نور الإنسانية …القائد آبو

نور الإنسانية ...القائد آبو

عادل رستم

يعتبر الشعب الكردي أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط التي لعبت دورا هاماً في بناء المدنية والثقافة الإنسانية في موزوبوتاميا مهد الحضارات أي كردستان. إلا أن جمالية كردستان وخيراتها وجغرافيتها وموقعها الاستراتيجي والسياسي جعلها معرضة دائماً لأطماع الأعداء.

لذلك استُعمرت كردستان لمرات عدة عبر التاريخ. وتحولت إلى هدف أساسي لكل مستعمر يسعى إلى بسط نفوذه وحاكميته على العالم وخلق اقتصاد قوي. عاشت كردستان تاريخاً طويلاً مليئاً بالحروب والهجمات والظلم. بدون شك قاوم الكرد وناضلوا ضد كل المستعمرين, وقد كان هناك عاملان أساسيان ساعدا الكرد على حماية أنفسهم, أولهما جغرافية كردستان الجبلية؛ فجبال كردستان تعد قلعة وملجأ للكرد. فكلما هاجم المستعمرون كردستان وحاولوا احتلال مدنها وقراها أصبحت تلك الجبال ملجأ ومأوى للكرد, ومكاناً للعيش وخلق فرصة الحياة من جديد. العامل الثاني هو أصالة الثقافة الكردية لأن المجتمع الكردي يعتبر أحد أقدم المجتمعات في التاريخ الذي يمتد إلى ما قبل 6000 – 7000 سنة, هذه الأصالة الثقافية ذات العروق العميقة هي التي جعلتنا اليوم نتحدث بلغتنا ونعيش بثقافتنا على الرغم من كل الحروب والهجمات التي تعرض لها المجتمع الكردي. فحفاظ المجتمع الذي تعرض لكل هذا الظلم والهجمات الشرسة على اسمه ناهيك عن اللغة والثقافة, يعتبر معجزة من المعجزات. خرجت تلك الهجمات في القرن العشرين من إطارها الجغرافي والاقتصادي, ومن خلال استنادها إلى مفهوم الاستعمار الجديد قامت أشد وأقوى الهجمات على الشعب الكردي. فمع الخريطة السياسية التي ظهرت مع الحرب العالمية الأولى وبعض الاتفاقيات الإقليمية والدولية لم يكتفِ المستعمرون باستعمار ونهب خيرات كردستان فحسب, إنما سعوا إلى تجريد الكرد من هويتهم الوطنية. أقذر وأظلم تلك الاتفاقيات والتي تناقضت مع العلم والطبيعة والإنسانية والواقع مئة بالمئة, كانت تلك الاتفاقية التي تنكر وجود وهوية شعب وأمة موجودة على وجه الأرض.

شاركت جميع القوى الدولية والمستعمرة لكردستان في هذه الاتفاقية, فمشاركة القوى المستعمرة لكردستان كان نتيجة إدراكها بأنه لا يمكن صون استمرارية نظامها السلطوي الظالم بوجود الشعب الكردي. أي أنها من خلال هذه الاتفاقية سعت إلى القضاء على الشعب الكردي. أما مشاركة القوى الدولية في هذه الاتفاقية فكان لرؤيتها في الكرد قوة وطاقة وثقافة تفوق ثقافتهم. لذلك أرادت أن تظهر بأن التاريخ يبدأ بها. نعرف جيدا أن تاريخ المدنية في أوربا وأمريكا هو تاريخ الإغريق وعمره لا يتجاوز 3000 سنة, أما في كردستان فهناك شعب يعيش مع ثقافة أكثر تطوراً وديناميكية من ثقافتهم, وعمرها يمتد إلى أكثر من 5000 سنة, لذلك هم أيضاً سعوا إلى إنكار الشعب الكردي وعدم قبول وجودهم وهويتهم. وعلى هذا الأساس قاموا بتجزئة كردستان إلى أربعة أجزاء من الناحية الجغرافية وحكموا عليها بالإنكار والتصفية من الناحية الاجتماعية. وقاموا بمساندة القوى المستعمرة لكردستان. وعلى هذا الأساس وبشكل خاص خلال الستين سنة الأخيرة من القرن العشرين دخل إنكار الشعب الكردي وجميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تهدف إلى القضاء عليه جدول أعمال تلك القوى. لذلك إذا نظرنا إلى حال الأجزاء الأربعة لكردستان نرى عشرات المجازر بحق الشعب الكردي. وإلى جانب كل هذه المجازر وسياسة الإنكار والتصفية نكتشف مخططاً أكبر وأقذر, وهو ما نسميه بالحرب الخاصة أو سياسة الصهر والتي تقوم بكسر فكر وإرادة وروح الإنسان, وجعله مستسلماً, ومنعه من ممارسة أي عمل متعلق بهويته الكردايتية, وثقافته, ولغته. أي تجعله يشبه كل شيء إلا الإنسان الممتلك للهوية. وممارسة هذا النوع من السياسة والحرب, وعدم ممارسة القتل الجسدي ليس حباً بالكرد, بل لأنهم كانوا يرون أن الكردي الحسن والجيد هو الذي يصلح عبدا لهم, ولم يكن هناك أحدٌ أفضل من الأكراد ليصبح جندياً أو عبداً لهم. لذلك نرى في مجتمعنا بعض الكبار في السن والذين مضى على خدمتهم في جيش تلك القوى المستعمرة ثلاثون أو أربعون سنة مازالوا يتحدثون عن خدمتهم, ويقولون أن العريف أو الضابط الفلاني قال لي أحسنت ويفتخرون بهذه الكلمة, فلماذا يفتخرون؟ لأنهم كانوا عبيداً جيدين لهم. في بداية السبعينيات كانت هناك ثورة في باشور في جبل برزان, ولكن عبر اتفاقية الجزائر قاموا بالقضاء على حلم وخيال الشعب الكردي في جبل برزان, وهناك كلمة مشهورة في باشور وهي «آش بطال » أي قاموا بإخماد نار الثورة. أما في باكور كردستان فبعد مجزرة ديرسم لم يعد هناك أي شيء باسم الكردايتية, ونلاحظ بعد مرور 40 سنة من ثورة PKK مازال 80 بالمئة من الشعب الكردي في باكور كردستان لا يعرفون التحدث جيداً بلغتهم. ولم يُر في العالم مثيل لسياسة الصهر التي تقوم بتغير لغة شعبٌ كبير إلا في سياسة التعريب واتفاقية الجزائر. فكلمة كردستان كانت ممنوعة وجريمة ومجرد لفظها كان يعتبر ثورة. وفي تاريخ تركيا عندما قاموا بتصفية ثورة أغري, بنوا قبراً من الإسمنت وكتبوا عليه «إن كردستان الخيالية مدفونة هنا », هذا يعني أنه لا يسمحون أن يكون هناك كردستان حتى في خيال الكرد, فكيف كردستان الواقعية التي يعيشون على ترابها. في ظل كل هذه المآسي وسياسة الإنكار والتصفية ولدت شخصية كردية في موطن الأنبياء, رأى كل آلام المجتمع من حوله. كان يتحدث باللغة الكردية في البيت وعندما يذهب إلى الإمام يراه يتحدث باللغة العربية, وفي المدرسة يجبرونه على التحدث باللغة التركية. كبر مع كل هذه التناقضات, وكان يقول في داخله: هناك شيء خاطئ في هذه الحياة ويجب أن أقوم بإصلاحه. هذا الشخص كان القائد آبو. يقول القائد آبو: عندما لاحظ أبي أنني أفكر بالقضية الكردية قال لي: بإمكانك أن تصبح شيوعياً أو ديمقراطياً أو تنضم إلى أجاويد, لكن الشيء الذي تفكر فيه هو كالنار التي سوف تحرقك وتحرقنا معك. في البداية كان يقوم بنشر فكره في الجامعة, وكان رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني التركي في ذلك الوقت سراج بركين الذي قال له: «إنك لا تعرف هذه الأمور جيدا,ً ولا تعرف ظلم الأتراك, وأحذرك من نشر مثل هذه الأفكار في كردستان, فحتى إن لم تقف الدولة التركية في وجهك سنقف نحن في طريقك ونمنعك, فأنت تلعب بالنار وسوف تقوم بهدم بيوتنا. » والإمام الذي كان يعلمه قال له: «إنك تفكر بشيء مستحيل؛ فالشيء الذي تفكر فيه يشبه شجرة يابسة من المستحيل أن تنبت مرة أخرى, وسوف تظل لوحدك مع الظلم ». على الرغم من كل الظروف الصعبة أراد مجموعة من الشباب الذين آمنو بالمستقبل وآمال الشعب الكبير أن يغيروا مسار هذا القدر الخائن والظالم, وتاريخ الشعب الكردي أيضاً. وعلى هذا الأساس بدؤوا بالنضال ببعض أفكار لينين وماركس, وبعض الأفكار القومية, وبعض تجارب ثورات التحرير الوطنية, ويوماً بعد يوم كبرت وتوسعت حركتهم, ومع الزمن تجاوزت ثورة التحرر الوطنية والاشتراكية المشيدة. تمكن القائد آبو من خلال تحليلاته التي قام بها عن حرية المرأة والدين وتاريخ الإنسانية والثورات الشعبية من أن يفتح أبواب الحقيقة والعلم والجنة أمام الشعوب والإنسانية جمعاء. تلك الأبواب التي أغلقها الظالمون والسلطويون أمام الشعوب والمجتمعات المحكومة بالعبودية والظلم منذ آلاف السنين. وفتح هذه الأبواب يشبه فتح صندوق العجائب في الميثولوجيا الأفريقية. فلكي لا يصل الإنسان إلى مستوى آلهة ذلك الوقت, ويكون دائماً تحت رحمة سلطتهم, قاموا بوضع العلم والمعرفة في صندوق وقاموا بإخفائه في جبل, أي في مكان يصعب على الإنسان أن يصل إليه. لأنه وحسب قوانينهم إذا تم فتح هذا الصندوق سوف يكون ذلك نهاية الدنيا. لماذا نهاية للدنيا؟ لأنه سيتم الكشف عن حقيقتهم, وتصبح تلك المفاتيح الموجودة بأيدي الظالمين والسلطويين فقط في أيدي الإنسانية كلها, ولأن النظام الظالم الذي بنوه سينهار. لذلك كان كل من يتجرأ على فتح ذلك الصندوق يعاقب. واستطاع الظالمون والسلطويون أن يستمروا بنظامهم الظالم على مر آلاف السنين بهذا الشكل. في الميثولوجيا والأساطير اليونانية عندما قامت الآلهة بخلق المخلوقات أمر زيوس ملائكته بإعطاء الاحتياجات من الصوف والريش والأجنحة…..إلخ لكل المخلوقات, وعندما وصل الدور للإنسان لم يبق شيء يقدمونه له, وكان من بين الملائكة برومي توس فقال: لقد ظلمنا هذا الكائن، أي الإنسان, ولا يمكنه أن يستمر في الحياة ويقوم بحماية نفسه بهذا الشكل. وقد كان في قصر حيرى, وهو أحد الآلهة, شيئان مهمان هما النار والعقل وإذا امتلكهما الإنسان سيستطيع أن يستمر في الحياة ويحمي نفسه. فقام برومي توس بسرقتهما ومنحهما للإنسان. وبذلك وصل الإنسان إلى باب الحقيقة. وعندما سمع زيوس بهذا الخبر قال: إذا امتلك الإنسان العقل لن يبقى فرق بيني وبينه وإذا امتلك النار سوف يقوم في وجه سلطتي. فأمر بمعاقبة برومي توس, وقام بصلبه فوق جبل قاف وفتح صدره كي تأكل الطيور كبده فينبت مرة أخرى كي يُعذب ولا يموت دفعة واحدة. كل هذا العقاب لأنه فتح باب الحقيقة للإنسان. في اليونان أيضاً ظهر ملكٌ ظالم, ومع الزمن قام بتوسيع ملكه وأفقر الشعب, وكانت الثقافة المنتشرة بينهم هي الفلسفة فكل من لا عمل لديه كان يذهب إلى الأسواق ويجمع الناس حوله ويتحدث لهم عن الفلسفة, ولكثرة انتشار الفلسفة بين الشعب ظهرت الفلسفة السفسطائية أي كثرة الكلام. في ظل هذا الوضع ظهر الفيلسوف سقراط, وتعهد بعدم إخبار أحد عن فكره, وكان نهجه نهج الاستقراء أي أنه كان يسأل فقط دون أن يخبر أحدا بشيء، فكان يقول للناس: أنا لا أعرف شيئاً والشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف, ولكنه كان يسأل, لماذا أنت مظلوم وعبد؟ وما الفرق بينك وبين هذا الملك؟ وبهذا الشكل كان يزرع روح المقاومة لدى الناس ويشجعهم على النضال في وجه الظالمين, لأن الإنسان من خلال الأسئلة يصل إلى الحقيقة والعلم.

وعند سماع الملك بعمل سقراط وأسئلته, قدمه للمحاكمة, وحُكِم عليه بالإعدام وذلك بشربه السم, قبل إعدامه سأله الجلاد: ما هو جرمك؟ فكل الناس في اليونان يتحدثون عنك إنك رجلٌ ذو شأنٌ كبير. فأجاب سقراط : لا، أنا لست كذلك فأنا مجرد ذبابة للأحصنة, فالحصان في الصيف عندما يشبع من الرعي ينام تحت أشعة الشمس فتأتي ذبابة وتضع فوق عينه أو أذنه فيستيقظ الحصان. و شعب اليونان أصبحوا مثل ذلك الحصان, نائمون في ظل كل هذا الظلم والاضطهاد والعبودية, وأنا مثل تلك الذبابة أقوم بإيقاظهم من نوم الظلم والاضطهاد, هذا هو جرمي. وهكذا أصبح سقراط شهيد الحقيقة وشهيد العلم والمعرفة.

كذلك تحدث سيدنا عيسى عن الحقيقة وعن الظلم الذي يمارس من قبل التجار اليهود والملوك البيزنطيين على شعب القدس, وناضل باسم المسيح كي يرفع الظلم والاضطهاد عن وجه الأرض, فقاموا بإعدامه وصلبه. كان اليوم الذي صُلب فيه سيدنا عيسى يوماً مقدساً في تاريخ روما, وفي ذلك اليوم كان بإمكان الوالي أن يعفو عن أي شخص حتى وإن كان محكوماً عليه بالإعدام. في ذلك اليوم كان هناك محكومان أحدهما سيدنا عيسى والثاني شخص مجرم وصاحب أفعال سيئة, فسأل الوالي شعبه: أي من هذين يستحق الإعدام والصلب؟ فأجاب شعبه: إن الذي أعلن نفسه ملكاً يشكل خطراً على بيزنطة, أما الثاني فهو مجرد لص وقاتل ليس له خطر على بيزنطة. وفعلاً ما كان يشكل خطراً على عرش روما الظالم هو فكر سيدنا عيسى, وبعدها أثبت التاريخ هذه الحقيقة. وبظهور الرأسمالية أغٌلقت الأبواب في وجه الإنسان للبحث عن الحقيقة, وقالوا كل هذا مجرد أساطير وتخيلات ونحن نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا, وقطعوا جميع الطرق المؤدية للعلم أمام الإنسان, وتمت إزالة الاجتهاد من جميع الديانات والطرائق, كما تم فرض شرائع وأحكام قطعية لا تسمح للإنسان بالتفكير مطلقاً, مع العلم أن الاجتهاد من خصائص الإسلام الهامة. إن كلمة «تفكرون » ترد في القرآن الكريم أكثر من مئة مرة, لكن الإسلام الراهن وعبر الأحكام القطعية قطع الطريق أمام التفكير والاجتهاد, لم يبقَ في الإسلام علماء كالحلاج منصور الذي وصل به الاجتهاد لدرجة قوله أنا الحق. في الإسلام الراهن كل من يفرض الأحكام والشرائع الدوغمائية على الإنسان هو عالم ممتاز, وجعلوا من الإسلام إسلام النظام والظالمين. في تركيا ظهر تياران كانا يسيران على طريق ونهج الحقيقة, كالشيخ بدردين في المذهب السني الذي تمت تصفيته بالمجازر.

والثاني بير سلطان عفدال في المذهب العلوي, ولكي يقوموا بتصفية هذا المذهب أيضاً قاموا بإنشاء مذهب بكداسي وهو مذهب علوي ليبرالي لا يرتبط بأصول الإسلام بشيء. ومع الزمن جُعِل الإسلام إسلام النظام و الدولة, فبقدر ما يخدم الإمامُ النظامَ والدولةَ ويحافظ على عرش السلطويين يكون إماماً جيداً. وبذلك تم إغلاق الطرق أمام الحقيقة. أما بالنسبة للاشتراكية فكان هناك انطلاقات باسم الاشتراكية لكنها لم تتمكن من تجاوز الاشتراكية التي كانت قد ظهرت في التاريخ, لم يكن هناك أي فرق بين عرش ستالين وعرش نبوك مقدس, بل على العكس فقد دام عرش نبوك مقدس عند السومريين والبابليين قرابة 2000 سنة, أما عرش ستالين فقد دام فقط 70 سنة, مع العلم أن ستالين كان يعمل باسم الاشتراكية والعلم. رأى القائد آبو كل هذه الحقائق وقال لهذا التاريخ الظالم والخاطئ كفى. يقول القائد آبو: إن التاريخ هو عيش اليوم بالمعرفة. أي أنه يجب عليك أن تقوم بكتابة قدرك وتاريخك بعلمك ومعرفتك, لأن حق الحرية لا يكون بالاختيار فبقدر ما تستطيع العيش وفق مصالحك, بعلمك ومعرفتك وإرادتك تكون حرا.ً لذلك قرر القائد آبو أن يدون تاريخاً للشعب الكردي.

فقبل ظهور حركتنا لم يكن هناك أي معنى للتاريخ بالنسبة للشعب الكردي, فالكردي كان يفكر دائماً في موته, فالكثير من الأشخاص قبل وفاتهم ب 25 أو30 سنة كانوا يقومون بشراء كفنهم من الحج, لأنه لم يكن هناك أي فرق بين الحياة والموت عندهم, لأن حياتهم كانت مليئة بالظلم والعبودية. فالموت أهون وأفضل بألف مرة من العيش بعبودية.

نحن نعيش في القرن الحادي و العشرين والذي يسمى عصر المعلوماتية والسرعة, فالراعي في جبال كردستان يعرف ما يحصل في أمريكا في دقائق, وذلك من خلال الإنترنت والهاتف, ولكن في هذا العصر 70 بالمئة من الكرد لا يعرفون عيد ميلادهم, وعندما نسأل أمهاتنا عن عيد ميلادنا يقولن سنة الثلج الأحمر أو في وقت حصاد العدس. هم لا يعرفون لماذا؟ لأن الحياة لم تكن مهمة بالنسبة لهم. بالمقابل هناك أناس من الشعوب الأخرى قد توفوا قبل آلاف السنين كُتب على قبورهم تاريخ ميلادهم وتاريخ وفاتهم بالتفصيل. وإذا نظرنا إلى قبور الكرد لا نرى أي شيء إلا الحجارة البيضاء, لأن وجود الأكراد وعدمه ليس مهماً, وحسب قوانين القوى المستعمرة لا يجب أن يكون هناك وجود للكرد. لهذه الأسباب كان يجب أن يتغير هذا التاريخ, ويُزرع عشق وحب الحياة الكريمة في قلوب الكرد كما قالت الرفيقة فيان: أريد أن أكون صاحبة حياة كريمة وعملية كبيرة فبالعملية الكبيرة يمكن خلق حياة كريمة وذات معنى. والشهيد كمال بير كان يقول: قال لنا جلاد السجن ألا تحبون الحياة؟ ألا تحبون أن يكون لديكم عائلة وتتزوجوا؟ وهل أنتم أعداء الحياة؟ فأجابه الشهيد كمال بير: لا بل على العكس تماماً نحن نحب الحياة لدرجة أننا نضحي بروحنا من أجلها, وإذا لم نكن نحب ونعشق الحياة ما كنا نضحي من أجلها بأغلى ما نملك وهي أرواحنا. وبهذا تمكن الكرد من إزالة المفهوم الذي يستند على أنه لا فرق بين الحياة والموت. لذلك نرى أمهات شهدائنا وهن أمام جنازات أبنائهن الشهداء تزغردن وأيديهن مخضبات بالحناء, مثل هذه الأعمال لا توجد في أي مكان في العالم إلا في الثقافة الأبوجية. فهذا يعني أن الثقافة الأبوجية صنعت الحياة من الموت, وقضت على الموت في كردستان, ولأن القوى الدولية الظالمة والسلطوية الطاغية رأت هذه الثقافة الأبوجية قامت بأعمال تشبه ما تم القيام به حين صُلّب سيدنا عيسى, وحين أُعدم سقراط, وحين تم فتح صدر برومي توس كي تأكل الطيور كبده, ولكن هذه المرة طوقوا القائد آبو لأنه قام بنشر هذه الأفكار مرة أخرى في الأرض. وهذا ما قاله له سيراج بلكين قبل 30 سنة «إذا قمت بنشر مثل هذه الأفكار سنقف في طريقك », وأمه عندما قالت له: إذا قمت بنشر أفكارك سوف تظل لوحدك. فعلاً التاريخ أعاد نفسه. أين كان سينشر فكره؛ في روما فروما ما كان بوسعها أن تتحمل، في ألمانيا فألمانيا قبل عشرين سنة قالت: إن أوجلان أينما وجد يجب أن يحاكم ويدخل السجن. فبعث القائد آبو رسالة وقال: سوف آتي للمحاكمة. فقالوا له بعبارة واحدة: لا, لا تأتِ. وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت كانت تسمي القائد آبو بالقنبلة النووية المتحركة, و أوروبا كانت تخاف أن تستضيفه في أرضها. وفي تركيا كان أجاويد يقول أمام الإعلام إنها مؤامرة وقد وضعوه في علبة وسلموه لنا, ولا نعرف لماذا سلموه. اتحدت كل القوى ضد القائد آبو, وما كان أحد يتجرأ على استقباله, فقاموا باختيار أرض الوحوش التي ماتزال الإنسانية تعيش فيها عصر البربرية, وهي نيروبي كينيا التي لم يسمع الكرد باسمها قبل اعتقال القائد آبو. كان هدفهم من اعتقال القائد أن يقوموا بإطفاء نور الإنسانية مرة أخرة, ذلك النور الذي ظهر مع القائد آبو في هذه الجغرافيا, وتلك الإنسانية التي كانت حلم جميع الأنبياء والفلاسفة والعظماء, وإغلاق صندوق الحقيقة مرة أخرى وإبعادها عن نظر وفكر الإنسانية, لذلك يقول القائد آبو إن تاريخ PKK رواية لم تكتمل, لأن PKK ومنذ أكثر من 25 سنة تبحث عن الإنسان المقدس. فإذا تمكنت PKK من إنشاء ذلك الإنسان سوف يزول الظلم وتنتشر العدالة بين البشر. فهدف PKK هو الوصول إلى ذلك الإنسان المقدس, الذي ضحى جميع الأنبياء والفلاسفة بحياتهم في سبيل إيجاده. المهندس والمعماري الذي يقوم بإنشاء الإنسان المقدس والأخلاقي هو القائد آبو, والذي يريد أن يفهم ماذا فعل القائد آبو فليقرأ تاريخ PKK , وليسأل عن زيلان وبيريتان وكمال بير ومظلوم دوغان وعكيد ويعرف من هم, وماذا فعلوا, وبأي فلسفة آمنوا, وبأي فكر فكروا, وما كان هدفهم. فالهدف هو إنشاء الملائكة في عصر ظالمٍ ومظلمٍ, لذلك يقول القائد آبو: «الذي يناضل في سبيل حرية كردستان, ويصبح ثائراً يجب أن تكون أخلاقه أخلاق الملائكة, فالكثير من الكرد الذين لم يكونوا يعرفون فكري رأوا أخلاقي فانتسبوا إلى حركتنا. »

لذلك فإن المسألة ليست مسألة فكر وكتب, فالفكر إذا لم يتحول داخل الإنسان إلى حقيقة وأخلاق وعمل, لا يكون له أي معنى. وهذا يعني أن القائد آبو استطاع أن يأخذ مفاتيح الحقيقة والحياة الحرة الكريمة من أيدي الظالمين وينقلها إلى أيدي الفقراء والمظلومين والمرأة والإنسان المحروم من الحرية, كي يعيشوا حياة حرة وكريمة بعيدة عن الذل والظلم والعبودية. ولهذا السبب اتحدت الدول الإمبريالية التي كانت تريد أن تحكم العالم, والدول المستعمرة التي كانت تريد أن تستعبد الكرد, وشارك معهم الخائنون من الأكراد ضد القائد آبو في هذه المؤامرة القذرة. إننا لا نتوقع من الأعداء شيئاً أقل من هذا, لكن أسطورة درويش عفدي أعادت نفسها للكرد. تلك الدول التي كانت تقول إننا أصدقاء, وقبل المؤامرة بشهور كانت قد أصدرت قرارات في برلماناتها بأنها ستستقبل القائد آبو, لكننا اكتشفنا أن صداقتهم كانت ناقصة, فهم لم يتحولوا إلى دروع حول القائد آبو. بدون شك كان هناك أصدقاء للقائد آبو أمثال الرفيق تيهان وعشرات الرفاق الذين جعلوا أجسادهم طوقاً من نار حول القائد آبو, لكن بالعموم لوجود صداقة ناقصة ومزيفة جُعِل القائد في هذا الوضع. عندما اعتقل القائد آبو قالوا: لقد تخلصنا منه, ووضعناه في السجن, قال البعض سنقتله, والبعض الآخر قالوا لا, إذا قتلناه سيموت مرة واحدة, سنجعله يموت كل يوم في السجن. كان هذا كلام أجاويد. صحيحٌ كان ومازال القائد آبو بين أربعة جدران لكنه كان قد فتح أبواب الحقيقة والعلم, وهو يعيش بفكره مع التاريخ مع الأنبياء و الفلاسفة الكبار, فعندما يكون الفكر والروح حران, لا يكون للجسد أي أهمية, استطاع القائد آبو من خلال فكره الحر أن ينجز في السجن ما لم ينجزه وهو خارج السجن, وقام بتحليلات لا تتعلق فقط بتاريخ كردستان, بل بتاريخ الإنسانية الذي تجاوز عمره 10000 سنة, واستطاع أن يشارك الإنسانية في الأسرار التي وصل إليها عبر تحليلاته. فطرح العديد من الأسئلة مثل: لماذا اندلعت الحرب بين المسلمين عند وفاة سيدنا محمد وقبل أن يدفن؟ لماذا قام الذين قاموا بالثورة الفرنسية بقتل بعضهم قبل مرور عام على نجاحها؟ لماذا اندلعت الحرب بين ترو تسكي وستالين على السلطة بعد نجاح الاشتراكية, في حين كانت جنازة لينين على الأرض؟ لماذا الكرد مظلومون؟ أجاب القائد آبو عن كل هذه الأسئلة والآلاف من الأسئلة التي تجول في فكر الإنسان وقدم تحليلاته للبشرية. يقول القائد آبو: اعتمدوا على هذا الفكر وطبقوه في أفريقية أو أمريكا اللاتينية سترون أنه سينجح مئة بالمئة. شاهين دولميز كان شخصية خائنة، كان مع الرفيق مظلوم وكمال بير في السجن واستسلم, عندما قال له الأتراك لقد تم القبض على مظلوم دوغان وكمال بير وخيري دورمش وغيرهم وبهذا انتهينا من PKK أجاب: لا هذا لن يجدي نفعاً, فهناك واحد اسمه آبو إذا تمكنتم من القبض عليه سوف تقضون على PKK , لكنكم إذا لم تتمكنوا من القبض عليه سوف يقوم بتنظيم الحجارة ضدكم وسينتصر. وحقيقة شهدائنا وحقيقة ثورة روج آفا في هذه الأعوام تثبت مرة أخرى صحة كل هذا الكلام. في الوضع السوري الراهن قامت عشرات الدول بوضع الخطط والمشاريع وتقديم المال والسلاح وعقد المؤتمرات, وظهر العديد من الأحزاب التي تدعمها أمريكا وإنكلترا وتركيا وغيرها, لكن على الرغم من كل هذا الدعم لها لم تستطع تحرير قرية واحدة. فالجيش الحر الذي ضحى بالعشرات من الشبان قام بعض أعضائه بمبايعة داعش والبعض الآخر فر من البلاد أو قتل. لكن الكرد الذين ناضلوا وفق نهج وفكر القائد آبو, ورغم الحصار الاقتصادي والسياسي والعسكري حيث لم يكونوا يملكون شيئاً, أثبتوا من خلال الثورة الديمقراطية في روج آفا أن أفكار الحق والحقيقة أكثر أهمية من مليارات الدولارات وهي أقوى من الجيوش والمدافع والدبابات. وقد لفتت مقاومة كوباني أنظار العالم أجمع, حيث تصدى المقاتلون الكرد بسلاحهم الخفيف والبسيط للمدافع والدبابات. فسر كوباني هو فكر الآبوجية. ليس ضرورياً أن يكون كل من يحارب في كوباني آبوجياً أو فهم فكر القائد آبو, ففكر القائد آبو كالزهرة التي تنبت وتخرج من الصخر. في كل مرحلة صعبة تتولد انطلاقات كبيرة, يقول القائد آبو: في المكان المظلم تكون أشعة النور شاسعة وقوية. ففي الوقت الذي احتلت فيه شنكال نتيجة الخيانة والإهمال وكانت النساء الكرد الإيزيديات تبعن في الأسواق من قبل داعش, ظهرت الرفيقة أيتان » آرين ميركان » وهي فتاة من عفرين كانت قد ذهبت إلى جبال كردستان وناضلت ضمن صفوف الكريلا, وعادت لتشارك في ثورة روج آفا, ووجهت رسالة إلى الأعداء مفادها: بإمكانكم بيع الفتيات اللواتي لم يتدربن على السلاح والفكر, لكنكم لا تستطيعون أن تمسوا الفتيات الآبوجيات فهن كالنار التي سوف تحرقكم وتحطمكم. فانتصار كوباني بدأ مع عملية الرفيقة آرين وليس بتحرير القرى و بعض الأماكن. ونحن نشاهد النتيجة السياسية لتلك العملية, فلأول مرة منذ عهد نابليون إلى يومنا الراهن تدخل شخصية بهويتها العسكرية إلى قصر الإليزيه, وهذه الشخصية هي الرفيقة نسرين التي استقبلت في قصر الإليزيه من قبل رئيس فرنسا كممثلة لوحدات حماية المرأة, وهذا ليس حباً للكرد بل لأنهم يريدون أن يجعلوا انتصار كوباني مصدر فخر لهم, لأن الشعب الفرنسي يسأل قادته ماذا فعلتم من أجل الصحفيين الذين قتلوا على يد داعش؟ فيجيبون نحن نستقبل الذين يحاربون داعش في قصر

الإليزيه. ويفتخرون بهذا. سابقاً كانوا يتوسلون إليهم ليقدموا السلاح لهم, لكن اليوم إذا كنت من رفاق آرين سوف يستقبلك رؤساء الدول والوزراء في قصر الإليزيه بكل فخر واحترام وتقدير. كل هذا هو انتصار لفكر الآبوجية, وبهذا تم إفشال المؤامرة على القائد آبو. القائد آبو بشر الشعب الكردي قبل أربع سنوات بأنه تم إفشال المؤامرة, لأن فكر وفلسفة القائد آبو انتشر في كل أجزاء كردستان. في الثمانينات والتسعينات كان يقال إن الجزء الأصغر من كردستان أي روج آفا سوف يتحرر بعد تحرير الجزء الأكبر أي باكور, وكان البعض يقول سنأخذ لواء الإسكندرونة من الأتراك ونبدله بروج آفا, والآن تم تحرير روج آفا دون أن يرى أحد أي بديل. لذلك نقول: بفكر القائد آبو بإمكاننا أن نستخرج العظمة من أصغر الأشياء, هذا هو سر فلسفة القائد آبو. والعلم أيضاً يثبت هذا, فالهدروجين من أخف المواد الكيميائية لكنه عندما ينفجر فإن الطاقة التي يخرجها تكون أقوى بأضعاف من طاقة اليورانيوم. وبهذا الفكر خرجت من بين صفوف المرأة الكردية زيلان وبيريتان و آرين. لذلك يجب أن نعيش مع هذا الفكر. والتنديد بالمؤامرة القذرة على القائد آبو يعني أن نعيش بفكره وأخلاقه ونبتعد عن أخلاق النظام والظالمين والشوفينيين التي فرضت على الإنسان والتي تقوم بإبعاد الإنسان عن إنسانيته وجوهره. ونفتح باب الحقيقة بالمفاتيح التي منحها لنا القائد آبو ونعيش بإرادتنا وحقيقتنا, فلا يحق لأحد أن يأخذها منا لأن الله منحنا حق العيش بأخلاقنا وإرادتنا ومبادئنا. عندما يكون شهداؤنا أمثال بيريتان وزيلان و آرين وقائدنا هو القائد آبو لا تستطيع أية قوة كسر إرادتنا وعزمنا. فالتنديد بالمؤامرة في روج آفا يكون بالسير وفق نهج وفلسفة القائد آبو للوصول إلى الانتصار الكبير وتحرير القائد. ولنثبت للعالم أنه لا يجب أن يكون أمثال القائد آبو في السجون, فالسجون للظالمين والجلادين وعلى هذا الأساس ننحني إجلالاً وإكراماً أمام جميع الشهداء الذين جعلوا أجسادهم أطواقاً من نار حول القائد آبو وجميع شهداء حركة حرية كردستان. ونؤكد على الحرية للقائد آبو.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق