تكون إلا ترجمةً لمعطيات الميدان, وبالتالي ومع الانسحابِ جدّد القادة الروس التزامهم بمحاربةِ الإرهاب وإمكان العودةِ بمزيد من القوة العسكرية إذما دعت الحاجة, الخطوة الروسيّة جاءت بعد التأكّد من قدرةِ قواتِ النظام على متابعة العمل العسكريّ والاحتفاظ بقاعدتي حميميم وطرطوس وإبقاء منظومات الدفاع الجويّ المتطورة وكذلك الخبراء والمستشارين العسكريّين, وليكون الانسحاب بمجمله محاولة للتعمية والانتقال إلى موقع الراعي لعملية السلام بدل المحارب وفق مقتضيات التفاهم الروسيّ الأمريكيّ الذي تمخّضت الهدنةُ عنه, أي أنَّ موسكو أرادت عبر سحبِ بعضِ قواتها العسكريّة أن تبعثَ برسائلَ واضحةٍ حول جديّتها بالحوار والحلّ السياسيّ, بعدما استطاعت تمريرَ رؤيتها بالتوافقِ مع الأمريكيّ في اتفاق ميونيخ الذي تمّ تأطيره بإجماع أمميّ بالقرار 2268 الصادر عن مجلس الأمن, والذي أفضى لحالة فرزٍ وبالتالي متابعة القتال وليس إيقافه كما يُوحي العنوان, وبذلك تمَّ تركيزُ الجهد العسكريّ على جبهات محدّدة وفتحُ الباب لإجراء مصالحاتٍ مع لنظام عبر غرفة عمليات حميميم,. وبذلك فالقرارُ الروسيّ هو ردٌّ بالمثل على المقاربة الأمريكيّة وتوصيف الرئيس أوباما للسعودية وتركيا بقوى إقليميّة جامحة وأنَّ الولايات المتحدّة الأمريكيّة ليست في واردِ خوضِ حربٍ لصالح تلك القوى والإشارة إلى السعوديّة بالعملِ على حلِّ الأزمتين السوريّة واليمنيّة, وأنَّ على السعودية وإيران تخفيف حدّة الخلافِ وإيجاد صيغةٍ من التعايش فيما بينهما.

اجتماع رميلان خطف الأضواء من جنيف

في هذه الظروف ومع دخول الأزمة السوريّة ربيعها السادس وعشية انعقاد مؤتمر جنيف, جاء الإعلانُ عن

الاتّحاد الفيدراليّ في روج آفا وشمال سوريا كخطوةٍ أحاديّةٍ حسب ما تمَّ تداوله إعلاميّاً, لم تشفع إنجازاتُ الكرد لهم بأنَّ يكونوا ممثلين في مباحثاتِ الحلّ في جنيف استجابةً للمطلب التركيّ باستبعادهم, فيما دُعيَ جيشُ الإسلام وفق توصيةِ السعودية, وهو الفصيل الذي أذاق أحياء دمشق ويلات قذائفه وقتل وحرق الناس واستباح الحرماتِ والممتلكاتِ. الإعلان أصاب كلّ الأطراف بالحرج والارتباك, فاجتماع رميلان السوريّ خطفَ الأضواء من جنيف الدوليّ, والكرد ومن معهم من مكوّنات أعلنوها مدويّة للعالم أنَّ ما لم نأخذه من جنيف يمكننا أخذه بدونها على الأرض السوريّة من غير توسّل أو استجداء وجولات مكوكيّة ولا انصياع لإرادات إقليميّة أو دوليّة كانت السبب المباشر بإدامةِ عمرِ الأزمةِ وتأجيجِ نارِها لتبقي كلّ جولات المباحثات في حالةِ مراوحةٍ بإطارِ الشكليّاتِ وتبادلِ الشروطِ دون أنّ يتّصل البحثُ بالمسائلِ الجوهريّة وآلياتِ الحلّ وتثبيتِ السلمِ ووقفٍ كِاملٍ لإطلاقِ النار ومواجهة الإرهاب كأولوية. تلاقي مواقف النظام والمعارضة على حساب الكرد النظام السوريّ لم يعطِ إعلان الفيدرالية أيّ قيمةٍ قانونيّةٍ, ووفقَ بيانِ وزارةِ الخارجيّة, فإنّه حذّر أيّ طرفٍ تسوّل له نفسه النيلَ من وحدةِ أرضِ سوريّا تحت أيّ مسمّىً كان بمن في ذلك المجتمعون بمدينة رميلان, وحسب البيان فإنَّ طرحَ موضوع الاتّحاد أو الفيدراليّة سيشكّل مساساً لوحدة الأراضي السوريّة وهو ما يتناقض والمفاهيم الوطنيّة والقرارات الدوليّة وأيّ إعلان في هذا الاتجاه لا قيمة قانونيّة له طالما أنّه لا يعبر عن إرادة الشعب السوريّ بكلّ اتجاهاته السياسيّة وشرائحه المتمسكين بوحدة بلادهم أرضاً وشعباً وأنَّ المهمة الأساسيّة الآن هي مكافحة الإرهاب وأيّ ابتعادٍ عن هذا الهدف سيُعتبر دعماً للإرهاب ولكلّ من يريد إضعاف سوريّا والنيل من إرادة جيشها البطل. وعن طروحات الفيدرالية شدّد الرئيس السوريّ على أنَّ « أيّ حبةٍ من ترابٍ سندافعُ عنها وهي ملك الشعب السوريّ, لا بحثَ ولا إمكانيّة ولا فرصةَ لتقسيم سوريا. هذا كلامٌ واهمٌ لا قيمةَ له, أما فيما يتعلق بتطلعاتِ بعضِ القياداتِ الكرديّة فإما أنَّ هؤلاء واهمون أو أنّهم لا يعرفون حقيقة الوجود الكرديّ في سوريّا تاريخيّاً » وقال: «بعد هزيمة المؤامرة الخارجيّة التي استهدفت سوريا تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الاستثمار في المسألة الكرديّة ولن ينجحوا » لافتاً أنّ المنطقة التي أُعلنت فيها الفيدراليّة لا يزيد عدد الأكراد السوريين من سكانها على « %23 وهذا يجعل الفدرلة وهماً ,» وفي تصريحٍ لاحقٍ أحالَ الرئيسُ السوريّ الموضوعَ إلى الاستفتاء الشعبيّ, على أنَّه رهنٌ بإرادةِ السوريين. المعارضة ذهبت برفضها له درجةَ التماهي مع موقف النظام ليكون غزلاً أو تقارباً معه على حسابِ الكردِ ولتعيدَ إلى أذهاننا أحداث 2004 التي وحّدت القومويين من خلفيّات مختلفة دينيّة وحزبيّة ضدّ الكرد بعد أحداث مفتعلة أُريد استدراجهم إليها, وتجاوز بعض أقطاب المعارضةِ موقفَ النظامِ بكثير متمثلاً درجات الرفض والإلغاء وعدم الاعتراف بمجرد وجود الكرد على الأرض السوريّة. ولنتكشف أنَّ مسمّى الثورةِ فاقدٌ لمعنى الوطنيّة عمليّاً في ظل غياب أفق الحلّ لدى المعارضة ومن يقف وراءها, وما جنيف إلا حديثٌ عن شكليّات الحوار وجدلٌ حول انتقال السلطة دون الانطلاق من إرادة الناس, وأنَّ أيّ صيغةٍ تعطي الكردَ شيئاً من الحقوق تُقابل بالرفض وتُجابه بالتمترس خلف شعارات وطنيّة وقوميّة أثبتت تجربةُ أكثر من أربعةِ عقود فشلها, فلا هي حقّقت الوحدة الوطنيّة ولا أدنى درجة من التضامن العربيّ ناهيك عن وحدة العرب القوميّة, وعلى العكس تماماً فإنّ أنشودة بلاد العرب أوطاني أضحت من الماضي السحيق وعبئاً على العرب أنفسهم. وأعربت عشرات الفصائل المقاتلة والإسلاميّة رفضها القاطع للاتّحاد الفيدراليّ وحذرّت من أنّها خطوة تهدفُ إلى تقسيمِ البلادِ, وجاء في بيانٍ وقّعه نحو 70 فصيلاً مقاتلاً: «نرفض رفضاً قاطعاً الإعلانَ الذي تمَّ منذ أيامٍ بخصوصِ تشكيل منطقةِ حكمٍ ذاتيّ أو فيدراليّة في الشمال السوريّ, ونعتبره خطوةً خطيرةً تهدف إلى تقسيم سوريا » وأضاف البيان: «سنقاوم هذه الخطوة بكلِّ ما أُوتينا من قوة وبكل الوسائل السياسيّة والعسكريّة », كما شدّد على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ورفضِ أيّ مشروعٍ قد يُمهّد له على المدى القريبِ أو البعيدِ وتحت أي مسمّىً كان » ووصفته بأنّه « خطٌ أحمرٌ », وأشار البيان أيضاً إلى أنّ « تنظيماتِ عدةٍ استغلت ثورةَ الشعبِ السوريّ وتضحياتِه وسيطرت على أجزاء من أرض سوريا لتأسيس كياناتها العرقيّة أو القوميّة أو الطائفيّة, وأنّ أول هذه المشاريع كان مشروع تنظيم داعش الإرهابيّ وآخره مشروع الفيدراليّة في شمال سوريا ». ويُذكر أنَّ جيشَ الإسلامِ هو أيضاً من بين الفصائل الموقعة على البيان.

ومن جهةٍ أخرى تحدّث أسعد الزعبي كبيرُ مفاوضي الهيئةِ العليا للمفاوضاتِ المنبثقة عن مؤتمرِ الرياضِ رافضاً الفيدراليّة وذهب بعيداً في توصيف الكرد وقلّل من نسبتهم السكانية لحدود ا%.

تغير بموقف النظام وفقاً لمعطيات الميدان

بهذه الصورة رفع إنجاز الميدان من منسوبِ خطابِ النظام سياسيّاً وإعلاميّاً وتحدّث مؤخراً عن مسائل طالما كان يتحاشاها ولو بشكل مقننٍ ومقتضبٍ ولكنّها إشاراتٌ لحجمِ المتغيرات, وبالتالي عادَ ليرسمَ الخطوطَ الحمرَ مجدّداً  حول المسائل الخلافيّة, ومنها مسألة الفيدراليّة, وبذلك خرج النظام عن صمته الذي استغرق خمس سنواتٍ لينسفَ كلّ الإنجازِ المتراكمِ بتصريحٍ واحدٍ وبكلماتٍ معدودةٍ وإحالةِ كلِّ القضية إلى الاستفتاءِ الشعبيّ الذي يبدو النظام واثقاً من حسمِ نتائجه مسبقاً أيّ بعد أن يتفرّغ من حربه مع القوى التي تهدّد بقاءَه مباشرةً, وكان ذلك قبل الإعلان عن الفيدراليّة, وكأنَّ المسألة بالنسبةِ له مجردُ ترتيبٍ للأولوياتِ, وبالتالي لا تغيّر في أسلوبِ النظامِ مع مختلف القضايا إلا بقدرِ ما تمليه الضرورةُ, وهو لم يتخلَ عن خطابِه العروبيّ الحماسيّ رغم كلِّ الرفضِ له من قبل النظامِ السياسيّ العربيّ الذي يعتبرُ النظامَ السوريَّ عبئاً ثقيلاً ولذلك اجتمعت إرادةُ العربِ على إسقاطه, وهم لم يتفقوا يوماً على حربِ إسرائيلَ وتحريرِ الأرضِ بالحماسةِ التي أبدوها بالحربِ على سوريّا, بل أنَّ ملك البحرين اعتبر إسرائيل ضمانةَ الدفاعِ عن الدولِ العربيّة «المعتدلة .

موقفُ النظامِ مرتفعُ النبرةِ وعالي السقفِ جاء بعد التدخّل الروسيّ وسلسلة الإنجازات الميدانيّة, وفي تضاعيفِ بيانِ الخارجيةِ السوريّةِ يظهرُ جليّاً أنَّ شيئاً  لم يتغيّر في خطابه إذ هو يصادرُ الحالةَ الوطنيّةَ ويحصرها بنفسه, والمفارقة أنَّه لايزال يتحدّثُ باسم كلّ الشعبِ السوريّ بعد خمسِ سنواتٍ من الصراعِ المسلّحِ مع فريقٍ آخرَ يدّعي أيضاً أنّه يمثّل كلّ السوريين, ترى ماذا عن ملايين المهاجرين الهائمين على وجوههم واللاجئين في دولِ الجوارِ والنازحين المشرّدين في بقيةِ وطنٍ مقطّعِ الأوصالِ والقتلُ فيه على الهويةِ وملايين آخرين كان إعلانُ الفيدراليةِ باسمهم بعد عقودٍ من الإقصاء؟

تنسيق روسي – أمريكي نحو حضور الكرد في جنيف

خطوةُ الكردِ الأخيرةِ لم تغب عن حسابات الأمريكيّ الذي بادر لدعم الكرد عسكريّاً في سياق حربهم ضدَّ الإرهاب ولو بشكلً محدود بسبب ضرورة مراعاة ومجاملة تركيّا الحليف والعضو في حلف الناتو, فالبراغماتيّة الأمريكيّة تقتضي ازدواجيّة المعايير والموقف, ولا عن حسابات الروسيّ الذي فتح ممثليّة للإدارة الذاتية في موسكو وأشار في مناسباتٍ سابقةٍ إلى النظام الفيدراليّ حلاً للمشكلة السوريّة, كما ويواصل التأكيد على حضورِ الكردِ مفاوضاتِ الحلّ السياسيّ بما يمثّلونه من ثقلٍ ديموغرافيّ وقوةٍ ميدانيّةٍ عسكريّةٍ فعليّةٍ, وفي لقاء موسكو الأخير الذي جمع وزيري الخارجيةِ الروسيّ سيرغي لافروف والأمريكي جون كيري نجحت الدبلوماسيّة الروسيّة بتثبيت ثلاثِ نقاطٍ الأولى: العملُ المشتركُ لإقناعِ الكردِ بدخولِ مفاوضاتِ جنيف وتوفيرِ البيئةِ المناسبةِ لمشاركتهم مقابلَ نقلِ مناقشةِ الفيدراليّةِ التي أعلنوها من طرفٍ واحدٍ إلى طاولةِ المفاوضاتِ, وبالتالي كسرُ حالةِ احتكارِ تمثيلِ مجموعةِ الرياضِ للمعارضة والنقطة الثانية: البحثُ في مسألةِ دستورٍ جديدٍ بنهاية آب  والثالثة: تثبيت موعدِ حكومةِ الوحدةِ الوطنيّةِ بنهاية حزيران بمشاركة شخصياتٍ من المعارضة فيها, وعلى هذا الأساس يتمُّ التعاون بين الحكومةِ السوريّةِ الموحّدة والمجتمعِ الدوليّ وبحثُ تطبيعِ علاقاتِ سوريّا بالخارج وموضوعِ الحربِ على الإرهابِ, وبالمقابل فإنّ الرئيس الأمريكيّ أوباما يريد أن يغادرُ البيت الأبيض في خريفِ هذا العام محققاً نقطةً مهمةً لصالحِ حزبه الديمقراطيّ يمكن استثمارها في الانتخابات.

تركيا وفوبيا الكرد

وذهبت تركيا إلى حدّ تخييرِ الولاياتِ المتحدةِ بين الكرد والدولةِ التركيّةِ, وذلك بدافعٍ من هواجسها وكذلك في مقاربةٍ واقعيّةٍ لفهم مستوى التنظيم والخطوات التي يقومُ بها الكردُ, إذ أنّ الموضوع السوريّ بكلّ تفاصيله وتداعياته بات الشغل الشاغل لحكومة العدالة والتنمية المأخوذة بفوبيا الكرد ولتؤثّر بعمقٍ في مجملِ الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة, ولعلها بدأت اليوم بحصاد ما زرعته وتحتمل عواقب تدخلّها السافر في سوريّا, فتخسر السلم الاجتماعي والأمن داخل البلاد, فلا استطاعت تركيا إسقاط النظام السوريّ ولا استطاعت إنشاء منطقةٍ عازلةٍ أو آمنةٍ أو منطقة حظر جويّ التي روّجت لها وسعَت إليها لدى الناتو, ناهيك عن سقوط مشروعها بإحياء العثمانيّة الجديدة والتحوّل لقطبٍ إسلاميّ سنيّ مقابل إيران الشيعيّة عبرَ البوابةِ السوريّةِ, ولعبةُ النارِ التي أوقدتها تركيا باتت تتلظّى بها, خاصةً بعد إسقاط عمليةِ السلامِ مع الكرد وإعادةِ الانتخاباتِ ومواصلةِ العدوانِ المسلّحِ عليهم ومواصلةِ حملةِ الاعتقالاتِ في مدنِ وبلداتِ باكور كردستان. ورفض تركيّا للفيدرالية يرتكز إلى معرفتها يقيناً أّنّ قيامَ الفيدراليّةِ على حدودها مشروعٌ له حظه من البقاء وسيكون له تأثيرٌ مباشرٌ على الداخلِ التركيّ عامّة والوضع الكرديّ خاصّةً, كما وتعلم جيّداً طبيعةَ العلاقةِ الوثيقة التي تربط طرفي الحدود بين روج آفا وباكور كردستان لأنَّ سياستها سببٌ مباشرٌ في تقويةِ وتوطيدِ تلك العلاقةِ القائمةِ على وحدةِ العدو, وعلى هذا الأساس سعت تركيا لضرب الكرد في سوريا عبر دعم كلِّ الفصائل المسلّحة بما فيها النصرة وداعش, اعتباراً من الإرهاصات الأولى التي تحسّستها قبل غيرها, وكذلك بممارسة أقصى درجة للضغط السياسيّ لإبعادهم عن الانضمام إلى مؤتمر جنيف كجزء من الحلّ, وبعبارة أخرى الفيدراليّة تعني بالنسبةِ للحكومةِ التركيّةِ إغلاقَ الحدودِ في وجه مشروعها بأَخوَنَةِ المنطقةِ وزعامتها للعالم الإسلاميّ والوصول إلى العمق العربيّ وما يتصل بذلك من مشاريع اقتصاديّة كان خط الغاز القطريّ أحدها. وربما لن يطول الزمن لتندم تركيا على خسارةِ مفاعيل اتفاق أضنة 1998 والذي نقل علاقتها مع سوريّا من التناقض والاشتباك إلى مستوى عالٍ من التنسيق والتشبيك وحصلت بموجبه على حوافزَ اقتصاديّةٍ مهمةٍ على حساب السوريين عامّة وضمانات أمنيّة على حساب الكرد خاصّة. وكردٍّ على إعلان الفيدراليّة واحتواء نتائجها بدأت أنقرة بإجراء ترتيباتٍ تنطوي على تغييرٍ في البينةِ الديموغرافيّةِ جنوب البلاد وإقامةِ حاجز ديموغرافيّ على أساس مذهبيّ, وتدرس إمكانية منحِ الجنسيّة التركيّة للاجئين السوريين على أرضها والذين يتجاوز تعدادهم 2,5 مليون, وبالتالي إنشاء شكلٍ من التوازنِ مع العلويين في تركيا المتعاطفين مع محنةِ علويي سوريا ولتمنع التواصلَ بين طرفي الحدود.

واليوم يمكن للمتابعِ أن يُوصِلَ بعض الخيوطِ المفقودةِ على كاملِ مسارِ الأزمة السوريّة ويجدَ التفسيراتِ لكثير من السياساتِ والظواهرِ وفي مقدمها موضوعُ الهجرةِ واللاجئين, وأن يفهم السرّ وراءَ كلّ هذا التساهل التركيّ مع عابري الحدودِ, فالطبيعيّ أنّ الدول تتحفظ على حدودها إن نشبت حربٌ في بلدٍ مجاورٍ, وأمّا أن تصبحَ الحدود مستباحةً ومعبراً أساسيّاً لاستيراد اللاجئين الهاربين وتوريد المقاتلين الإرهابيين, فتلك لعبة أرادتها أنقرة لتحقيقِ عدةِ أهدافٍ منها التغيير الطبيعيّ في التركيبة السكانيّة لسوريّا وخاصةً في مناطق الشمال, ولذلك أرادت من إنشاءِ المنطقةِ العازلةِ أن تكونَ عائقاً يمنعُ تواصلَ مناطقِ شمال سوريا بالإضافةِ لأن تكونَ النواةَ والمنطلقَ للفصائلِ المسلّحةِ المواليةِ لها وإعادةِ اللاجئين إليها.

روج آفا لن تكونَ باشور أخرى, حيث استوعبت تركيا مسألةَ الحكمِ الذاتيّ هناك كأمرٍ واقعٍ فرضته الظروفُ الدوليّة والدعمُ الأمريكيّ له بعد محاولاتِ الرفضِ المتواصلِ, وتمَّ الانتقال إلى مستوى متقدّمٍ من العلاقاتِ بين طرفي الحدود كشراءِ النفطِ والسماحِ بتدخّلِ القواتِ البريّة التركيّة ومواصلةِ طيرانها الحربيّ غاراتِه لضربِ معاقل وملاحقةِ عناصر حزب العمال الكردستانيّ.

الفيدراليّة انتصارٌ للسلم الاجتماعيّ على ثقافة الحرب

خمس سنوات ومناطق الكرد ما تزال محاصرةٍ لوقوعها ما بين مناطقِ المعارضةِ والحدودِ التركيّةِ مصدرِ كلّ المخاطرِ والهجماتِ عليهم, ولا تزال الطرقُ والكهرباءُ مقطوعةً عنهم وكذلك سائر الخدمات وضرورات الحياة من غذاء ودواء ومحروقات.

خمسُ سنواتٍ والكردُ في مرمى الاستهدافِ المسلّح ولم يحرّك النظام ساكناً وكذلك كلّ الموقف السياسيّ العربي الذي لم يهتز ضميره المصاب بالبلادةِ والخدرِ الكاملِ, حتى يوم وقعت مأساة كوباني واُستبيحت المدينة وقراها على يد أعتى هجمةٍ بربريّةٍ, وكذلك الأمر في الحصار المستمر للكرد في مناطقهم وعبر الإعلام والشعارات والسياسات, ولكن ومع إعلان الفيدراليّة تعالت الأصوات تنديداً ورفضاً ولتعود لغة التخوين وتوزيع شهادات الوطنيّة, ولنتأكدَ أنّنا أمام مشكلةٍ حقيقيةٍ متجذّرةٍ في ثقافةِ البعضِ وزادتها ظروفُ الحربِ رسوخاً وهي فقدان الثقة, ترى من يمنع وحتى اليوم من قيام تركيا بمغامرة تدخّلٍ عسكريّ موسّعٍ عبر الحدود الشماليّة ويتصدّى لقوى الإرهاب بمختلفِ تنظيماتها؟ وإذا كان تجاهلُ الدولةِ لجزءٍ من مواطنيها هو مشكلة, فإنّ المشكلة أعظم عندما تنظر إليهم كدورٍ وظيفيّ وحالةِ استثمارِ سياسيّ تصمت عنهم في ظروفٍ معينةٍ تتعلق بتقاطع المصلحة من زاويةٍ ضيّقةٍ تتصل بضعف وجودها وانحسار سلطتها, ولكنّها سرعان ما تنقلب رافعةً الصوتَ والسوطَ في وجههم بعد امتلاك القوة والمقدرة, فالشعوب ليست للاستثمار في سياق أيّ صراعٍ أو سياسةٍ, بل هي المنطلقُ والغايةُ.

واليوم يتجاوز الكرد عقوداً طويلة من التهميش والإلغاء والإقصاء والتعريب الممنهج للوجود, وكذلك كلَّ مآسي الحرب وما تضمنته من استهداف مسلّح لهم في قراهم ومدنهم وصولاً لحي الشيخ مقصود بمدينة حلب وحيثما كانوا, ويتجاوزون الحزام العربيّ الذي أُّريد له أن يغيّر البينة الديموغرافيّة لمنطقة الجزيرة. ويردوّن على ذلك بمدٍّ جسر الوطنيّة والديمقراطيّة وطرح مشروع أخوة الشعوبِ والتعايش السلميّ, فالفيدرالية انتصارٌ للسلم الاجتماعيّ مقابل الحرب الطائفيّة التي ترزح البلاد تحت وطأتها في عامها السادس.

النظام المركزيّ لا يمكنه استيعاب الفيدراليّة

وأمّا توصيف الفيدرالية بأنّه مساسٌ لوحدةِ الأراضي السوريّة وما يتبع ذلك من تهمِ التقسيمِ والانفصالِ, فتلك ليست تهمةً مستجدّةً, فالاتّهام بالانفصاليّة كان جاهزاً ومحتملاً بأنَّ يُوجّه لأيّ كرديّ وقد يُعتقل على ذمتها, والصحيحُ أنَّ التقسيمَ لإماراتٍ دينيّةٍ على أساسٍ مذهبيّ واقتطاعَ الأرضِ كان في صلبِ مشروعِ فصائلِ المعارضةِ المواليةِ للتنظيماتِ ذاتِ الفكرِ القاعديّ المتطرّفِ ولاقى ذلك دعماً عربياً وتركيّاً.

وإذا كان الدستورُ يحاكي وجوداً وثقافةً واحدةً ويتبنى مفهومَ الدولةِ القوميّةِ ذات النظام المركزي دون التعدّديّة فهو لايزال بعيداً عن مقاربة معنى الديمقراطيّة وقاصرٌ عن استيعابِ حالاتِ التنوعِ في النسيجِ الوطنيّ والخصوصيات الثقافيّة, ولا يلبي حاجاتِ المجتمعِ السوريّ ناهيك عن المكوّناتِ الإثنية بما فيهم الكرد, والدليلُ هو أنَّ تعديلَ الدستورِ هو أحدُ أهمِّ الخطواتِ المطروحةِ على طريقِ الحلِّ.

الفيدراليّة شكلٌ متطورٌ لنظامِ الإدارةِ المحليّةِ يستوعب تنوع مكوّنات الوطن

الاتّحاد الفيدراليّ لن يكونَ بأيّ حالٍ من الأحوالِ مشروعَ تقسيمٍ أو تجزئةٍ لسوريّا بل مشروعَ حلّ لأزمتها ، وتوصيفُ الفيدراليّةِ بالتقسيمِ أو الانفصالِ ينطوي على مغالطةٍ, لأنَّ الكرد في منطلقاتهم الفكريّةِ والإيديولوجيّةِ وصلوا لمرحلةٍ متقدّمةٍ يؤمنون فيها أنّ عصرَ الدولِ القوميّةِ قد ولى إلى غير رجعة كنموذج الدولة التركية والسورية  الذي يقومُ على قوميّةٍ واحدةٍ ولغةٍ واحدةٍ وثقافةٍ واحدةٍ, وأنه في إطار الدولةِ الديمقراطيّةِ التعدّديّةِ يحافظُ كلُّ مكوّنٍ على خصوصيّته وسهمه على قدمِ المساواةِ مع غيره من المكوّناتِ في الحالةِ الوطنيّةِ, ولا يمكنُ لأيّ دولةٍ في العالم الادعاءُ بأنّ كلَّ مواطنيها ينحدرون من جذرٍ عرقيّ تاريخيّ واحدٍ وأنّهم من قوميّة واحدةٍ, إلى جانبِ أنّ الدولَ ذاتِ نظام الحكمِ المركزيّ لم تستطع تحقيقَ معدلاتِ نمو اقتصاديّ أعلى بالتوازي مع رفعِ مستوى المعيشة لكلِّ مواطنيها وأن تتساوى أنماطُ الحياةِ على سائرِ جغرافيتها, وما الفيدرالية بهذا المعنى إلا شكلٌ متطورٌ لنظامِ الإدارةِ المحليّةِ المعمولِ به منذ عقودٍ والذي فشل في تحقيقِ شعاره « حكمُ الشعبِ نفسَه بنفسِه ولنفسِه » نظراً لصرامةِ الرقابةِ المركزيّةِ وتراكمِ الصلاحيّاتِ والمسؤوليّاتِ والامتيازاتِ في المركز, وعدم وجودِ صلاحياتٍ موسّعةٍ للمحافظاتِ وتغييبِ بعضِ أجزاءِ الوطنِ لدرجةِ الإهمالِ لأسبابٍ سياسيّةٍ, والوصايةِ عليها من قبل العقليّة الحزبيّة والفساد الذي نخر مفاصلَ الدولةِ, ومن جهة أخرى فمن الأهميةِ بمكانٍ أن نستذكرَ تاريخَ سوريا الحديثِ وفشلَ محاولاتِ المحتلِّ الفرنسيّ تقسيم البلاد, فالمكوّنات السوريّة محكومةٌ بالتعايش, وفي تجربةِ إنجاز الاستقلال الوطنيّ وإجلاءِ المستعمرِ الفرنسيّ اتّحدت مع بعضها في مواجهته وناضلت معاً, والتقسيم إنّما حدث في مستوى الفكرِ والانتماء نتيجة الأزمة وارتباط الأطراف المتصارعة بقوى مختلفة.

الفيدراليّة ترسيخٌ للوحدة الوطنيّة

الفيدراليّة ليست حالة ابتداع جديدة بل هي مشروع وحدة ومناعة للأمة ويعود تاريخ نشوء أول نظام كوميناليّ فيدراليّ لأكثر من ثلاثة آلاف عام، وأول ظهور له في آسيا الصغرى بين المدن الهيلينيّة وكانت التجارة هي الدافع لها وكذلك ضرورة الدفاع المشترك, كما وأنّها ظهرت في نظام روما القديم، وفي العصور الوسطى تمتعت بعض المدن بنوعٍ من الحكم الذاتيّ في ألمانيا وإيطاليا, ولا يسعنا تعداد الدول التي تتّبع النظامَ الاتّحاديّ الفيدراليّ ومنها بلجيكا وألمانيا وهولندا وسويسرا وروسيا ودولٍ في أمريكا اللاتينيّة, وكذلك الإمارات العربيّة المتحدة ذاتِ الحكمِ الوراثيّ الأميريّ.

وإذ تختلفُ أسماءُ التقسيمِ الفيدراليّ ضمن الدولةِ الواحدةِ ما بين الإقليمِ والكانتون والولاية والإمارة إلا أنّها قطعاً لا تنتقص من وحدة وسيادة الوطن ولا من وطنيّة الأفراد أو شعورهم بالانتماءِ إلى وطنٍ واحدٍ, وما يلفت الانتباه هو التجربة الأوروبيّة إذ اجتمعت إرادةُ مجموعةِ الدول على التوافقِ على نظامٍ سياسيّ يجعل منها قطباً له ثقله في رسمِ السياسةِ العالميّةِ واستتبع ذلك تشكيلُ برلمانٍ مشتركٍ وتوحيدُ العملة. ويبقى السؤالُ ما البديلُ لدى رافضي المشروع الفيدراليّ؟ أليست هذه الحرب في أسبابها واستمراريتها هي نتيجةٌ لأحاديّةِ الرؤيةِ والفكرِ ومركزيّةِ السلطةِ وصولاً لخلق البيئة المناسبة لطفيليي الفساد وتسيّدهم مفاصل الدولة وزيادة الهوة والفروق الاقتصاديّة بين الناس؟ إذ ليس من الحكمة إسقاطُ مشروعٍ حلٍّ قبل اختباره, وإذا كان مجردُ السلطةِ يعني نظاماً إداريّاً وسياسيّاً لحكم الناس, فإنَّ الديمقراطية هي أن يكون نظامُ الحكمِ وفقَ إراداتهم ومعبّراً عن وجودهم وتطلعاتهم.

الوحدةُ الوطنيّةُ التي كانت اللازمة المكرّرة في الخطاب السياسيّ والإعلاميّ طيلةَ عقودٍ ولم يكن لها قيمةٌ واقعيّةٌ إلا من قبيل التنظير الحزبيّ, إذ تمَّ تجاهلُ مفرداتِ ومكوناتِ هذه الوحدة لتبقى قاصرةً عن بلوغِ معناها في بلدٍ صبغ الحزبُ القائدُ للدولةِ والمجتمعِ كلَّ تفاصيلِ الحياةِ بلونٍ واحدٍ وألغى ما عداه, فالكلُّ عربٌ سوريون, والعقليّةُ التي تسودُ المجاميع الإرهابية المسلّحةَ هي نفسها مع اختلاف التوجّه. ثم إنَّ عناوين القوميّة والوحدة والتضامن العربيّ لم تزد إلا في غربة النظامِ وعزلته عن محيطه العربيّ المنفتحِ أبداً على إسرائيل, بمقابلِ أنّه أثقل كاهلَ المواطنِ السوريّ العاديّ.

إنَّ نظاماً لم يصل حتى اليوم إلى مستوى الإقرارِ بعيدِ النوروز كتظاهرةٍ احتفاليّةٍ تراثيّةٍ فلكلوريّةٍ تخصُّ طيفاً واسعاً في الوطن ويضيفه إلى روزنامة الأعياد الوطنيّة لإغنائها, فكيف به يتحدّث عن المفاهيم والوحدة الوطنية,ولطالما لطّخ النظام احتفاليات النوروز بالدم وأفسدها بالاعتقالاتِ, هذا عدا عن سياسته بحقّ الكرد والحرمان من الجنسيّة الوطنيّة وممارسة الإبادة الثقافية ومنع لغتهم وإبعادهم عن الساحة السياسيّة.

الشعوب لها حق الحياة بصرف النظر عن نسبتها

إن مناطق شمال سوريا واقعاً ذات غالبية كردية ، والتصغيرُ المبالغُ فيه لنسبةِ وجودِهم في خطابي النظامِ والمعارضةِ يأتي في سياقِ تبريرِ إسقاطِهم من الحساباتِ السياسيّةِ سواء بالشراكةِ الوطنيّةِ أو بمؤتمرِ جنيف, وكأنّ المكوّنات الوطنيّة تحصلُ على شرعيّتها وتمتلكُ حقّ الحياةِ من خلال النسبِ المئويّةِ وليس بمجرّد الوجودِ, أو أنّ قدرَ المكوّنات الأقل عدداً هو أن ترزح تحت وطأةِ حكمِ الأغلبيّةِ ودون الاحتكامِ إلى معيارِ الوطنيّةِ الأوحدِ, وبذلك فإنَّ إعلان الفيدراليّة لا يمكنُ اعتباره خطوة ذاتيّة, بل هو مشروعٌ متكاملٌ له أسبابه الموضوعيّة ومبرّراته الوطنيّة وكذلك جذوره التاريخيّة بعد عقودٍ عجافٍ من التهميش والإقصاء لأبعدِ درجةٍ, وكلّ ما تخشاه تركيا هو انتقالُ العدوى إليها, فهي خطوةٌ تبدأ بسوريا ولكنّها ستنتهي في تركيا حتماً, كما وستؤثرُ على الوضعِ الكرديّ عامّةً في العراق وإيران.

في جنيف تمخّض الجبل عن فأر

لم تشفع إنجازاتُ الكرد لهم بأنَّ يكونوا ممثّلين في مباحثاتِ الحلّ في جنيف استجابةً للمطلب التركيّ باستبعادهم. أما ما يُمكن أن يُقال عن جنيف ووثيقة الموفد الأممي ستيفان دي مستورا التي سلّمها لوفدي النظام والمعارضة فهو أنّ » الجبل تمخّض عن فأر »، إذ أنّه أعاد الأزمة للمربّع الأول، وكأنّ الأطراف المجتمعة لم يكن لها همٌّ إلا التصدي لإعلان الفيدراليّة تغييباً وتجاهلاً.

رغم أنّ بنود وثيقة دي مستورا التالية تنصُّ أنَّ «سوريا دولة ديمقراطيّة غير طائفيّة »، وكذلك أنَّ سوريا تعتزّ » بتاريخها وتنوعّها وبما تمثّله جميع الأديان والتقاليد والهويّات الوطنيّة، وأنّه لن يُسمح بأيّ تمييز ضدّ أيّ مجموعةٍ من المجموعات القوميّة أو العرقيّة أو الدينيّة أو اللغويّة أو الثقافيّة، كما سيتمُّ توفير الحماية الكاملة لهذه المجموعات جميعاً » إلا أنّ كلَّ ذلك سيق على سبيل التنظير، لأنّ الواقع يناقضه وإرادة المجتمعين ترفضه.

وثيقة دي مستورا لم تتصدَ فعليّاً لكثير من القضايا العالقة التي تراكمت عبر الزمن والمتعلقة بالإقرار بخصوصية المكونات السوريّة بل جاءت على شكل شعارات فضفاضة مبهمة تحتمل الكثير من التأويل والتفسير وينقصها آليات قانونيّة واضحة ما يجعلها في صالح الأغلبيّة أي أنّها اعتمدت النسبة العدديّة أساساً, فالوحدة الوطنية والديمقراطية بقيت مجرد عناوين عريضة ولتكون حقلاً مزروعاً بألغام تهم التقسيم والانفصال يحتمل تفجيره منعاً من أيّ استحقاق أو مطالب.

كما أنَّ الوثيقة لم تتطرّق أبداً لحالة الغياب في تمثيل الشعب السوريّ على قاعدة الحوار مع من حضر, والاستمرار بتجاهل دعوة آخرين استجابةً لضغوط خارجيّةٍ, إذ أنّ دي مستورا كان مطالباً بتصحيح الخطأ في مستوى الدعوات لحضور الاجتماع رغم مطالبة أطراف دولية بذلك, فوفدا النظام والمعارضة لا يمثلان إرادةَ كلّ السوريّين, وبالتالي سينعكس ذلك مباشرةً على القراراتِ المتخذة ويجعلها قاصرةً عن إيجاد حلٍّ شاملٍ للأزمة, وعلى هذا ستبقى المؤسسات الأمنيّة هي الحكم في التفاصيل الثقافيّة والاجتماعيّة ما لم يتمّ تبني حلٍّ سياسيّ واضح المعالم يسمّي الأشياءَ باسمها من غيرِ مواربةٍ وإبهامٍ.

وثيقة دي مستورا إعادة لإنتاج النظام المركزيّ السابق

ممثّلو العشائر والفعّاليّات المجتمعيّة في روج آفا – شمال سوريا أكّدوا أنهم غير معنيين بمخرجات جنيف – 3 ونتائجه وما يصدر عنه من قرارات تعيد إنتاج النظام المركزيّ السابق، منتقدين وثيقة دي مستورا لتجاهلها إرادة شعوب مكوّنات الإدارة الذاتيّة. وأكّدوا أيضاً تأييد الحل السلمي والحوار ونبذ العنف، إلا أنّ الوثيقة لا تلبي طموحات الشعب السوريّ وتضحياته وانتقدوا تجاهل عدّة حقائق منها: أنّها لم تشمل على مشاركة مكوّنات روج آفا في المفاوضات وتجاهلت إرادة شعوب مناطق الإدارة الذاتيّة شمال سوريا التي وجدت في الفيدراليّة النظام الأمثل لسوريا وبأنّ النظام المركزيّ لا يستجيب للواقع الذي أفرزته الثورة السوريّة، وغاب عن الوثيقة التضحيات الجسام لأبناء هذه المناطق من المكوّنات المختلفة المنضوية تحت لواء قوات سوريا الديمقراطيّة، وتجاهلت الوثيقة التجربة الناجحة للإدارات الذاتيّة والتي حقّقت الأمن ووفّرت العيش الكريم المشترك وأخوة الشعوب.

ورغم أنّ إعلان الفيدراليّة لم يتعارض من حيث المبدأ مع النقاط الجوهريّة الواردة من حيث التأكيد على الوحدة الوطنيّة والسلم الأهليّ ومكافحة الإرهاب، إلا أنّ الوثيقة تغاضت عن كلّ ذلك في إعادة لعقاربِ الساعةِ للوراء، فالبيئة السابقة (النظام المركزي) هي أساس المشكلة في أسبابها الموضوعيّة.

الفيدراليّة فرزٍ حقيقيّ أشمل لأنصارِ الحلّ السياسيّ وامتحان الوطنيّةِ الحقيقيّةِ

مشروع الفيدراليّة هو بمثابةِ عمليةِ فرزٍ حقيقيّةٍ أشمل لأنصارِ الحلّ السياسيّ الذي يضعُ حدّاً للحرب على ذمةِ أجنداتٍ خارجيّةٍ للوصول إلى السلطة ويحقن دماءَ بقية السوريّين, واختبارٌ لصدق النوايا بالحلّ وبعبارةٍ أوضح مشروع الفيدراليّة هو امتحانُ الوطنيّةِ الحقيقيّةِ والمسارِ السلميّ التزاماً وعملاً وليس شعاراتٍ وتنظيراً, ويرسمُ المعالمَ والآفاقَ المستقبليّة لسوريّا الديمقراطيّةِ التعدّديّةِ التي تحظى كلُّ المكوّنات في كنفها بحقوقها كاملةً ويضمدُ جراحَ الحربِ ويكونُ جسرٍ ترابطٍ وتواصلٍ عابرٍ لكلِّ الأطيافِ بعدما قطّعت الحربُ الطائفيّةُ أوصالَ البلاد وحوّلتها إلى جزرٍ نائيةٍ, ويستندُ الإعلانُ لتجربةٍ ناجحةٍ أثبتت فعاليتها وصحّتها من خلالِ مجلس سوريّا الديمقراطيّ وقواتها التي تمضي في تحقيق نجاحاتٍ كبيرةٍ وتحرّر الأرض وتستعيد الإنسان وتخلّصه من ربقةِ العبوديّةِ والظلمِ على أيدي مرتزقة داعش المدعومة إقليميّاً, وليتجاوزَ النظامُ الفيدراليّ حدودَه الجغرافيّةِ ليكونَ رؤيةً لحلٍّ شاملٍ للأزمةِ ويعزّزَ كرامةَ الوطنِ بالمحافظةِ على وحدته وكذلك المواطن الذي كان مغيّباً. وإذ كنا على قناعةٍ أنَّ الحلَّ يجب أن يكون سوريّاً فالأولى أن يكون انطلاقُه على أرضٍ سوريّةٍ.

قصارى القول إذا كان تشكيل وحدات حماية الشعب أدّى إلى إيجادِ حالةٍ من الاستقرارِ والأمنِ والسلامةِ شكّلت البيئةَ والحاضنةَ لقيامِ الإدارةِ الذاتيّةِ في المقاطعاتِ الثلاث وتحريرِ كوباني, ومن ثم كانت مساهمة الكرد في مشروعِ سوريا الديمقراطيّة عبر مجلسها السياسيّ وقواتها التي حرّرت الشدادي وردّتِ العدوانَ عن كري سبي ووصلت طلائعها سدَّ تشرين وسطّرت ملاحم بطوليّة في ريف حلب, فإن ما يُنتظر من مشروع الفيدرالية تحرير كامل الجغرافيا السوريّة الوطنيّة بتوافقِ سائرِ مكوّناتها وتوحيدِ الجبهةِ والبندقيةِ ليكونَ الإرهابُ هو أولويةُ المرحلةِ, إذ أنَّ أزمة السوريّين ومحنتهم مستمرّة في مستوى النزوح والهجرة والغلاءِ والفقرِ والخدماتِ, ومازال الكثيرون يتطلّعون إلى الحدِّ الأدنى من الحياة فيما لم تجتمع إرادة المتخالفين على إنهاءِ حالةِ الحربِ, ومازالت شروطُ الحوارِ هي ذاتها أسبابُ الحربِ, وبالتالي لم تتبلور حتى الآن رؤيةٌ واضحةٌ لآلياتِ الحلّ ليصارَ إلى وضعِ برنامجٍ زمنيّ, وسيستمرُّ واقعُ الحربِ مادام الحلُّ يُنظرُ إليه بعينِ التخوينِ والتقسيمِ أو يُعتبرُ وهماً, ولايزال الكثيرون بانتظار الحلِّ المُستوردِ من الخارجِ ممهوراً بخاتمِ الكبارِ, فقانون الحرب أن يتقاسم الكبارُ الغنائمَ والصغارُ الخسائرَ.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق