مشروع الحل الديمقراطي السوري

مشروع الحل الديمقراطي السوري

في الوقت الذي تسير فيه الأزمة السورية نحو مزيدٍ من التعقيد والتأزم وبالتزامن مع استمرار الدمار والقتل في سوريا في الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة السورية التي تحولت إلى حرب داخلية وتدخلت فيها مختلف القوى الدولية والإقليمية بشكل يتوافق مع مصالحها تاركة مصالح الشعوب جانباً، قامت حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM بطرح “مشروع الحل الديمقراطي في سوريا” كمشروع لإنقاذ سوريا والمنطقة من هذه الفوضى والأزمة. ونص المشروع المطروح على الشكل التالي:

بداية لا يمكن تناول الوضع الراهن وما آلت إليه الأمور، ولا رسم صورة المستقبل في سوريا بمعزل عن الحقائق التاريخية والجغرافية الأصيلة للمنطقة بعد إزالة الركام عنها وإبراز صورتها الحقيقية بعيداً عن تخريبات الايديولوجيا والباراديغما لصالح التسلط والاستبداد بما يتنافى مع مبادئ التطور الطبيعي للمجتمعات الذي ساد عصوراً بكاملها على المستويات الحضارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأثنية وغيرها.

الأزمة في سوريا دخلت الفوضى العارمة والانفجار في ظل استمرارالعنف والعنف المضاد بدعم ومساندة من مراكز القوى المستفيدة بسيناريوهات تفوق أحياناً طاقات الشعوب على فهمها ناهيك عن التصدي لها لدرجة أنها باتت وجهاً لوجه أمام خطر التشظي والانحلال إن لم توجه الأمور وفق مناح سليمة تنقذ ما تبقى منها, خصوصاً أن من تسمي نفسها ويسميها البعض أيضاً بالمعارضة السورية دخلت في متاهات ودهاليز لا تفهمها ولا تتقن اللعب فيها ولا تملك وعياً يؤهلها للخروج منها, وبالنتيجة تتحول لأداة تخدم الآخرين وليس أدل على ذلك من توجه الكثير ممن كانت تسمي نفسها قوى معارضة إلى أحضان داعش والجماعات السلفية الجهادية ومبايعتها ومشاركتها المجازر الجماعية على امتداد ساحات تواجدها دون رادع من أخلاق أو ضمير.

هذه الأزمة هي أكثر وأكبر وأعمق وأخطر من كونها مجرد أزمة بنيوية للنظام أو سادته أو رموزه، بل هي نتاج دخول التطورات المجتمعية إلى مدارات مصطنعة غريبة عن الطبيعة تطورت تدريجياً من خلال تطور فكرة الدولة والسلطة لدرجة القداسة لتصل مؤخراً إلى مرحلة المرض عبر الأنظمة القومية المبنية على أيديولوجيات متجمدة مصنعة وفق مقاسات مغلوطة أقلها أنها لا تتناسب مع حقيقة الإنسان والمجتمع الطبيعي التعددي التشاركي، والاقتصار على رؤى قصيرة النظر عمقت الأحادية لدرجة تأليهها بمعنى من المعاني بشكل ولد معه ذاتياً الإنكار والإقصاء والتسلط والاستعباد والظلم عبر بناء دكتاتوريات ونظم فاشية او شبه فاشية كانت  فآخر إبداعاتها النظم الأمنية الخانقة للحياة والتي تنعدم فيها إمكانيات الانفتاح والتطور، مما يدفع الوضع نحو انفجار الأزمة والتوجه نحو فوضى لا يمكن الخلاص منها إلا بتركيبات جديدة قادرة على التماشي مع العصر والتطورات العلمية والتقنية الهائلة في كل مناح العلم والحياة، والتي لا يمكن تجاهلها باعتبارها إحدى السمات الأساسية لعصرنا ، وعصر الديمقراطية، حيث بدأنا نشهد ملامح ربيع الشعوب بوضوح.

أحداث السنوات السابقة في سوريا والمنطقة أكدت لنا أن الثورة في هذه المرحلة وفي مثل هذه الأوضاع تحتاج دون شك إلى نظرية متكاملة واضحة الملامح تجسد روح العصر، تؤمن مشاركة الشعوب والمكونات المختلفة بما فيها الجماعات الصغيرة وحتى الأفراد بشكل فاعل ومسؤول في بناء نظام ديمقراطي جديد وحمايته وتطويره.

الحقيقة المجتمعية السورية والعلاقة بين مكوناتها:

ليس سراً أن سيطرة المفاهيم السلطوية على المجتمعات قد أساءت كثيراً إلى جوهرها الطبيعي المتمثل في التعايش بين مكونات المجتمع، وخصوصاً بعد تشكل الدول القومية استنساخاً عن التجربة الأوربية عبر سياسات تعسفية إقصائية إنكارية لفرض نموذجها الموحد من خلال الاعتماد على الأيديولوجية القومية التي تحمل في جوهرها وذاتها بذور الاستعلاء والإنكار، وانتهجت أساليب وطرقاً بعيدة عن القيم والأخلاق الإنسانية لتمرير مصالح فئات معينة على حساب كل المجتمع.

وبالنتيجة باتت الشعوب وكل المكونات المجتمعية عرضة للتلاعب والتشويه، فانقلبت الحقائق والمفاهيم الأصيلة المتمثلة في التعايش السلمي المتفاعل إيجابياً والذي ساد قروناً في المنطقة التي تعتبر بحق رمزاً من رموز التعددية والتشاركية الفاعلة.

آلاف السنين من التاريخ المشترك بين المكونات الأصيلة لهذا البلد خلقت منه وحدة مجتمعية منسجمة متناسقة متفاهمة رغم كل المد والجزر والأخطاء التي حصلت، والممارسات السلطوية والاستغلالية للحكام في مختلف الأوقات والأماكن، إذ أن اللحمة الأساسية الجماهيرية للمكونات بقيت بعيدة عن تناقضات وممارسات الحكام والفئات المستبدة. يستحيل فهم حقيقة العلاقة بين المكونات السورية المتعددة والمتداخلة دون الغوص في أعماق التاريخ وبداية تشكل وتطور التجمعات البشرية وتشكل الحضارات على هذه الأرض عبر آلاف السنين والتي تمكنت من خلق اللوحة الحقيقية لمجتمع المنطقة. إن المكونات الأساسية للمجتمع السوري الراهن والمتمثلة بالعرب والكرد والأرمن والسريان والكلدان والآشوريين والتركمان والشيشان والشركس كلها مكونات أصيلة في هذه الأرض شاركت في صناعة تاريخ وحضارة المنطقة وشكلت كل واحدة من هذه المكونات جزءاً من الرصيد التاريخي والاجتماعي لها.

تداخل الأقوام والعشائر والقبائل والمجموعات البشرية الأخرى طيلة قرون طويلة وتلاحمها في الصراع ضد الغزاة والتغيرات الديمغرافية التي رافقت سنوات الصراع المستمر في المنطقة كل هذا خلق موزاييكاً رائعاً متداخلاً برز فيما بعد في الكثير من المواقف المشتركة لهذه الشعوب تجاه الهجمات الخارجية.

على هذه الأرض ولدت الكثير من الديانات والثقافات واللغات والأبجديات فكانت حضارات السومريين والأكاديين والآشوريين والميديين والميتانيين والهوريين والفينيقيين، فكانت مزوبوتاميا بذلك إبداعاً حضارياً، وما تلاها من إبداعات لم تكن إلا مجرد إضافات وتغييرات وتحولات في ما أبدعته هذه الحضارة. ويسهل جداً رؤية ملامح الروعة والأصالة التي تميزت بها المنطقة في الأساطير والملاحم التي وصلتنا.

سوريا تشكل جزءاً مهماً من هذه الجغرافيا التي تزخر بهذا الكم الهائل من التنوع الأصيل بشرياً وثقافياً ولغوياً وحضارياً، وإذا أضفنا امتدادها على ساحل البحر الذي أمن لها التواصل والاستمرار والتمازج مع الشعوب والأقوام الأخرى خلف البحار لهذا عاشت سوريا تطورات وصراعات في مراحل عصرية مختلفة، وتمكنت من إزالة الحدود بين المختلفين المتمايزين لتشكل منهم وحدة متكاملة قادرة على تقبل التنوع والاختلاف في داخلها ومع غيرها. من هنا فإنه لا يمكن لأي من هذه المكونات أن تدعي ملكيتها الأحادية الخاصة للمنطقة التي تعاقب عليها وشارك فيها كم هائل من المكونات التي تداخلت لتشكل لوحة واحدة تتعايش فيها كل الألوان، وهنا يكمن سر تمسك الجميع بوحدة البلد الذي يتميز أصله بتشكله الخاص الطبيعي الأصيل.

على الرغم مما أشرنا إليه لم يكن تاريخ سوريا مجرد لوحة سلام دائم، بل عانت سوريا من مشاكل وحروب وصراعات وغزوات اختلفت أغراضها وممارساتها وتركت في الكثير من الأحيان جروحاً لم تلتئم لمدة طويلة. وفي صراعها هذا تمكنت من خلق أسلوب حياة مستند إلى التكامل والأخوة، أو بشكل آخر يمكن القول إن هذه الصراعات والتناقضات قد دفعت بكل المكونات الموجودة للإيمان بضرورة الاعتراف بالآخر والتعاون والتعامل معه على أسس الندية والمساواة، أي الاعتراف بالآخر المختلف عنه والتعايش معه بسلام.

ولا يخلو التاريخ السوري في مراحل كثيرة من قادة كانوا رمزاً للوحدة بين السوريين على اختلاف أصولهم ودياناتهم وثقافاتهم ويجب ألا يغيب عن بالنا أبداً أن ثقافة وسلوك الكثير من المنظومات الحاكمة التي سادت على هذه الأرض بما فيها الإمبراطوريات كانت تستوعب التمايز والغنى الثقافي وترفض الاغتراب والإنكار والإقصاء.

العلاقات المجتمعية بين المكونات السورية:

لا يمكن لأي كان أن يمر على حقائق التاريخ وتلك العلاقات العميقة بسطحية و سذاجة، فهي قديمة قدم التاريخ وبدأت مع أولى هجرات العشائر والمجاميع السامية من شبه الجزيرة العربية نحو العراق ومن ثم امتدادها على أطراف نهري دجلة والفرات وانتشارها في سهول ما بين النهرين ولاحقاً أحدثت الغزوات العربية الإسلامية للمناطق الكردية انعطافاً في هذه العلاقة .وإذا كانت السياسات الإسلامية في بعض المراحل قد قامت على النفس القومي في الحكم إلا أن الكرد ظلوا بعيدين عن هذا التوجه والسلوك وبقوا صادقين مع إيمانهم وهنا تبرز أهمية قيادة صلاح الدين في تحرير القدس وأهمية شخصيته القيادية التي امتلكت روح الإسلام .

تطورت العلاقات الكردية العربية مع انتشار الإسلام على أساس التسامح والأخوة والانتماء إلى أمة ثقافية بعيداً عن الشوفينية القومية في المراحل التالية من تاريخ سوريا ومن الجدير بالذكر أن التقاليد والنزاعات الإمبراطورية التي بنيت على أساسها الدولة الإسلامية ومن بعدها الإمبراطورية العثمانية في عدم تنكرها لوجود الشعوب والأقوام والعشائر المختلفة وتقبلها للتعددية تحت مظلة الإمبراطورية وإن كانت باسم الخلافة قد لعبت دوراً هاماً في مسألة التعايش السلمي بين العرب والكرد خصوصاً أن غالبية الكرد قد اعتنقوا الدين الإسلامي. ومن الواضح أن هذا التقارب كان له أثر إيجابي على العلاقة بين الكرد وغيرهم وكذلك المسيحيين وأصحاب الديانات والمذاهب الأخرى. ويمكن التأكيد على تلك العلاقات الإيجابية أيام الاستعمار الفرنسي ومعارك التصدي لهذا الاحتلال. واستمرت تلك العلاقات إلى ما بعد الاستقلال حيث لعب الكرد الدور الأساس في التحرر ووضع المدماك الأول في بنيان الدولة السورية الحديثة إلى أن سيطر حزب البعث على دفة الحكم بالاعتماد على الفكر القومي الشوفيني الأحادي.

السياسات الشوفينية والمشاريع الاستثنائية التي استمرت طوال نصف قرن سببت الكثير من المشاكل والأحداث والانتفاضات نتيجة لحالة الإنكار والإقصاء والقمع من قبل النظم الحاكمة العنصرية، ولكن على الرغم من ذلك فإن الصراع لم يتطور يوماً ليصل إلى صفوف المجتمع وبقي محصوراً في عقول وذهنيات الساسة وأصحاب السلطة ولم يتمكن من تفكيك نسيج المجتمع السوري وهدم ثقافة التعايش السلمي. وبقي التطلع إلى حياة مشتركة على أساس الحرية والعدالة والمساواة شكل أعلى القيم التي دافع عنها السوريون باستمرار ولا يزالون محافظين على هذه الثقافة دون خلل وجداني وإنكار للآخر.

أما بالنسبة للعلاقة بين الكرد والسريان والكلدانين والآشوريين والأرمن والشيشان والتركمان فهي الأخرى تمتد إلى عمق التاريخ بوصفهم مكونات الوطن المشترك، والتي اتسمت دائماً بالتفاهم. ونعتقد أن أموراً عديدة ساهمت في هذه العلاقات وروح التفاهم والتعايش المشترك.

وفي هذا الإطار لا يمكن البحث في مسألة المكونات من منظور الأقلية والأكثرية للشعوب التي تعيش على هذه الجغرافيا فهي جميعها أصيلة وذات جذور تاريخية ثابتة، وكلها تملك حقوقاً طبيعية في هذا البناء الشامخ المسمى الوطن المشترك بغض النظر عن قيام الأنظمة الحاكمة باستمرار ببث روح الفتنة والفساد والعداء بين هذه المكونات . كانت سوريا دائماً محط أنظار وأطماع الغزاة ولهذا توالت إليها الهجرات وتعرضت للغزوات، بسبب غناها المادي و موقعها الاستراتيجي، والتي تسببت بحالات من اللا استقرار والفوضى والدمار والسلب والنهب. ولكنها من جانب آخر تركت وراءها آثاراً ثقافية مهمة وتداخلاً حضارياً رائعاً ليس هذا فحسب بل يكاد يكون الشعب السوري خليطاً منسجماً مما أكسب سوريا غنى ترك آثاراً عميقة في روحية الإنسان السوري تمثل في توطيد قيم الحياة المشتركة بين مختلف المكونات الأثنية والدينية واللغوية التي لسنا بصدد ذكرها وتعدادها هنا كما أن ثقافة إنكار الآخر ليست إلا ثقافة دخيلة ومستوردة وبعيدة عن المفاهيم الأصيلة لأبناء سوريا. فما تعرض له الكرد والسريان أو بعض المكونات الأخرى أحياناً لا علاقة له بروح الشرق وبالروح السورية الأصيلة.

الدولة السورية الحديثة والأزمة الراهنة:

بعد حصول سوريا على «استقلالها « إثر الحرب العالمية الثانية، عاشت مرحلة قصيرة من الازدهار السياسي تميزت بالتنوع والتعدد وبقسط من الديمقراطية، إلا أن الانقلابات العسكرية المتتالية خلقت غياب استقرار الوضع السياسي، ولكنها على الرغم من ذلك حافظت على تنوعها وظلت بعيدة عن إنكار الآخر وإقصائه، ربما كان كل ذلك نتيجة لبقايا تأثيرات عملية الاستقلال وروحها التي كانت لا تزال تفعل فعلها، فاستمرت التسمية بالجمهورية السورية اعترافاً بتنوع مكوناتها وتعددها قومياً ودينياً وثقافياً. لكن هذا الربيع الديمقراطي نسبياً لم يصمد إلا سنوات قليلة، حتى بدأت النزعات القوموية العروبية تتصاعد لتصل ذروتها بإعلان الاتحاد مع مصر كاستجابة لهذه النزعة التي تطورت في كلا البلدين، وبدأت الحريات بالانحسار والانقطاع، وتم خنق الديمقراطية النسبية الناشئة التي ظهرت في سوريا مع الاستقلال والتي استمرت عقداً من الزمن، وتعرض التحول الديمقراطي في الدولة والمجتمع للانقطاع والتوقف، وبدأت السياسات القوموية تفعل فعلها، فكان إعلان الجمهورية العربية المتحدة ومن ثم تسمية الجمهورية السورية باسم الجمهورية العربية السورية إعلاناً صريحاً بقوموية الدولة وإنكار وإقصاء لكل المكونات الأخرى بما فيها تلك التي شاركت بقوة في الاستقلال والحياة السياسية مثل الكرد والسريان وغيرهم، وسيطر البعث الشوفيني على الحكم وبدأت الحريات تنحسر حتى اختنقت.

تسارعت المشاريع العنصرية والإجراءات الاستثنائية والتعسفية والاضطهاد والإكراه بحق الشعب الكردي وغيره من المكونات على كل الجبهات، فكان الإحصاء الجائر والحزام العربي عناوين بارزة للإنكار وظلم الآخر، ما لبثت أن شملت الجميع عبر إعلان حالة الطوارئ التي استمرت نصف قرن، شلت خلالها الحياة السياسية والديمقراطية، وأطلقت يد البعث الشوفيني ورجال الأمن ورموزه في البلاد دون رادع أخلاقي، حتى باتت سوريا أشبه بسجن كبير للشعوب والحريات والقيم الإنسانية .

كان لا بد من حل ديمقراطي شامل متمثل في دمقرطة الدولة والمجتمع، وحل القضية الكردية والمكونات الأخرى، وهو ما بدا شبه مستحيل في ظل النظام السياسي السائد، فكان الحراك الثوري الشعبي رداً على حالة الاختناق التي سادت المجتمع المتأزم بشدة.

تطورات الأزمة والحراك الشعبي في سوريا ، وما آلت إليه الأمور, أظهرت بما لا يقبل مجالاً للشك أن هذه التحركات افتقرت للقيادة الكفؤة القادرة على قيادة دفة الثورة والتحول الديمقراطي لأسباب عديدة؛ أهمها غياب الرؤية الصحيحة للواقع السوري ومستقبله، وافتقارها لاستراتيجيات وخطط سليمة لتطوير هذا الحراك الثوري شعبياً، وعدم اعتمادها على قواها الذاتية مما سمح للقوى الخارجية بالتدخل حتى باتت تلك القوى ليس فقط العامل الحاسم بل الوحيد في الكثير من الأحيان. وانفتحت سوريا أمام تدخلات لا حصر لها وتعددت مصادر التمويل لدرجة التمكن من استخدام الساحة السورية لتصفية حسابات تلك القوى وخدمة مصالحها الاستراتيجية والتكتيكية، فكانت النتيجة نمو التيارات الإسلامية الراديكالية المتطرفة التي سيطرت فيما بعد على قوى المعارضة السورية الهشة وغير المنظمة كفاية، بدءاً من القاعدة وجبهة النصرة وصولاً إلى داعش كأخطر منظمة إرهابية متطرفة دموية عنيفة تخوض الحرب باسم الإسلام ضد كل قيم العصر.

ويعتبر تناول هذه المعارضة الخاطئ للقضية الكردية وقضايا الشعوب والأقليات داخل سوريا أحد أبرز أسباب ما آلت إليه المعارضة من فشل.

تمكن النظام عبر الحرب الخاصة مستفيداً من وضع قوى المعارضة سياسياً وعسكرياً من فرض استراتيجيته إلى حد كبير للوصول إلى الثنائية التي باتت معروفة ب) النظام أو القوى الإسلامية المتطرفة ( ونجح فيها إلى حد كبير، الاستثناء الوحيد كان موقف حركتنا التي أعلنت منذ البداية وقوفها إلى جانب الثورة بأسلوبها الخاص، واعتماد خطط عمل مناسبة رفضتها المعارضة الأخرى. وأثبتت التطورات التي شهدتها الساحة السورية صوابية نهجنا الديمقراطي السلمي.

المبادئ الأساسية للحل الديمقراطي في سوريا:

أمام هذا الكم الهائل من المشاكل المعقدة التي دفعت بسوريا إلى هذا الواقع لا بد من اعتماد حلول جذرية لا تكتفي بمعالجة الأعراض بل تتوجه نحو الأسباب لإزالتها ومنعها من الانتكاس والارتكاس أو الظهور مجدداً ويكون ذلك من خلال دمقرطة هذا الواقع بشكل كامل تحصل من  خلالها كل المكونات الموجودة على كامل حقوقها دون إنكار أو إقصاء لفتح الطريق أمامها للتطور والعطاء لتكون سوريا وطناً يشارك في بنائه وينعم بخيراته ويديره الجميع.

الدمقرطة الشاملة تشمل كل مرافق الحياة، وهذا بالتأكيد عملية معقدة متشعبة مستدامة تحتاج للوقت والجهد، ونحن ندرك أن لا أحد يملك عصا سحرية تحقق المطلوب خلال لحظات، لكن لا بد من وضع وتحديد المبادئ الأساسية التي يجب أن نستند إليها ولا بد هنا من التكرار بأن نموذج الدولة

– الأمة الذي يفضي إلى بناء دولة قومية أحادية يعتبر فخاً قاتلاً للشعوب والمجتمعات لا بد من تجاوزه نحو مفهوم الأمة الديمقراطية التي ترفض تلك الحدود السياسية الضيقة نحو التعددية والعيش المشترك. إذاً نحن نحتاج إلى تكوين قادر على احتواء كل هذه العناصر بكل اختلافاتها الثقافية وبحرية ودفعها نحو التطور والاعتراف بوجودها وحقوقها في البقاء والتطور من خلال هذا التنوع، أما التفكير قومياً أو دينياً أو مذهبياً ومحاولة فرض الأحاديات فسيقيدنا في المربع الأول، وهذا الحل يكمن بتمكين تحول سوريا إلى كيان جامع مشترك لكل المكونات بكل عناصرها وأبنائها, والابتعاد عن مفهوم و منطق التضحية بالأجزاء في سبيل الكل، والعمل وفقاً لقاعدة إنقاذ الجزء و الكل معاً على اعتبار أن الأجزاء تشكل الكل والكل مكون من الأجزاء ولن يكون الكل حراً وصحياً إذا كان الجزء مريضاً و يعاني من العبودية.

نحن الآن في سوريا أمام إعادة إنتاج جديد وعصري لمفهوم الوطن والأمة وإذا كان لزاماً ولا بد من القول بأن سوريا أمة فمن أية قومية تتكون هذه الأمة…؟ وهنا يمكن القول بأنها أمة لا تتكون من قومية أثنية ولا دينية ولا اقتصادية ولا ثقافية ولا لغوية واحدة بل ستكون الأمة المشكلة من التعددية التكوينية للجسم الحقيقي للمجتمع السوري وهذا ما يمكن تسميته بالأمة الديمقراطية المستندة إلى الأسس الديمقراطية والحريات والعيش المشترك لكل المكونات والعمل على بناء وتهيئة الأرضية المناسبة لظهور الفرد و المواطن الحر وهذا هو الحل المطروح للتنفيذ والذي يعطي المجتمع و الفرد ككل إمكانية تطور العقلية والتفكير وهنا لا بد من الإجابة عن السؤال الأساسي الآخر الذي يطرح نفسه من تلقاء ذاته ألا وهو : ماهي الإدارة الذاتية الديمقراطية، و ما هي الأسس التي يجب الاعتماد عليها وامتلاكها في الحل الديمقراطي الجديد.

تعبر الإدارة الذاتية الديمقراطية عن التفسير الديمقراطي  الغير دولتي لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. إذ أن بمقدور الديمقراطية والدولة أن تلعبا دورهما كسيادتين تحت السقف السياسي عينه. والدستور الديمقراطي هو الذي يرسم الحدود الفاصلة بين مساحتي نفوذهما.

إن الإدارة الذاتية الديمقراطية هي التعبير الملموس للحل الديمقراطي في حل كافة القضايا الأثنية ومنها القضية الكردية. وهي مختلفة عن المواقف التقليدية، ولا ترى الحل في اقتطاع حصتها من الدولة السورية، حتى أنها لا تنساق وراء تشكيل دول أثنية بمعناها الشبه استقلالي. وكما أنها لا تتطلع إلى بناء دولة فيدرالية أو كونفدرالية، فهي أيضا لا تعتبرها حلاً خاصاً بها. ومطلبها الأولي من الدولة السورية هو الاعتراف بحق كافة الأثنيات والقوميات في إدارة أنفسهم بأنفسهم وبإرادتهم الحرة، وعدم زرع العراقيل على درب تحولهم إلى مجتمع وطني ديمقراطي. فإذا كانت الدولة الحاكمة ملتزمة بالمبدأ الديمقراطي فعلاً، لا قولاً، فحتى لو لم تناصر المجتمع الديمقراطي فعليها ألا تعيق أو تفرض الحظر عليه.

الأسس الاجتماعية:

إن الاتجاه والمنحى الخاطئ الذي اتبعه النظام في إدارة المجتمع جمد الحراك المجتمعي وتطوره، ومع ظهور الدول القومية و سيطرة مفهوم الأمة – الدولة تراجع اهتمام المجتمع بالقضايا الأساسية واعتبر الفرد والمجتمع أدوات لا للقيام بواجب الحفاظ على السلم المجتمعي للكل بل حولتهما إلى خدم. وقامت بالمهادنة مع الكيانات الجديدة التي ظهرت متناسية أن التطور والتقدم كان يحصل عبر التاريخ القديم ولآلاف السنين دون وجود الدولة و القومية علماً بأن المجتمعات التي لها سجل عمري طويل جداً في عمق تاريخ البشرية عاشت حالة ما قبل الدولة بشكل طبيعي وحققت خلالها تطورات جدية تعتبر الأهم في تاريخ البشرية كالثورة الزراعية .

إن إهمال المجتمع استجابة للتطورات السلطوية التي جلبتها الحضارة خلال مراحلها التالية أوصل المجتمع والفرد إلى حد الإنكار وتهميش دوره لا بل إنكار إمكانية استمراره وربطه بمفهوم دولة الكيانات الجديدة ولهذا دفع به إلى الصفوف الأخيرة من حيث الاهتمام. وأدت تلك السياسة إلى تقليص دور الفرد الحقيقي وبشكل ملحوظ وكاد المجتمع والفرد أن ينتهيا تماماً من حيث الفاعلية الشخصية وباتا يواجهان الفناء وكأنهما مصابان بمرض السرطان المجتمعي. لقد تحولت الحياة العصرية السائدة إلى فخ يحيط كلياً  بالمرأة التي تعتبر أقدم عبد؛ حيث زجت المرأة في عهد النظام الحاكم في وضع سيكون من الصائب تماماً وصفها فيه «بملكة السلع » فهي يد عاملة مجانية يبقى عليها في وضع «ربة المنزل « إنها العنصر الأول في لائحة التشغيل المرن، وآلة منجبة تضخ الأجيال الجديدة للنظام القائم، وهي تاج رأس صناعة الدعاية، ووسيلة تطبيق السلطة الجنسوية كما أنها أداة اللذة والسلطة اللا محدودتين لجميع الرجال التسلطيين بدءاً من الإمبراطور العالمي إلى الإمبراطور الصغير داخل الاسرة، وهي المادة الشيء التي تمنح السلطة لمن لا سلطة له البتة. فالحياة الاجتماعية في مجتمعنا الحالي قد حُولت إلى طفل أشبه بالعجوز الصائر طفلاً من جهة، وجرى تأنيثها من الجهة الأخرى، أما العائلة المتكونة حول المرأة والتي تعد من أقدم وأعرق مؤسسات المجتمع فتعاني الانحلال بالتمحور حول المرأة أيضاً ولكن بصورة تامة هذه المرة. انطلاقاً من هذه الحقيقة فالديمقراطية تعني الإيمان بمبدأ أن حرية المرأة هي حرية المجتمع وبالتالي فحرية المرأة هي ضمانة كافة الحريات. إن بناء سوريا ديمقراطية يستوجب بناء مجتمع ديمقراطي أولاً من خلال دمقرطة البنية المجتمعية بعد تطهيرها من مفاهيم سلطة الدولة المركزية »« سلطة  دولة »« التي أوصلتها لحد الدمار وهنا تتحتم ضرورة الاهتمام بالعلاقات المجتمعية على أساس أنها الأصل والمنطلق في العلاقات الصحيحة ويجب إعادة الاعتبار وتصحيح وضع المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع وذلك بتطوير آليات مشاركتها وفاعليتها في مختلف مجالات الحياة وتكوين وضع يليق بها من كل النواحي واعتماد ثقافة الحياة الندية مع الشريك الآخر في المجتمع.

إن خصوصية المجتمع السوري تتمثل في أن التخريب الواسع قد شمل ولحق كل نواحي الحياة المجتمعية بدءاً من أصغر وحدة مجتمعية وهي الأسرة وانتهاء بالمجتمع.

وهنا لا بد من الضرورة بمكان احترام الحالة الاجتماعية العامة وكذلك الحالة الاجتماعية الخاصة لكل المكونات السورية بكل خصوصياتها الثقافية والهوياتية، لتتمكن بحق من ضمان استمرارية مجتمعاتها الحرة المستقلة نسبياً بعد أن كانت تحت تأثير نفوذ وضغوطات إضافية من السلطات الحاكمة دون الغرق مرة أخرى في مستنقع التمسك بهوية معينة وتحويلها إلى عامل تمييز وتفريق بين المكونات، بل احترام تعدد الهويات والانتماءات المجتمعية لكل المكونات وبكل امتداداتها التاريخية والتراثية. ومن ثم احترام الهوية  الاجتماعية لكل مكونات سوريا وتمهيد السبل أمامها لتحقيق التطورات الديمقراطية هي أهم الأسس والغاية التي يجب التأكيد عليها في بناء سوريا المستقبل وهنا يظهر دور الفرد الذي تم تجاهله خلال مراحل طويلة وتظهر الحاجة لخلق الفرد المتحرر والمواطن الحر وهكذا يجب أن يسري نفس القول والاهتمام بفئات الأطفال والشيوخ وذوي الاحتياجات الخاصة، ولا بد من حصولهم في هذا الوطن الجديد على ما يمكنهم من التحول إلى أفراد مواطنين أحرار قادرين على الإنتاج والإبداع في كل مجالات الحياة. وإذا أردنا إسقاط ذلك أكثر على أرض الواقع السوري يجب أن ندرك جيداً بأن المكونات المجتمعية السورية تمثل اللبنة الرئيسية للمجتمع السوري ككل ولهذا يجب الحفاظ على مجتمعية هذه المكونات التي تعرضت لسنوات طويلة من القهر والظلم والإبادة والاستغلال وسيطرة المفاهيم الاستهلاكية بالإضافة إلى السياسات والمفاهيم القومية الضيقة والتعرض للانحلال من جهة والانغلاق والتقوقع والسكون من جهة أخرى كما أن حماية البنية المجتمعية لمكونات المجتمع السوري عرباً وكرداً وسريان وآشوريين وتركمان وشيشان من مسلمين ومسيحيين وإيزيديين ودروز وعلويين تكاد تكون إحدى أهم المهام التي يمكن من خلال شخصيتها الراهنة فقط إحداث التغيير الديمقراطي فيها ويجب أن يتحول كل واحد من هذه المكونات إلى ما يشبه عائلة ديمقراطية في مجتمع ديمقراطي شامل، لأن المجتمع الديمقراطي وحده هو القادر فعلاً على إعادة كينونة وحقيقة هذه المجتمعات إليها وهذا بالتأكيد يحتاج أولاً إلى بناء الفرد المواطن الحر لتحقيق التكامل الكياني الذهني المؤسساتي الدائم في هذا المجتمع وهنا يجب ألا يغيب عن بالنا أبداً بأن بناء المجتمع الديمقراطي يحتاج أولاً إلى الفرد الحر القادر على ممارسة حريته عبر أرضية سياسية ديمقراطية في البيئة المجتمعية الخاصة أو في بيئة أية جماعة ينتسب إليها هذا الفرد. ليس هذا فحسب بل عند وجود الدولة سابقاً كما هو الحال في سوريا والانضواء تحت سقف هذه الدولة فإنه في هذه الحالة يتحول إلى فرد مواطن في الدولة ضمن إطار المواطنة الدستورية وكذلك فرد حر في مجتمعه الديمقراطي أي يحتفظ بالصفتين معاً وهذا ما يجب أن تكون عليه حال المكونات من خلال احتفاظها هي وأفرادها بهويتهم المجتمعية الديمقراطية وبالهوية الأخرى للدولة الموجودة في إطار المواطنة الدستورية، أي يتوجب بناء هذه الدولة دستورياً وضمان تلك الحقوق في الدستور.

فالوضع الوطني  الديمقراطي إذن سيتطور في هذه الحالة نحو ضمان هذه المطالب في نصوص الدستور الوطني بهذا الشكل أو ذاك أو ضمان شبه الاستقلال الديمقراطي في الدستور الوطني وحق شبه الاستقلال من خلال ملحق داخل الدستور الوطني وهكذا سيكون بإمكان كل المكونات المجتمعية الأصيلة في سوريا التمتع بصفة الفرد الحر في مجتمع ديمقراطي جنباً إلى جنب مع المواطنة الدستورية للدولة الأم بشكل متداخل وبالتزامن. أي ستكون هناك مواطنة ثنائية ومزدوجة.

الأسس السياسية:

من الصعوبة بمكان وجود أية كينونة مجتمعية دون إدارة خاصة بها . في الواقع السوري يجب أن نأخذ بعين الاعتبار وضع الحلول المناسبة لواقع هذا التعدد الثقافي على كافة المستويات وفي كل الاتجاهات للمكونات المجتمعية، مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة وجود سوريا والدولة السورية كواقع لا بد من أخذه بالحسبان، ولابد لنا أن نؤكد على نوع من الاستقلالية والحرية لكل المكونات والهويات والانتماءات مع الاحتفاظ بالكيان المركزي الديمقراطي، وهذا ممكن فقط من خلال الدمج بين المركزية واللامركزية على حد سواء، باعتبار أن سوريا بلد جميع المكونات وبالضرورة يجب أن تتمتع هذه المكونات بحقوقها كاملة. إذا كانت بعض مبادئ الحالة السياسية قد تم التطرق إليها سابقاً حيث لا يمكن الفصل بين تحرير المجتمع والسياسة، فإننا نؤكد مرة أخرى على هذه الحقيقة مع ضرورة البحث عن صيغة توافقية تؤمن الدمج بين الجزء والكل، وتكفل حقوق الأجزاء التي هي المكونات الأساسية للمجتمع، وتحافظ على وحدة المجتمع السوري ككل وبهذا لا بد من دور المركز لصالح الأطراف، وتقليل صلاحيات السلطات المركزية لصالح الإدارات الذاتية. إن الحالة السياسية في سوريا يجب أن تخضع إلى تغيير في كيان الدولة إما عن طريق الإصلاح أو عن طريق الثورة. وفي كلتا الحالتين سنكون أمام كيان سيكون الرافعة المركزية الجامعة لمختلف المكونات التي تشكل بمجموعها الكل السوري أي ستتداخل المركزية مع اللامركزية وستتطور اللامركزية بالشكل الذي يسمح لعناصر وهويات المكونات جميعها بالظهور والتطور والتعبير عن نفسها، وهنا تبرز مسألة التقسيمات الإدارية التي ستحصل وقتها ليلتقي كل جزء بمكونه السياسي المتمثل بالإدارة الذاتية لهذا الجزء ومن المؤكد أنه لابد من تقسيمات طبيعية تتناسب مع توزع المكونات والهويات، وبهذا الشكل فإن اللامركزية ستغدو  ضمانة فعلية للمركزية وللعيش المشترك، لأن المواطنة المشتركة ستكون التعبير العقلي والعملي عن الإدارة الحرة لمجموع أفراد أي مكون ولكل المكونات، وعلى هذا الأساس ستكون سوريا وطن كل المكونات رغم اختلافاتها وتمايزها، وطناً يحتضن الجميع ويمثل الجميع، واختيار الاسم الأصح لها وهو، ربما إذا قلنا إن النظام الجمهوري هو الأقرب للديمقراطية، الجمهورية السورية أو الجمهورية السورية الديمقراطية، التي تمثل كل مكوناتها ولكل منهم حقوق وواجبات يجري تحديدها في الدستور الأساسي.

الأسس الاقتصادية:

لم يعد خافياً على أحد ما آلت إليه الحالة الاقتصادية في سوريا حيث شرعنت الدولة السلب والنهب والاستغلال تحت شعارات قومية في إطار المؤسسات الحقوقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي استحدثت لتبرير عمليات السلب والنهب ومنحها مشروعية معينة تمكنها من الاستمرار في حماية مصالحها. فالاحتلال الاقتصادي أخطر أنواع الاحتلال وأشد الأساليب بربرية في الإيقاع بمجتمع ما وتقويضه وتفتيته. حيث كتمت أنفاسه وأخضعت حياته الاقتصادية للرقابة المشددة وتم الاستيلاء على أدواته الاقتصادية. وهكذا أصبح الأسر الاقتصادي أفتك وسيلة لإنكار الهوية والحرمان من الحرية.

لا يقتصر النظام الاقتصادي في الإدارات الذاتية الديمقراطية على وقف هذه الممارسات الوحشية فحسب بل يعمل أساساً على إعادة بسط المجتمع لسيطرته على الاقتصاد، وشبه الاستقلال الاقتصادي هو أدنى حدود الوفاق بين الدولة والإدارات الذاتية، فشبه الاستقلال الاقتصادي يعمل أساساً بموجب الصناعة الايكولوجية والاقتصاد الكومينالي باعتبارهما انعكاساً للديمقراطية على حقل الاقتصاد. ولا مكان في شبه الاستقلال الاقتصادي للصناعة والتكنولوجيا والتنمية والملكية والاستقرار الريفي المديني الذي يدحض أو يرفض الايكولوجيا والمجتمع الديمقراطي. ومن المحال ترك الاقتصاد ساحة يتحقق عبرها الربح وتراكم رأس المال. إلى جانب عدم رفض هذا النظام السوق والتجارة وتنوع الإنتاج والرقابة والعطاء إلا أنه لا يقبل إطلاقاً بنفوذ الربح وتكديس رأس المال، وهناك حاجة لأرضية قانونية لشبه الاستقلال الاقتصادي فالرتابة والنزعة المركزية الموجودتان في قوانين الدولة الحاكمة تحت اسم وحدة القانون إنما تعد قيوداً تكبح جماح الإبداع الاقتصادي وتكبل الايكولوجيا والمنافسة، لذا وعوضاً عن مفهوم هذا القانون الذي يستند ضمناً إلى الاستعمار الاقتصادي ثمة حاجة ماسة إلى الاقتصاد المحلي وآلياته شبه المستقلة. أي أن ما يلزم هنا هو قانون اقتصادي لا ينكر ظاهرة السوق الوطنية لكنه يضع ديناميكيات السوق المحلية نصب العين، في حين أن نظام قانون المركز الواحد هو أشد عوامل التزمت التعصبي، ويعتمد على ذرائع سياسية بحتة ويخلو تماماً من المنطق الاقتصادي.

الأسس القانونية:

القانون الديمقراطي قانون يعتمد على التنوع. والأهم من ذلك أنه قلما يلجأ إلى الترتيبات القانونية، ويتميز ببنية بسيطة غير معقدة. في حين أن الدولة القومية الحاكمة هي أكثر أشكال الدولة التي تصوغ الإجراءات القانونية على مر التاريخ. والسبب في ذلك يعود إلى تدخلها في كل شاردة وواردة في المجتمع بصورة عامة، وإلى سعيها للقضاء على المجتمع الأخلاقي والسياسي بصورة خاصة، حيث كانت المجتمعات القديمة تعمل على حل نسبة كبيرة من قضاياها بالإجراءات والتدابير الأخلاقية والسياسية.

فإذا كانت مسألة الحقوق قد بدأت مجتمعية من خلال الأعراف والقيم والأخلاق الاجتماعية فإنها مع الزمن وعبر التطورات اللاحقة انزلقت نحو المتاهات التي دخلت فيها مسيرة الحضارة. ومع تطور الدولة وزيادة تأثيرها امتدت نحو القيم الضابطة للمجتمع بسن الشرائع التي تتناسب مع مصالحها في كل مرحلة عبر قوانين ودساتير معينة. حيث تحولت المؤسسة الحقوقية برمتها مع الزمن إلى إدارة لحماية شخصيات الدولة ومؤسساتها وحماية قوى السلب والنهب والحفاظ على أمنها ومشروعية ممارساتها ومحاولة إضفاء الصفة الشرعية عليها, وما المحاكم والقوانين والمراسيم والتشريعات الاستثنائية التي طالت كل مناحي الحياة إلا علامات بارزة على تحول هذه المؤسسة فعلياً إلى أداة قمع وقتل ونهب وسلب الشعوب بكاملها وإنكارها وشرعت لمشاريع عنصرية نفذت بموجبها العديد من المجازر تحت اسم القانون والدستور والحقوق.. لذا فإننا نرمي هنا إلى ضرورة طرح وجهة نظر ديمقراطية للظاهرة الحقوقية في المرحلة القادمة مؤكدين على أن « الأمة الديمقراطية « تستند إلى الأخلاق المجتمعية أكثر من الحقوق وهذا يحتاج إلى تطوير المؤسسات الحقوقية وتنظيم المجتمع وفقها للضغط على ما هو موجود في الدولة الراهنة لدفعها نحو التطبيق الديمقراطي الإيجابي للحقوق والدساتير الموجودة بما يتناسب مع المعايير الأخلاقية الوجدانية .

أسس الدفاع والحماية الذاتية:

لا شك أن كل كائن وكل تكوين حي يمتلك آلية للدفاع عن النفس، وهذا الدفاع المشروع تشرعنه كافة الأعراف والقوانين الدولية وحقوق الإنسان ومعاهدات الأمم المتحدة ..فمع تطور الحضارات ونشوء الدول وتزايد الصراع ظهرت الحاجة لمنظمات دفاعية خاصة تبلورت فيما بعد على شكل قوات وجيوش بدأت تأخذ أشكالاً عديدة تمارس مهمة الدفاع عن المجتمع، وقد تحولت مع الزمن إلى أداة قمع بيد الأنظمة المتسلطة لدعم وترسيخ سياساتها ومصالحها خارجياً وداخلياً .

فالدفاع الذاتي هو دفاع مشروع يعتمد على تفعيل قوى المجتمع الذاتية بإرادة ذاتية لا تنتظر موافقة الدولة أو دعمها أو توجيهاتها ولهذا تكون المؤسسات الدفاعية المتنوعة مستقلة إلى حد كبير. ينظم عملها الدستور الديمقراطي في الوطن. ففي رحاب الوطن لابد للمجتمع من أن يبني مؤسساته المجتمعية أو ما يمكن أن نطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني التي تعتمد على تنظيم المجتمع في كل الساحات مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قد يتعرض لهجمات من أنواع شتى تمتد من اللغة وصولاً الى استهداف حياة المجتمع واقتصاده وأمنه وغيرها، ولهذا لابد من بناء تنظيمي على كل هذه المستويات لتمكين المجتمع من الدفاع عن عناصره الأساسية، وتطوير نفسه. وهنا تظهر إشكاليات عديدة في العلاقة بين الجزء والكل، بين الوحدات التي ستعتمد كأساس لتشكيل سوريا بوصفها الوطن المشترك وبين المؤسسات المركزية التي تمثل الكل. ويجب اعتماد الهوية الثنائية أو حتى الثلاثية إن لزم الأمر. جميع المؤسسات التي تعمل ضمن إطار منظمات المجتمع المدني كوسائل حماية وتطوير ستتبع التطبيقات نفسها. ولابد من تنظيم المؤسسات الدفاعية بما فيها مؤسسات القوة العسكرية والأمنية وفق الشكل المعتمد للوطن الديمقراطي الذي نرمي لبنائه، أي سيكون لكل جزء مؤسساته الذاتية الخاصة، وسيكون للوطن ككل ومن يمثله من الدولة والنظام مؤسساته العامة ذات العلاقة. وهنا لابد من تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة بوصفها مؤسسات على مستوى الوطن وبين المؤسسات المحلية التي تمثل أجزاء من سوريا اللامركزية التي يجب أن تقسم إدارياً دون المساس بوحدة الوطن ومركزيته، وهنا سيحصل الدمج بين المركزية واللامركزية بشكل متناغم. ما يسري على المؤسسات الأخرى يسري على المؤسسات العسكرية والأمنية، فكل جزء أو مقاطعة أو منطقة إدارية يمكنها بل لابد لها من تشكيل قواها الخاصة، ويجري تنظيم علاقتها مع المركز بقانون مثلها في ذلك مثل جميع المظاهر الأخرى التي تحتاج إلى تنظيم دقيق.

الأسس الثقافية:

تكاد تكون الثقافة أهم الأسس والعوامل في بناء الديمقراطية وليس خطأ أبداً مقولة إن الديمقراطية بحد ذاتها مسألة ثقافية وسلوك وهي تتسرب إلى كل مفاصل الحياة المجتمعية وتحدد طابعها العام، فالثقافة هي الحالة الروحية والمعنوية للمجتمع بكل تفاصيلها. وليس سراً أن الثقافة مثلها مثل كل الظواهر الأخرى أثرت وتأثرت بالواقع المعاش, لكنها احتفظت دائماً بدورها الفاعل في تحديد التوجهات العامة للمجتمع, ولهذا فإن الأنظمة السياسية عملت جاهدة للتغلغل إلى هذه المنظومة لتشتيتها وقولبتها بما يتناسب مع مصالحها. يمكن أن نطلق على سوريا تسمية مهد الثقافات، لا بل هي أرض الثقافات المختلفة البناءة، ولهذا تعددت الثقافات واللغات مع تعدد الحضارات بشكل رائع باتت فيها ثقافة مركبة من العديد من اللغات والثقافات في العمق التاريخي والجغرافي والحضاري الأصيل. سوريا يجب أن تعود مرة أخرى إلى ثقافتها الأصيلة.

يجب أن تدرك سوريا الجديدة هذه الحقيقة وتكون قادرة على احتضان هذا التنوع، وهذا ممكن عبر فضاءات الحرية الثقافية، وتكون قادرة على حماية التراث الموجود وتطويره لدمجه مع الحالة الديمقراطية، ومن جانب أخر يتوجب رفض كل أنواع الثقافات الشوفينية والتعصب الثقافي واللغوي والديني والأثني والتعويض عنها بثقافة الحياة المشتركة. نحن نعلم بأن الثقافة السورية تعرضت للتشويه والإنكار والإقصاء المتعمد خلال سنوات طويلة وتحت شعارات قومية شوفينية تعصبية، ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن عناصر الثقافة السورية بغالبيتها العظمى هي عناصر أصيلة نشأت على هذه الأرض وعليها ولدت ثقافة وأعراف وتقاليد ولغات المكونات السورية. لابد من تنظيم كل هذه العناصر بشكل حر من خلال مؤسسات المجتمع المدني المتنوعة وعلى كافة المستويات وتوفير الإمكانات اللازمة لها على المستويات المركزية واللامركزية، سوريا الوطن المشترك ستكون وطن كل الديانات والمذاهب واللغات والقناعات والحضارات المتعايشة جنباً إلى جنب كمكونات أصيلة بضمانات دستورية إنها باختصار ثورة ثقافية ديمقراطية للتعددية ضد الأحادية والإنكار. هذه الثورة ستطال مسألة اعتماد اللغات الأصيلة لغات رسمية وتمكين الشعب من تعلم اللغة والتعليم بها، وكذلك ضرورة افتتاح الأكاديميات اللغوية والثقافية وتطوير المراكز الثقافية .

الأسس الدبلوماسية:

أصبحت الدبلوماسية بين الدول القومية أداة تلاعب ومضاربة، وباتت أداة لتهيئة أجواء الحروب وليس لاستتباب السلم. أما في كنف تقاليد الأمة الديمقراطية فالدبلوماسية أداة لإرساء السلم والتعاضد والتبادل الخلاق وحل القضايا العالقة فيما بين المجتمعات، إن دبلوماسية الأمة الديمقراطية وسيلة لتكريس السلم والعلاقات المفيدة، لا لإشعال فتيل الحروب، وهي تعبر عن وظيفة أخلاقية وسياسية نبيلة وثمينة يؤديها الناس الحكماء. كما أنها تؤدي دوراً هاماً في تأمين سيرورة المراحل التي تدر النفع المتبادل وتعزز علاقات الصداقة فيما بين الشعوب المتجاورة والأقارب على وجه الخصوص، كما تعتبر قوة إنشاء المجتمعات المشتركة والتركيبات الجديدة لمجتمعات أرقى.

ويمكن لوحدات الإدارة الذاتية الديمقراطية أن تبني علاقاتها الدبلوماسية مع وحدات أخرى على أن تحترم قوانين ودستور المركز.

ملامح سوريا المستقبل:

بالنظر إلى اللوحة السورية المتأزمة والكارثية لابد لنا من التصدي بحزم ووعي ودراية لهذا الانحدارالسريع نحو الهاوية، حيث تسبب نموذج الدولة القومية بمآسٍ وأزمات مزقت البنية المجتمعية ولايمكن تجنبها إلا بتحول ديمقراطي راديكالي حقيقي, وإعادة النظر في سوريا الراهنة والعمل على تحويلها إلى وطن يتلاءم ويتوافق مع قيم العصر ومبادئه دون التخلي عن الأصالة التاريخية لهذا البلد ومكوناته وتراثه وثقافته وحضارته وتعدديته.

إننا أمام مهمة جديدة وتحديات كبيرة تفرض على الجميع أحد أمرين لا ثالث لهما: إما المشاركة فعلياً وعملياً في عمليات التحول الديمقراطي لسوريا وتجاوز بقايا النظام والتسلط القومي الأحادي الشوفيني بشكل يؤمن المشاركة الديمقراطية الحرة وسبل التطور لكل مكونات المجتمع السوري على قدم المساواة، أو ترك سوريا لبراثن الرجعية الارتدادية المتعفنة المتمثلة في التشكيلات الجهادية السلفية لتحيل سوريا إلى صحراء حضارية وثقافية ومجتمعية. التحول الديمقراطي سيخلق وطناً ديمقراطياً مشتركاً لكل المكونات، يمكننا تحديد ملامحه الرئيسة ولو بالخطوط العريضة، ملامح سوريا الجديدة التي ستكون لكل السوريين. سوريا الديمقراطية التي يعيش فيها المواطن الفرد الحر، سوريا التشاركية التي تهب جميع المكونات لبنائها والدفاع عنها وحمايتها.

لابد لسوريا من الابتعاد عن الدولة المركزية التي اندفعت بجنون السلطة نحو التسلط والديكتاتورية والاوليغارشية، وأبدعت في إنتاج نظام أمني شوفيني مستبد ينكر حتى وجود الإنسان ككائن له كرامته وقيمته، وحول سوريا بكليتها إلى زنزانة يعمل سجانوها بشكل ممنهج ومنظم للقضاء على أبجديات الحرية والحياة الكريمة.

لابد لها أن تتحول ديمقراطياً وفق المعايير الصحيحة التي تحترم التعددية وتحقق مشاركة الجميع جماعات وأفراد في العمليات المجتمعية عبر تأمين الحريات والفرص للجميع، ولا يمكن تحقيق هذا في سوريا كدولة قوموية أحادية مركزية، أي لابد لسوريا من أن تتحول نحو اللامركزية لتمكين جميع المكونات باختلاف أبعادها ومزاياها وخصائصها من المشاركة في الحقوق والواجبات في الوطن المشترك الذي يجب أن يكون شعار الجميع دون إقصاء أو إبعاد أو تحكم أو احتكار أو تسلط، أي لابد أن يكون وطناً تسوده القوانين العادلة والأطر الديمقراطية التي ستكون الضمانة الدستورية الحقوقية لسوريا المنسجمة مع هذا العصر.

إن الإصرار على الإطار اللامركزي في سوريا لا يعني إلغاء المركز كليا، بل إن المركز سيتحول من كونه أداة تحكم إلى وسيلة تنسيق وتوحيد جميع الأجزاء التي تشكل الكل، مع احتفاظه بوظائف أساسية تحمل الصفة الاستراتيجية العامة. لا بد أن تكون الدولة في الجمهورية السورية على المسافة نفسها من كل الثقافات والأديان واللغات وغيرها من العناصر المختلفة للشعوب والمشاركة في بناء سوريا ديمقراطية تحقق الفصل بين الدين والدولة، وسيكون من مهمات الدولة تأمين الأجواء الديمقراطية لتطور العناصر الثقافية المكونة للمجتمع بما فيها الأديان والمذاهب والطوائف بشكل حر، وعدم السماح بسيطرة إحداها على الأخرى، أو تهميش إحداها للأخرى. لابد من التوجه نحو تقسيمات إدارية جديدة وفق معايير علمية تأخذ حقيقة التنوع الثقافي في سوريا بكل مكوناته بعين الاعتبار، بعد التخلص من الذهنية والنزعة التي سيطرت على الدولة طيلة العقود السابقة.

وهنا يجب الإشارة إلى أن تطبيق الإدارة الذاتية الديمقراطية يتطلب مقدماً وجود نظام ديمقراطي في سوريا. إذ لا ديمقراطية في سوريا دون بناء إدارات ذاتية وحل مشاكلها الديمقراطية المتمثلة في دمقرطة المجتمع والدولة وحل قضايا كل المكونات وعلى رأسها القضية الكردية. هذا الوطن يمكنه أن يحيا بسلام ووفاق مع محيطه الديمقراطي، لا بل ستكون سوريا مثالاً يحتذى في الشرق للتحول الديمقراطي الحقيقي الأصيل، وستحظى باحترام جميع الشعوب والمجتمعات المجاورة. سوريا الديمقراطية ستشكل أرضية جديدة لبناء الإنسان والمجتمع بشكل سليم، وستدفع باتجاه خلق المواطن الفرد الحر.

يجب أن ندرك أن كل مكونات سوريا المجتمعية عابرة للحدود، لا تتوقف عند حدود الدولة السياسية بدءاً من العرب إلى الكرد والسريان والأرمن والتركمان وكذلك المسلمين والمسيحيين واليزيديين، وهذا التنوع سيشكل الأساس لعلاقات صحيحة وصحية مع دول الجوار، وسيشكل أرضية خصبة لبناء علاقات كونفدرالية ديمقراطية قد تعم الشرق الذي يرفض بطبيعته تكوينات النظريات القوموية العرقية والدينية بما فيها الدولة القومية. تحقيق كل هذا يتطلب وعياً وإيماناً وثقة والتزاماً بالمثل الإنسانية العليا وكذلك إصراراً على العمل الملتزم المنظم والمخطط لطليعة واعية تستهدف بناء المجتمع الديمقراطي الحر من خلال خلق المواطن الفرد الحر في وطن ديمقراطي مشترك.

الخطة العملية لتنفيذ المشروع:

بالنظر إلى الواقع السوري يمكن أن نرى بكل سهولة أن الأحداث التي جرت حتى الآن بدأت تفعل فعلها في تمزيق النسيج المجتمعي السوري وتصدع الوحدة الوطنية بسبب إصرار الأطراف المتصارعة على استخدام العنف. استمرار هذا الواقع سيدفع باتجاه التقسيم والتشظي مما سيحدث انفجاراً يهدد المنطقة برمتها نظراً لتشابه أوضاعها وتركيباتها لذا لا بد من إيجاد حل لهذا الواقع المتردي الذي وصل إلى حافة الانهيار عبر إيجاد حلول عملية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا ووقف الانفجار الذي يهدد ليس فقط الدولة السورية بل حتى المكونات المجتمعية في كل المنطقة.

الحل السياسي ما زال يفرض نفسه كحل وحيد وبديل للحل العسكري- الذي تصر عليه الأطراف المتنازعة – في  إطار الوحدة السورية القائمة على أساس احترام التعددية على كل الجبهات والأصعدة والمكونات من خلال التخلص من التوجهات والأفكار القومية الأحادية الإنكارية وإجراءاتها ومؤسساتها نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي في دولة لا مركزية قادرة على إفساح المجال أمام كل عناصر المجتمع لتلعب دورها الحقيقي في سوريا المستقبل ويجب ألا يغيب عن بالنا أن الأزمة السورية باتت أزمة إقليمية ودولية نتيجة التدخلات الخارجية على أرض الواقع .

ومن أجل وقف نزيف الدم السوري وإنهاء حالة التشرذم والتبعثر التي تمر بها سوريا وقواها السياسية والتي تسببت في هدر طاقات المجتمع السوري وديناميكياته الداخلية وتتويج الثورة السورية بالنصر ولإعادة بناء سوريا ديمقراطية حرة على أساس اتحاد التنوعات والاحترام المتبادل بين الكل السوري والأجزاء المكونة له لا بد من وضع خارطة طريق لحل الأزمة السورية على أسس الديمقراطية التوافقية والعدالة والمساواة والتمييز الإيجابي بين الجنسين، واعتبار حرية المرأة هي ضمانة كافة الحريات.

لا بد من الالتزام بعدة مبادئ تتفق عليها القوى السورية لفرض حل سياسي واقعي في مثل هذه الظروف.

المبادئ الأساسية:

-1 الانتقال من حالة الاستبداد ومن البنية القوموية الشوفينية والانتقال إلى نظام ديمقراطي لامركزي يتشارك فيه الجميع في الإدارة والبناء.

-2 محاربة الجماعات السلفية الجهادية التكفيرية بمختلف مسمياتها .

-3 الحفاظ على وحدة الوطن السوري.

-4 احترام التنوع المجتمعي السوري بكل مكوناته.

اعتماداً على هذه المبادئ الأساسية فإننا نرى أنه على القوى السورية الفاعلة على الأرض أن تتحرك بقوة لطرح نموذجها من خلال الوصول بالتوافق إلى صيغة مشتركة للحل وهذا ممكن من خلال النموذج الذي طرحناه سابقاً مما

يستوجب:

أولاً: طرح مشروع الحل المعتمد ومناقشته مع كل القوى السياسية المؤمنة بالحل السلمي الديمقراطي دون استثناء والنقاش معها لإيصال المشروع إلى صيغته النهائية.

ثانياً: تشكيل أكبر تجمع ممكن من هذه القوى السياسية وعقد اجتماع موسع لممثليها للسير بالمشرع وتطبيقه على أرض الواقع.

ثالثاً: عقد مؤتمر وطني سوري )مؤتمر السلام والحل الديمقراطي السوري( تدعى إليه كافة القوى السياسية المؤمنة بالحل السلمي ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات المجتمعية وبرعاية الأمم المتحدة .

رابعاً: انتخاب مجلس من المؤتمر محدد الصلاحيات ومن كل المكونات مع مراعاة نسبة تمثيل المرأة والشبيبة، ويكون مسؤولاً أمام المؤتمر ومن مهامه:

-1 العمل على وقف إطلاق النار.

-2 إطلاق سراح المعتقلين السياسيين على خلفية الأحداث.

-3 التواصل مع الدول المعنية بالأزمة السورية والأمم المتحدة.

-4 إدارة المرحلة لحين الانتقال لانتخابات عامة .

-5 يقوم المجلس بتشكيل لجنتين الأولى مهمتها صياغة مسودة دستور ديمقراطي متفق عليه للدولة السورية الديمقراطية. والثانية تحديد آلية وشكل الانتخابات العامة في سوريا.

خامساً: تنتهي صلاحيات ومهام المجلس الديمقراطي السوري مع انتهاء المرحلة الانتقالية في سوريا.

نحن ندرك بالتأكيد أنه لا توجد أية وصفات جاهزة وكاملة لهذا الواقع السوري الذي إذا استمر إنما يهدد المنطقة والعالم برمته، لكننا ندرك أيضاً ونؤمن بأن الجهود الخيرة لأبناء هذا البلد وأصدقائه ستثمر عن مشاريع قادرة على إنقاذ ما تبقى من سورية وحماية الآخرين من شظاياها إذا انفجرت، لكن ذلك يحتاج إلى رؤى موضوعية قمنا بطرحها من خلال هذا المشروع القابل للتطوير والتحديث عبر مناقشته في مختلف الهيئات والمحافل التي تجد نفسها مسؤولة ولو أخلاقياً ووجدانياً عن إيجاد حل لهذه الأزمة وهذا بدوره يستلزم الإصرار والالتزام الواعي بقضايا الشعب من خلال رؤى ديمقراطية حقيقية تسمح للجميع بالمشاركة في الحل والبناء لتكون سورية وطناً ديمقراطياً تعددياً لا مركزياً علمانياً لكل السوريين على أساس احترام الحقوق الديمقراطية لكل المكونات وفق ما تنص عليه القوانين والأعراف الدولية بضمانات دستورية تتكفل بها القوى المشاركة .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق