المصاعب هي في الوقت نفسه مدرستي في الحياة

المصاعب هي في الوقت نفسه مدرستي في الحياة

دلبر

ستبقى سفوح الجبال تعلمني أبجدية العيش، فالسير على سفوح جبل جودي، والوقوف على قممه التي تطل على سحر جمال الطبيعة بالإضافة إلى تسلل هوائه العليل إلى الأعماق يهبنا الأمل من جديد ليس ذلك وحسب وإنما السير على أراضيه التي شهدت التاريخ بحد ذاته يعطينا العظمة والإصرار والعنفوان.

إنه جودي بهيبته الخضراء، مازال صدى الماضي يتردد في زواياه، إن قلت بأنه تاريخ فقط سأكون مخطئة بل علي أن أقول بأنه تاريخ حي فالشمس مع كل غروب لها تحمل معها ذلك اليوم في جعبتها لتضعه خصلة أخرى بين جدائل التاريخ، لذلك لم يخطئ من قال بأن جودي هو مراد القلوب، فتربته مازالت رطبة بدموع الماضي، و حجارته مازالت تخبئ الضحكات بين ألسنتها، كما أن جودي لا يتبدل أربع مرات في السنة بل هو يعيش أربعة فصول في كل يوم، إنه لا ينسى أبداً أن يروي قصصه لزواره، مثلما رواها لي في أول خطوة لي على تربته حيث بدأ بسفينة نوح إلى أن وصل إلى بنفش ومضى مضى ومازال يمضي …وأنا بدوري سأبقى أستمع، فالإبحار في بحر عيني جودي روعة لا توصف، سترى في أصدافه لآلئ مطرزة بهمسات الحقيقة، ستتعالى الأمواج وتتعالى لتنعش وجهك بقطرات الرفاقية المقدسة، سيعكس لك قوس قزح الذي تزين به الجبال شعرها كما هو بل وسيكمل نصفه الآخر ليشكل لك حلقة من الألوان التي ستغمرك في ربيع أزلي.

إنها هيبة جودي الخضراء، ولكي نتحد معه ومع الطبيعة علينا أن ندمج روحنا مع روح الطبيعة، علينا أن نكتشف سر الكون، علينا أن نعرف بأن الكلام فقط لا يمثل الحياة، فهناك لغة ما بعد الكلمات لم نكتشفها بعد، إنها ألف باء الطبيعة وجودي أيضاً له لغته التي يجب أن نتعلمها وربما سيتطلب فهمها أن نتحد معه، أن نصبح جودي. مازالت تلك اللحظات التي راودتني حينها ملونة في خاطري طوال مسيرتي الثورية ونضالي لسنوات، وإنني واثقة بأنها تكاد لا تبرح صفحات مخيلتي، مع العلم أني لاقيت العديد من المصاعب سواء الجسدية أو في الاتحاد مع الطبيعة ومعرفتها بكل معانيها وعدم إهمال حقيقة أن لكل شيء طرفان وأنا لدي عينان وكل واحدة تنظر من عدسة مختلفة، إحداهما تنظر للنصف المكتمل من الكون والأخرى للنصف الذي مازال غير مكتمل، والأهم من كل ذلك أن أعرف الفرق بينهما. كل ذلك لم يمر في مخيلتي، أنا التي عشت في سهول الجزيرة جنوب غربي كردستان، التي لم تتعود على طبيعة الجبال فقد ولدت على السهول وترعرعت في أحضان الحر والطرق المعبدة. ولكن مع بزوغ خيوط ثورة التحرر تحولت كل المصاعب إلى روح تندمج مع أرواحنا، فبقدر ما يحويه المشي على سفوح جودي من مصاعب فهو بذلك القدر يعلم الإنسان الصبر، المقاومة، الإحساس بالجمال الذي يحيط بنا، الأمل، حكمة الحياة وسرها، التفاؤل وأن بعد كل غروبٍ شروق، لكن الوصول إلى كل ذلك يتطلب الإصرار والعناد في السير في الجبال بما فيها من هضاب وشعاب صخرية بالإضافة إلى الأحراش والغابات التي غالباً ما نمر بها، فهي تعطينا الأمل بالنصر والوقوف في وجه كل ما يشكل عائقاً في وجه الحقيقة والحياة.

بعد إتمام دورتنا التدريبية عام 1994 تم فرزي إلى بوطان بستا وذلك بسبب التمشيط الموسع الذي بدأ في المناطق المحيطة بجودي، حيث انضممت إلى سرية الرفيقة زلال هزخ )التي انضمت إلى صف الخالدين فيما بعد( وهناك اتجهنا صوب المنطقة التي أصبحت مسكني ودياري، لأنها علمتني معنى الصمود.

واجهتني مصاعب كثيرة في مسيرتي بين الجبال فقواي الجسدية لم تكن كافية لمواجهة البيئة الجبلية، وكنت أخشى الاقتراب من أي مرتفع حتى أن جسدي كان يترنح بمجرد الاقتراب منه.

بدأ الجو يتلبد مع بدئنا بالمسير وتحول إلى أمطار غزيرة وعواصف رعدية تجلب الرعب معها حيث ابتلت كل ملابسنا وزادتنا ملابسنا المبتلة حمولة على ما نحمل وازداد الليل ظلاماً مما زاد من صعوبة السير، فالدجى كان يلفح ذاته بتلك الليلة وبالنسبة لي كانت الليلة الأولى في المسير في ذلك الجو، كل شيء متداخل، مشاعر الخوف والجسارة، الحياة والفناء، العيش مع الذات والطبيعة والعدو، كل شيء متداخل متشابك، العدو من طرف والطبيعة من طرف آخر، الخوف من سكون الطبيعة وغضبها وصيرورتها وذاك العدو الذي تقف في مواجهته وكل هذا في صراع تصطدم به لكن المهم هل يمكننا تجاوزه أم لا ؟ بالنسبة لي بدت تلك الليلة كدورة فلك أحاطت بي.

ومع بداية الفجر مر كل شيء وانتهت تلك المتاهة أو الدوامة حيث مدت الشمس خيوطها إلى ما بعد الأفق، أخيراً انتصر النور وانسحب الظلام تاركاً الساحة بأسرها للشمس. في النهاية وصلنا إلى نهر هيزل لكن الطريق يفرض علينا الوصول إلى الجهة المقابلة من النهر، ما من وسيلة لاجتياز ذلك النهر سوى التلفريك )الجسر المعلق( الذي لم أرَ في حياتي كلها مثيلاً له، فهو عبارة عن حلقة مربوطة بمشد من كابلات مربوطة من الطرفين ومشدودة بقوة يقوم الرفاق بالتشبث بذلك الشريط وبقوة الدفع يوصلون أنفسهم إلى الطرف الآخر من النهر. وعلى الرغم من حمله مهالك جمة بين طياته لكنه يبقى ضرورة لا بد منها في اجتياز الأنهار من أماكن مختلفة، ذلك لأن الجسور غالباً ما تكون هدفاً لنصب العدو كمائنه عليها، وبهدف تفادي الوقوع فيها يقوم الرفاق بصنع جسور مماثلة على كل نهر تقطعه طرقنا.

لم أكن أخاف المياه ولكن عظمة ورهبة ذلك الجسر المعلق )تلفريك( أدخل الشكوك إلى نفسي بخصوص قطعه بسلام وأصابتني بهواجس كثيرة، مما جعلني أردد في قرارة نفسي «هذا الجسر كصراط مستقيم إذا سرت عليه دون الترنح يميناً أو يساراً وكلي إيمان بذلك فسأنتصر على كل المهالك ولكن إن لم أتجاوزه فسيكون الفناء »، كنت أمشي وأخطو لكن دقات قلبي كانت تتسارع أكثر، بعضها كان يقنعني بالرجوع وبعضها بالاستمرار لكني في كل مرة فضلت الاستمرار «سأمضي لأكتشف بنفسي ما تخبئه الأيام لي ولن أنتظرها لتأتي هي إلي »، قطعت فصيلة الجسر المعلق )التلفريك( إلى الطرف الآخر وقبل أن يصل الدور إلى فصيلتنا تشبث رفيق )رأيته لمرة واحدة في الطريق( بالحبل متجهاً إلى الطرف الآخر لكن قبل وصوله إلى الجهة المقابلة هبت عاصفة من الأحاسيس الغريبة في نفسي لكني لم أتمكن من أن أجد لها تفسيراً، كنت أشعر بأنه علي أن أفعل شيئاً أو عدة أشياء، بقيت أشاهد ذاك الرفيق من بعيد لكني شعرت في كل لحظة أن هناك شيئاً ما سيخترق المتوقع، أحياناً تكون الأحاسيس قوية جداً لدرجة يعجز فيها الإنسان عن ترجمتها إلى كلمات أو أفعال، انقطع الحبل وسقط ذاك الرفيق في النهر وجرفته المياه بقوة، جمدت كل عواطفي شعرت بأنها تعاتبني، تلومني، أصابتني صدمة لا توصف حينها، اقشعر بدني فكلنا نرى ونسمع لكن ما بيدنا أية حيلة، ما زالت يده المرفوعة التي كان يلوح بها مستنجداً تنتعش في خاطري، مازال صراخه يتردد في آذاني ومازال ذلك المشهد يرن في وجداني، كان يصارع الموت حينها، أراد الرفاق إنقاذه لكن المياه كانت هائجة وغاضبة تلتهم كل ما يقع أمامها دون رحمة، بقي يقاوم متشبثاً بالحياة بقوة اللحظات التي كانت تحلق في باله، كان يقفز من ذكرى إلى أخرى لكن ما من قوى تستطيع الوقوف في وجه ثوران الطبيعة، بقينا مكتوفي الأيدي، كانت المياه تسحبه وتجرفه لكن أمانيه وأحلامه كانت تساعده على أن يطفو بجسده على سطح الماء… كانت هذه أول صدمة أتلقاها من قبل الطبيعة، هذه هي أبجدية الطبيعة التي تحدثت عنها، فهي أيضاً تغضب. كنا في مكان عالٍ ومنحدر يطل على النهر لذلك كان الاقتراب منه غير ممكن لأنك إن وقعت بين يديه فما من أية وسيلة للنجاة، فهو كان يشق دربه مصطدماً بقوة بالصخور القاسية.

سألت الرفاق عن اسم ذلك الرفيق فقالوا لي إن اسمه جكدار، بقي ذلك الاسم معلقاً في سماء ذاكرتي، بقيت يده مرفوعة حتى تلاشت صورته أمام ناظرنا إلى أن اختفى كلياً، النهر سحبه إلى أعماقه وجرى به، اختفى ذاك الرفيق في المياه ولكنه لم يختفِ من أمام ناظري، مازالت صورته في خاطري، لم أكن أعرفه لكني كنت أعرف حق المعرفة أن أهدافنا مشتركة، آمالنا مشتركة، الشمس نفسها تشرق في سمائه، الخريطة نفسها منقوشة على جدار قلبه، دربنا مشترك لكن مصيرنا مختلف فها هو الآن يلمع في السماء، يظهر كل ليلة لكن يده مازالت مرفوعة في ذاكرتي، استشهد لأنه كان يعشق الحياة، يناضل في سبيلها، لذلك فهو لم يمت وإنما زيّن الحياة بروحه التي حولها إلى مشعل على طريق الإنسانية، لقد استشهد والشهداء أحياء لا يموتون لأنهم يخلقون حياة جديدة، فهم يقصدون الحياة بشهادتهم.

بعد ذلك بدأ الرفاق بصنع جسر آخر، ولكن كان يجب عليهم أن يتخذوا جميع التدابير اللازمة لتفادي التعرض لمهالك  مماثلة فذلك الخطر لا يتراجع في التحديق بنا، بقي نصفنا في طرف والنصف الآخر في الطرف المقابل إلى أن قام الرفاق بإصلاح )التلفريك( الجسر المعلق من جديد. عبرنا النهر وبقينا قربه تحت الصخور العالية حتى أسدل الليل ستاره وبدأنا بالسير في الطريق الذي أدى بنا إلى جودي، حيث بقينا هناك خمسة عشر يوماً. كان علينا القيام بالتحضيرات اللازمة واتخاذ جميع التدابير بسبب بدء العدو بالتمشيط في بعض المناطق التي تقع في بيت الشباب وبستا وكان هناك احتمال كبير بظهوره في جودي أيضاً، لكن نقص التموين أدى إلى البطء في الحركة ولا يمكن فتح المخازن المخفية إلا في أوقات الضرورة القصوى. دلّنا بعض الرفاق الذين يعرفون المنطقة على مخزن مفتوح وفيه بعض المؤن، واتجه الرفاق مسرعين لجلب الطحين، حينها علمت بأنه من المحتمل أن نواجه أياماً وأياماً من الحصار وقد نواجه العدو في كل خطوة نخطوها، عرفت بأننا نبني المستحيل ونخلق الوجود من العدم، نهدف إلى بناء الحياة من موتنا ولا نخاف الموت لأننا نحب الحياة لذلك نواجه جبابرة فرعونية ونمرودية، لكن ذلك يتطلب منا أن نشد من عزيمتنا لنتمكن من التغلب عليهم والوصول إلى النصر.

نفد ما كان بحوزتنا من مؤن وكنا بانتظار الرفاق الذين ذهبوا لجلبها، فرحنا كثيراً عندما علمنا بأن الرفاق يتجهون نحونا وهم محملون بالمؤن، لكنني كنت أشعر بأن سعادتي ناقصة، هناك ما يعكر فرحتي، هناك عائق، لكن ما هو؟ أريد أن أقدم نقدي الذاتي أمام الأحاسيس، العاطفة والطاقة، لكنني أحياناً أشعر بأنها قوية جداً ولا يمكنني أن أحبسها في كلمات، أحس أن الكلمات لا تسعها، نعم مرة أخرى لم يسلم الرفاق من غضب الطبيعة، فالطريق الذي كانوا يسلكونه كان طريقاً وعراً جداً وصخوره حادة تشبه السكاكين وفي طريق العودة سقط أحد الرفاق فوق تلك الصخور، إنه الرفيق أيدن الذي مر على وجوده في الجبال خمسة عشر عاماً، اجتمعت فيه جميع مزايا وتجارب الأنصار ) الكريلا( وقد انضم إلى العديد من العمليات العسكرية والمواجهات دون أن يصاب بأي أذى، كان يعرف كيف يحارب وكيف يهزم العدو وكيف يحمي نفسه وسط الآلاف من الشظايا التي تتطاير بالقرب منه لكنه لم يستطع أن يحمي نفسه من غضب الطبيعة لم يكن يعرف بأن الحرب ليست فقط ضد العدو وإنما أحياناً يحارب المرء نفسه وفي أحيان أخرى ويحارب الطبيعة، هو أيضاً رفع يده لكن الطبيعة كانت ما تزال غاضبة، شرسة ولا تعرف للرحمة سبيلاً.

يجب أن لا ننسى أن لكل شيء ناحيتين مثل الطبيعة فبقدر ما هي جميلة خلابة ساحرة وعظيمة هي في الوقت نفسه بركان يحرق كل ما يظهر أمامها. شهادة هذين الرفيقين نتيجة عوامل طبيعية جعلتني أفكر وأحسب كل خطوة يمكن أن أعيش فيها صراعاً مع الطبيعة؛ المياه، الجو، الأرض بجبالها وصخورها من طرف ومن طرف آخر الصراع مع النظام الاستعماري. فكرت مليا بأسباب آلامنا، فنحن نواجه الكثير من الآلام التي تحط على صفحات عمرنا سواء من ناحية الطبيعة الخلابة والتي تجعلنا نصمد ضد عدونا لننتصر بذلك على كل أسلحته الفتاكة أو ما نتلقاه من العدو ذاته. ستبقى يد الرفيق جكدار المرفوعة وتحية الرفيق أيدن الأولى والأخيرة  منحوتة في مخيلتي وأفكاري، فشهادتهما أثرت في نفسي كثيراً، خلّفت في ذاتي أثراً خالداً لا يتوق للفناء، طبعت تلك اللحظات الأخيرة في خاطري و دفعتني للتفكير ملياً في سر الكون و الحياة.

بدأنا بالمسير نحو بستا، أما العدو فقام بنشر كمائنه في أغلب الأماكن التي تمكن من الوصول إليها، وبسبب دخول الرفاق في اشتباكات كثيفة، خاصة وأنهم كانوا بحاجة ماسة إلى المساعدة والتقوية، كان علينا الوصول إليهم في أسرع وقت ممكن، حيث أن تلك المنطقة التي تحولت فيما بعد إلى ساحة حرب واسعة جداً من حيث المساحة، لذلك توجب على سريتنا أن تتجه إلى منطقة )قلعة ممي( العائدة لسريتنا، لكن الرفاق الذين كانوا يأخذون أماكنهم في الجبهات لم يتمكنوا من ضرب العدو من كل الجهات بل كانوا بحاجة إلى قوات أخرى تساندهم في المناطق المتاخمة للمنطقة، وعلى أساس تلك الضرورة حاولنا الوصول إليهم في أسرع فترة زمنية.

كانت تلك الليلة أطول ليلة شهدتها مسيرتنا من جودي نحو بستا، وكأن الزمان كان ضائعاً بين أشلاء العتمة، قام العدو باكتشاف الطرق القديمة المستخدمة من قبلنا والتي تؤدي بنا إلى بستا لذلك قام بوضع كمائنه على جهات مختلفة منها، ولذلك لم نتمكن من سلوك الطريق نفسه لعلمنا بوجود الكمائن، كنا مجبرين على فتح طريق جديدة، وعدم معرفة جغرافية المنطقة ضاعف من صعوبة المسير هذا بالإضافة إلى وعورتها وصعوبة مسالكها، فقد كانت مجرد طرق فتحتها الخنازير البرية والتي تحولت فيما بعد إلى أرض موحلة بسبب ازدياد هطول الأمطار وكأن السماء كانت تفرغ دموع مئات الأعوام على رؤوسنا، كانت الغيوم الداكنة تغطي وجنتي السماء، وبسبب صعوبة الجغرافيا التي كنا نسير فيها وعدم تأقلمي مع طبيعة الجبال بالإضافة إلى أني مازلت غريبة عن كل ذلك عجزت عن تخطي ذلك ولم أقوَ على المشي فوق كل ذلك الوحل لذلك علقت في الوحل، فارتفاع الوحل كان يصل إلى مستوى ركبتي ولم أتمكن من الخروج وحدي، نظرت حولي رأيت بأن الرفاق يستمرون في المشي بعجلة لا توصف، حاولت مراراً أن أخلص نفسي لكني فشلت لذلك لجأت للاستعانة بالرفاق )أيها الرفاق هل لكم بتقديم العون لي فأنا لا أتمكن من الخروج(، لكني شعرت بأن الوحول تشدني وتسحبني إلى الأعماق، حينها مرت بخاطري صورة الرفيقين جكدار وأيدن وخاصة يد الرفيق جكدار التي بقيت متشبثة بالحياة بشدة، شعرت للحظة بأني أنا أيضاً أواجه الموقف نفسه لكن مجدداً يكون مصيرنا مختلفاً، ساعدني الرفاق على الخروج من الوحل ولكن حذائي بقي عالقاً بين مخالب الطين، حاولنا العثور عليه من خلال البحث مطولاً لكننا لم نعثر عليه لأنه قد ضاع، توقفت السرية منتظرة إيجاد حل مع العلم أنه كان يجب أن لا نتوقف بل كان يجب أن نسرع في الوصول إلى الرفاق لذلك كان علي أن أستعد للسير ولكن كيف؟ ما العمل؟ سرتُ في تلك الليلة دون حذاء. ومع مرور الوقت ازدادت وعورة الطريق وتحول الطريق إلى صخور وحجارة لا يمكن السير عليها دون حذاء، فأفضل الأحذية تتمزق في هذه الطبيعة الصخرية، بالإضافة إلى أن قدمي كانتا حساستين جداً ولم تتعودا على السير لمسافة طويلة في الجبال وخاصة فوق هذه الصخور القاسية، لكن كما يقال وسط كل سواد نقطة بيضاء ووسط كل بياض نقطة سوداء ما أريد قوله هنا هو أنه وسط كل تلك المصاعب كانت الرفاقية تخفف من محنتنا في تلك الليلة، كانت دائماً تظهر كمنفذ، فالرفاق عندما لم يعثروا على الحذاء أخرجوا من حقائبهم جميع الجوارب التي كانوا يملكونها لأرتديها وحملوا عني ما يثقل سيري وحاولوا دائماً أن يرفعوا من معنوياتي لأتمكن من تجاوز المحنة الأولى التي أمر بها ولم يجعلوني أشعر بأني ضعيفة أو بدون سند، أبعدوا عني كل ضعف أو خوف، زادوا من إصراري على الصمود، المقاومة والنظر إلى المحن من جانبها الآخر، لم أكن أشعر بأنني أسير حافية القدمين، دفعني ذلك الإحساس إلى السير بعزيمة عالية، كلما ارتفعت المعنويات كنت أنسى أني أمشي دون حذاء يحمي قدمي من التشقق والتورم، الحادثتان اللتانلاقيتهما وجهاً لوجه كشهادة رفيقين في مسيرتي الأولى وهذه الواقعة جعلتاني أرتبط بهذه الحياة بعنفوان أكثر ومعنويات أعلى وجعلتاني أعرف كيف أقاوم كل المصاعب الحياتية والبيئية، وأن المصاعب أحياناً تكون كشذرات أمل ترش على وجه الحياة، فأحياناً يجب أن نرى غضب الطبيعة كي نعرف قيمة سكونها.

هذه كانت مسيرتي الأولى في بوطان التي فتحت لي بابها ودخلتها محملة بكل المصاعب والآلام من ناحية وبالعزيمة والرفاقية والإصرار من ناحية أخرى. لقد كان الوصول إلى بوطان هدفنا لكننا واجهنا العديد من المصاعب التي اعترضت طريقنا، من هنا عرفت أن كل هدف يتطلب السير نحوه والسير بدوره سيتطلب النضال، الصمود، المقاومة ،العزيمة، الإصرار والجلد أمام كل المصاعب التي قد تعترض طريقك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق