حقيقة الحقيقة، حقيقة المؤامرة الدولية…

حقيقة الحقيقة، حقيقة المؤامرة الدولية...

زاخو شيار

حوّل القائد سجن إمرالي إلى مكان للعزلة والوحدة والزهد والاستبطان، تماماً مثلما فعل سيدنا محمد في غار حراء، ومثلما فعل آخرون لا داعي لذكرهم كونهم أشهر من نار على علم، في سبيل إنارة السبيل للبشرية جمعاء، معششين في ضميرها الحي وذاكرتها الاجتماعية الغائرة.

 

لطالما دارت الجدالات المحتدمة فيما يتعلق بجوهر الإنسان وحقيقة الكون وكيفية نشوئه، وفيما يخص الحياة الحقيقية وحقيقة الحياة ومعناها، وعلاقتها بالحرية والعدالة والمساواة. فمنهم من قال إن الحقيقة هي الظواهر الظاهرة للعيان، لا غير. ومنهم من قال إنها الحدسيات والأحاسيس الباطنية القوية، لأن كل ما هو موجود باسم الحياة مخفيّ في تلك الحدسيات التي لا يمكن الادعاء باستقلالها عن الكونَين الأصغر والأكبر. ومنهم من آمن بأنها الروح التي تسكن بدن الإنسان وتطوف في كافة كائنات الطبيعة الحية. ومنهم من دافع بقوة عن كونها العقل المفكر دون غيره من العوامل الأخرى.

فما هي الحقيقة التي شغلت بال الإنسان؟ كيف يمكن الوصول إليها؟ يبدو أن المقصود بالحقيقة هو أفضل أساليب الوصول إلى معنى الحياة. ويبدو أيضاً أن الأسلوب اصطلاحاً يعني الموقف السليم أو الطريق المختصر الذي يؤدي إلى الهدف. ولدى نبشنا في أغوار التاريخ نجد أن الأسلوب الأول الذي يواجهنا هو التناول الميثولوجي للحوادث والمفاهيم كطريقة للكشف عن الحقيقة لأنه يستند إلى مفهوم كونيّ. فالملاحم والأساطير والميثولوجيات المفعمة بالمقدسات، كانت ذهنيةَ الحياة الأساسية في العصور الأولى على وجه الخصوص. ويُعتبر التوجه من المفهوم الميثولوجي صوب المفهوم الديني الدوغمائي مرحلة انتقالية عظمى مرتبطة بسيطرة التحول المرتكز إلى الهرمية والطبقية داخل المجتمع على الميدان الذهني. ذلك أن علاقة المتسلط والمستغل تحتاج إلى قوالب محصنة عن المساءلة. أما سبب الحاجة للمواقف الدينية؛ فلأن الحراك بموجب كلام الرب المتفوق والمتعالي على الطبيعة والمجتمع كان يُعتبر هدف الحياة وسبيل الوصول إلى الحقيقة. في حين أن الفلسفة ومن ثم العلم قاما بعد ذلك بالبحث عن الحقيقة بشتى فروعهما ومدارسهما، ليظهر بعض الفلاسفة الذين لم يكونوا أقل شأناً من الأنبياء في تحمل المصاعب والمشقات في سبيل الذود عن الحقيقة التي توصلوا إليها، فكلفتهم حياتهم ثمناً لها.

ويتبين من مرافعات القائد آبو أن جميع الأساليب المجربة تحمل قسماً من الحقيقة، وأنه لأجل الوصول إلى حقيقة الحقيقة، لا بد من تناول الأمور بعين كلياتية متكاملة، دون اللجوء إلى الاختزالية والإسقاطية المَرَضية السائدة حالياً في كافة العلوم عموماً وفي علوم الاجتماع على وجه الخصوص. بمعنى آخر، وبما أن مجموع الأساليب المذكورة أعلاه يعبر عن جوهر الإنسان وكذلك عن المجتمع كطبيعة ثانية، فمن الأصح أن يشكل الإنسان والمجتمع وحدة الحقيقة الأولية التي يمكن الانطلاق منها في التوجه صوب الحقيقة، وذلك لِما يتميز به الإنسان من ذكاء عاطفي وتحليلي، ومن مشاعر جياشة وعقل حكيم، ومن ذرات مرتبة ومنسقة بأعلى درجات الإحكام والرقي، ومن طاقة كامنة هي الأرقى والأكثر مرونة من بين جميع الكائنات الحية الأخرى.

فالذكاء العاطفي كأقدم أنواع الذكاء، وظيفته هي الدفاع عن الذات وحماية الحياة بأفضل الأشكال، نظراً لروابطه الوطيدة معها. لكن تطور الذكاء التصوري المجرد، والذي يمكن تسميته أيضاً بالذكاء التحليلي، ورغم كونه تطوراً مذهلاً من حيث اختراع الأسماء والكلمات والجمل وترسيخها في الذهن؛ إلا أنه بالمقابل أدى إلى أوضاع خطيرة ومستجدات مروعة، نظراً لعمله بشكل منفصل عن العواطف، ولكفاءته في صياغة المخططات ونصب الفخاخ وحبك المؤامرات والدسائس. فيغدو بذلك بلوغ الهدف بالمكائد الممنهجة وبشتى أنواع الحيل سبباً رئيسياً وراء بروز واستفحال المشاكل داخل المجتمع وخارجه.

ونظرة خاطفة إلى التاريخ تشير إلى أن إسدال الستار عن الحقيقة أو السعي لكشف النقاب عنها لم يكن بالأمر السهل، بل كثيراً ما كلف ذلك المرء حياته ثمناً لها، ليشار له بالبنان بعد مرور قرون عديدة على قول كلمة الحق. وما آدم وإبراهيم الخليل وسيدنا محمد وموسى وعيسى وماني ومنصور الحلاج وسانت باول وبرونو سوى غيض من فيض من أمثلة الأنبياء والفلاسفة والعلماء المتعرضين لغضب آلهة النظام القائم في شتى العصور والأزمنة، بعد فشل تقييدهم بألف قيد وقيد إلى العجلات الدائرة في فلك النظام السائد، وعدم التمكن من صهرهم في بوتقته. من هنا كانت نظريات المؤامرة سلاحاً هاماً تم الإشهار به في وجه أولئك المتمردين على النظام القائم. فقد ركَّبَت نظريات المؤامرة منزلقاً نادراً، بحيث يصبح كل انتقاد لها وكل عمل على خرق آلية عملها وكل فكر قادر على دك دعائمها دليلاً على واقعية تطبيق المؤامرة قبل أن تتفشى ويصحو من تم إقحامه في فترة السبات الفكري والتنويم العقلي. وتتقاسم نظريات المؤامرة الحديثة جهاز المناعة هذا مع سلفها التاريخي الميثولوجي المسمى بعلم العفاريت، والذي كان يسود القرون الوسطى معتمداً على المبدأ المشهور: مسكونٌ بالشيطان كلُّ مَن أنكرَ وجود الشيطان.

ولعل آخر المتعرضين لغضب الآلهة هو معتقل الفكر والرأي، وأسير الحرية، القائد عبد الله أوجلان، الذي غضبت عليه آلهة الحداثة الرأسمالية لرفضه الخضوع لها أو الخنوع لأفكارها التي تسمم الذهن وتغسل الدماغ وتُخرِج الإنسان من إنسانيته بتجريده من شخصانيته وعواطفه الإنسانية أولاً، ومن مجتمعيته ثانياً. بل ولدكه دعائمها من الجذور من خلال فضحه لأمرها وإطلاقه صرخة الإنذار مشيراً إلى جلال الأمر وعظمة الخطر المحيط بالشعوب المظلومة. وهذا ما جعل المُنَظّرين المستحدثين لنظرية المؤامرة يناصبونه العداء الصارم منذ خطوه أولى خطواته على درب حل القضية الكردية، التي كانت متروكة في الوسط دون صاحب في بداية السبعينات من القرن العشرين، والتي كان يُشاع حينها أن كل مَن يلمَسها مسكون بالشيطان، وبالتالي فهو يستحق الرجم لتطهيره من الدنس الذي حل به، بل ويستحق إلحاق شتى أنواع التعذيب به ليكون عبرة لمن يعتبر!!!

على الرغم من انتهال القائد عبد الله أوجلان من أفكار الاشتراكية العلمية التي كانت في أوجها في بداية انطلاقته، إلا أنه كان غير راضٍ عن مسيرة الاشتراكية المشيدة والتطبيق الميداني لتلك الأفكار، باحثاً دوماً عن أسباب الخطأ والزيغ الجاري عملياً. أي أنه أولى قيمة كبرى لدراسة كافة أشكال النضال الاجتماعي والتحرري الوطني والديمقراطي الحاصلة في التاريخ أجمع، ولكنه لم يكن يستكين بتاتاً لأشكال مسيراتها العملية، مؤمناً بضرورة البحث عن مكان العطب والخلل الذي يجعل كل تلك النضالات تنتهي بنتائج مناقضة للأهداف التي انطلقت من أجلها وأراقت الدماء الغزيرة إكراماً لها. وهذا بالذات ما قض مضاجع الحكام الرأسماليين، فدبروا له المؤامرة تلو الأخرى، لتكون آخرتها وأشملها تلك المؤامرة الدولية المطبقة في الخامس عشر من شباط عام 1999، وذلك بعدما فشلت جميع المؤامرات الأخرى المطبقة بأشكال شتى وفي أزمنة مختلفة لا داعي لذكرها هنا لعلم الجميع بها.

نظراً لسيادة وجهة النظر القائلة بأن التاريخ عبارة عن تكرار فظ للحوادث والوقائع بسبب سيره على خط مستقيم، فقد كان أمل القوى الدولية أن يكرر التاريخ نفسه في حادثة اعتقال القائد العظيم عبد الله أوجلان أيضاً. وبناء على ذلك تم اختيار شهر شباط لتنفيذ هذه المؤامرة الشنيعة. ففي هذا الشهر كان قد تم الإقرار بإعدام الشيخ سعيد بعد إيقاعه في الفخ المنصوب له في بدايات القرن العشرين حصيلة مؤامرة دبرها له الإنكليز، لتأمين اقتتال الكرد والترك بعد تأسيس الجمهورية التركية، ضماناً لإبادة الكرد من جهة، ولعدم استتباب الاستقرار والأمن في تركيا من جهة ثانية، وبالتالي كي تبقى سرة تركيا مرتبطة بقوى الحداثة، أي خانعة لأوامرها، ومقدمة لها التنازلات المطلوبة لإطالة عمرها من جهة ثالثة.

لقد كانت هذه القوى الدولية الخبيرة في شؤون المكائد والدسائس والمؤامرات تعقد آمالها على أن يسلك القائد مقاومة فظة، مثلما حصل لدى العديد من الشخصيات الكردية والتركية، خاصة في التاريخ الحديث، وفي السجون التركية بشكل أخص. وبالتالي كانت صفحة القضية الكردية ستطوى إلى الأزل حيث كانت ستُطمر في قبر إسفلتي على حد تعبيرها، متحولة بذلك إلى خيال مخملي في ذاكرة أبناء الشعب الكردي. لكن القائد شتت كافة الحفظيات المألوفة، وبدد الآمال التصفوية المعقودة عليها، مشيراً بذلك وبشكل صارخ إلى أن مسار التاريخ المألوف ليس مجرد تكرار فظ للحوادث، بل إن القوى المتحكمة به تفرض فكرها وذهنيتها على حساب القوى الاجتماعية الديمقراطية التي بقيت بلا تاريخ مكتوب حتى الآن، قائلاً في هذا الصدد: «جميع التكوينات الاجتماعية هي ثمرة الذهنية. جميع الحوادث الهامة ومراحل التطور والبنى الموجودة في التاريخ ظهرت للوسط كثمرة من ثمار الإرادات والذهنيات المؤثرة». بالتالي، أثبت القائد APO أنه ليس بكردي كلاسيكي، بل أنه مكلف بمهام أقدس بكثير من التضحية بنفسه بشكل تقليدي لا يجدي نفعاً. ذلك أن إزالة القناع عن الوجوه المموهة، وإزالة الستائر التي تخفي الحوادث أهم بكثير من إبداء مقاومة فظة ربما تغدو حكاية بطولية ذات نهاية مأساوية في أحسن الأحوال. وقد أكد القائد مرات عديدة أنه ربما يكون لهكذا مقاومة أيضاً قيمتها، لكن تدوين نهاية سعيدة لصالح حرية الشعوب المضطهَدة والمسحوقة أهم بكثير من التحول إلى جزء من خيبة الأمل التي تترك أثرها على تاريخها المأساوي وقدرها المتكرر حتى الآن بشكل أو بآخر.

بمعنى آخر، كان القائد على قناعة تامة بأن الحقيقة، أو بالأحرى الحقائق، مستورة بألف قناع وقناع، ومحصنة بألف درع ودرع. وانطلاقاً من ذلك حول القائد سجن إمرالي إلى مكان للعزلة والوحدة والزهد والاستبطان، تماماً مثلما فعل سيدنا محمد في غار حراء، ومثلما فعل آخرون لا داعي لذكرهم كونهم أشهر من نار على علم، في سبيل إنارة السبيل للبشرية جمعاء، معششين في ضميرها الحي وذاكرتها الاجتماعية الغائرة. أجل، لقد اعتمد القائد على الأدلة الأثرية المكتشفة مؤخراً، إلى جانب اعتماده على الدلائل العلمية، والمذاهب الفلسفية والطرائق الدينية والملاحم الميثولوجية والأديان التوحيدية الكبرى، منتهلاً من كل واحدة منها بعضاً من الحقائق الخفية المستورة فيها، وجامعاً إياها في تركيبة جديدة مؤطرة بتحليلاته الخاصة به، بالغاً بذلك قمة تعمقه، وبالتالي صفائه الفكري والذهني أيديولوجياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وتاريخياً وعلى جميع الأصعدة الأخرى أيضاً، ليلحق الضربة القاضية بأعداء نهضة وتنور البشرية من قوى ظلامية رأسمالية متحكمة بالعالم عموماً ومهيمنة على منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص.

هكذا أفرغ القائد المؤامرة الدولية من فحواها، معتمداً في ذلك على تعمقه الفكري هذا، ومستمداً قوته أيضاً من الانتفاضات الشعبية المشرفة ومن المقاومات الباسلة التي أبداها كوادره الفدائيون على ذرا الجبال وفي كافة أجزاء كردستان وبلاد المهجر. بالتالي، فقد تحول القائد في سجن إمرالي المعزول إلى شعلة نور يقصدها كل المتخبطين في الظلمات الحالكة التي تسلطها الحداثة الرأسمالية عن طريق دعائمها الثلاث، أي الرأسمالية والدولتية القومية والصناعوية، والتي هي أشبه بالأحصنة الثلاثية العداءة لإقامة القيامة. وهذا ما جعل آفاق بحثه عن الحقيقة تتخطى إطارها الكردستاني والشرق أوسطي، لتصبح بالتالي عالمية بل ومعنية بالكون برمته، بحثاً عن سبيل للخروج من قضايا الحياة المُبعَدة عن قيم الحرية، والمُثقَلة بالأخطاء والضلال. وفي هذا الصدد قال القائد مشيراً إلى مدى جدية الأمر وخطره وعاجليته: «علينا ألا نفقد الأمل، وألا نخنق أنفسنا بذرفِ الدموع. ولكن، علينا البحث عن الحل. وإلا، هل كان بحثنا عن الحقيقة عملاً تافهاً أم فارغاً؟ أم أننا كنا نمر بعصرِ القوى الظلامية؟ أين، ومتى ارتُكِبَت الأخطاء الفادحة؟ أين، ومتى تشبثنا بالأفكار الدوغمائية الجامدة؟».

كان القائد على يقين تام بأنه وجهاً لوجه أمام قوى الحداثة الرأسمالية المتكاملة مع مقولة «السلطة حقيقة، والعِلم قوة»، وأن البشرية أمام عالَم يُطلَق فيه اصطلاح البحث عن الحقيقة على لعبة متجسدة في ثالوث رأس المال – العِلم – السياسة، والذي يمكن تسميته بالشركة، ليتحول كل بحث آخر عن الحقيقة خارج إطار هذه اللعبة إلى عدو للنظام القائم، فيجب القضاء عليه أو جذبه لأروقة النظام وصهره في بوتقته.

ورداً على هذا الواقع المصيري والحرج في آن معاً، فقد قام القائد بتوحيد الذكاءين العاطفي والتحليلي بشكل مثالي، متخذاً من الأخلاق الاجتماعية والسياسة المجتمعية مبدأً أولياً يرسخ عليه المجلدات الخمسة من مرافعته الأخيرة المعنونة باسم مانيفستو الحضارة الديمقراطية، والملتفة حول نظرية المجتمع الأيكولوجي والديمقراطي والتحرري الجنسوي، والمتمحورة أساساً حول قضية حرية المرأة. غير مكترث بتاتاً بنظريات المؤامرة المحاكة ضده، إيماناً منه بأن الحقيقة ماثلة للعَيان، وأن الرّمح لا يَسَعه الكيس. وفي هذا الأمر يقول القائد: «إنّ تقييم هذه المرحلة التاريخية بالغنية والخصيبة من حيث بروز الأساليب الجديدة المغايرة ونظريات الحقيقة المختلفة، يُزيد من فرصة إعادة بناء المجتمع على مستوى الجماعات. فتجسيد يوتوبيات الحرية والمساواة بشكل ملموس في البنى الاجتماعية المنشأة قد أصبح بمثابة مَهَمَّة عملية يومية تفرض نفسها بقوة. وما يلزم لذلك هو معرفة القيمة العلمية للطريق المسلوك، والتحلي بقوة إرادة الحرية. إننا نتحدث عن المرحلة التي يدنو فيها عشق الحقيقة من الحياة الحرة. ما نقصده باختصار: الحقيقة عشق، والعشق حياة حرة!».

وإذا كان العشق حياة حرة، وإذا كانت المرأة رمز الحياة الاجتماعية المفعمة بالحرية والمساواة والعدالة، مثلما يتبين بكل جلاء في المجتمع الطبيعي الذي سماه القائد بالمجتمع الأخلاقي والسياسي؛ فبإمكاننا استخلاص عبرة هامة تتمثل في أن ترسيخ الحقيقة يقع على عاتق المرأة الكردية كونها قوة ريادية وديناميكية مؤثرة بل ومعيّنة. فروابط المرأة مع الطبيعة، ورقي مستوى ذكائها العاطفي جعلاها تنخرط في تسيير النشاط الوطني التحرري دون تردد، ضاربة عرض الحائط بالعادات والتقاليد البالية التي تكبل فكرها وروحها. وهذا ما جعل المرأة الكردية ملتفة حول فكر القيادة من الصميم، مؤمنة بأن حريتها ستتحقق تماشياً مع مدى تعمقها في أيديولوجية حرية المرأة التي صاغها القائد APO، وتماشياً مع مدى ترسيخها لتنظيمها الخاص بها بطابعها هي وبلونها هي. هكذا حققت المرأة الكردية ثورة اجتماعية ضمن الثورة الوطنية، لتغدو مثالاً عصرياً حياً ونموذجياً لبنات جنسها من المتطلعات إلى الحرية، ومن الباحثات عن الحقائق المخفية المتعلقة بالمرأة. وبهذا الشكل ثبتت صحة مقولة القائد التي يشير فيها إلى أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن حرية المرأة. ويبدو أن المرأة الكردستانية تلمست هذه الحقيقة الدقيقة منذ البداية، فلم تحتمل الصدمة لدى سماعها نبأ المؤامرة، إيماناً منها من الصميم بأن أية ضربة تلحق بالقائد APO إنما هي ضربة موجهة إلى قلب المرأة وعقلها بالدرجة الأولى. ولهذا السبب بالذات أضرمت العديد من النساء النار في أنفسهن في كافة أجزاء كردستان مثلما فعل العديد من أبناء الشعب الكردي أيضاً.

إذن، والحال هذه، لا بد لنا من الوصول إلى المعرفة اللازمة، وإنشاء عالَمِنا الاجتماعي وإعداد القوى الريادية له، وبناء تنظيمنا المنيع في وجه سياسات الإبادة والتصفية المفروضة على الشعب الكردي على جميع المستويات. وهذا ما يقتضي اقتفاء أثر الحياة الحرة بعشق وهيام، سواءً من حيث الأسلوب، أو كنسق للحقيقة. وهذا ما يمر ببناء التنظيم والتحول إلى قوة تنظيمية على أرض الواقع، بحيث يحسب لها الجميع ألف حساب. بمعنى آخر، فإن هذا يتطلب الالتفات حول مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وبناء المجالس الشعبية أو ترسيخها في أماكن وجودها بدءاً من الحي إلى القرية إلى الضاحية إلى البلدة إلى المدينة إلى المحافظة… ودور المرأة الكردية في هذا السياق ريادي ومصيري. فبقيامنا بهذه النشاطات وبترسيخنا إياها سنبني حقيقتنا التي تخصنا نحن كشعب كردي عموماً، وكمرأة كردستانية بشكل خاص. فالحقيقة الدائمة والمعششة أمداً طويلاً، تلك التي ترى النور وتنتعش بفرصة تطبيقها ميدانياً بشكل قويم بما يخدم مصالح الشعوب العامة. وهي تقتضي الدفاع عنها وتبنيها وتجسيدها والالتفاف حولها كما تلتف الفراشة حول النور حتى تحترق بناره، وكما يتشبث العاشق بعشقه لدرجة الذوبان في ناره.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق