القائد آبو وعلماء الاجتماع

القائد آبو وعلماء الاجتماع

صلاح مسلم

بعد وصول نابليون إثر الثورة الفرنسيّة إلى الحكم اعتنق أوغست كونت آراء الجمهورية وحلم بوجود دولة مستقلة حرّة قويّة، وجاءت آراء كونت متّفقة مع أستاذه (سيمون) حول حلمهما بوجود دولة قوية تقوم على تنظيم الحياة الاجتماعية، ولقد دعا كلّ منهما إلى أهمية وجود علم مستقل مثل الفيزياء الطبيعية، يهتم بدراسة الحياة الاجتماعية، والعمل على اكتشاف القوانين الاجتماعية التي يمكن استخدامها في دراسة الظواهر والمشكلات والقضايا الواقعية، حيث رأى أنّ الظاهرة الاجتماعية تخضع لقوانين محدّدة وليس للرغبات أو المصادفات دور فيها، لأنه إذا كانت أي ظاهرة غير خاضعة للقوانين فإنه يستحيل فهمها بطريقة موضوعية، واعتبر الظواهر الاجتماعية ثابتة نسبياً، فهي لا تتغير ولا تتبدل بسرعة، والقوانين التي تتحكم في الظاهرة الاجتماعية موجودة ، لكنّها تحتاج إلى جهود العلماء في الكشف عنهـا .

فالمجتمع عند كونت تطور خلال ثلاث مراحل من المجتمع الخرافي – إلى التفكير الميتافيزيقي – إلى المجتمع المعاصر حيث بات التفكير فيه تفكيراً وضعيّاً أو علميّاً .

والعصر الوضعي عند كونت يبدأ بالثورة الفرنسية، وأهم ما يميز هذا العصر هو استقلال الفكر الإنساني وأخذه بالأساليب العلمية والبعد عن الخرافات، وهو يرى أنّ هذا المنهج يؤدي بالمجتمع إلى التقدم والتطور في كل الأنشطة والمجالات من صناعة وفن وعلم.

يُعدّ ماكس فيبر من روّاد الحداثة في  القرن التاسع عشر فهو الحداثيّ الذي حلّل ظاهرة الحداثة وكيفية نشوئها وتشكّلها وسيطرتها على المجتمعات الصناعيّة التي انفردت بها أوربا، فعقلنة العالم؛ أي دراسة العالم بشكل علمي موضوعي عقلاني، لا بشكل غيبي ميتافيزيقي خرافي، هو الهاجس الذي سيطر على فكر فيبر وأتباعه من الحداثيين، لقد أصرّ على فهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعيّ، ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة، وبالتالي اعتبر الفرد هو المدخل لنظرية علم الاجتماع، وبذلك لم يعتبر أنّ الجماعة هي طبيعة بحدّ ذاتها، والفرد لا معنى له خارج إطار الجماعة.

لقد اعتبر التنظيم الرأسمالي تنظيماً مثاليّاً وهو لا يتحقق في مجتمع يتسم أفراده بالكسل ويتمسكون بمعتقدات خرافية، ويتميزون بعدم الكفاءة، فلابد من توافر مجموعة من الظروف إلى جانب الخصائص السيكولوجية التي ذكرها، وهذه الظروف هي رأس مال عقلي وإدارة للعمل وامتلاك كلّ وسائل الإنتاج وتوفر وسيلة للإنتاج وشيوع قانون عقلي وازدياد العمل الحر وتسويق لمنتجات العمل.

لقد تبنّى ماركس نظريات هيغل الجدليّة، ورفض فرضيّاته الميتافيزيقيّة، وبالتالي كان تحت تأثير العلميّة منطلق عصر التنوير، وانطلقت نظريات علم الاجتماع الماركسيّة من الاقتصاد، واعتبرت الاقتصاد المحور في تفسير المجتمع عبر التاريخ، والحتميّة التاريخيّة، وافترض أنّ المجتمعات كلّها تتقدم خلال الصراع بين الطبقات الاجتماعية؛ صراع بين طبقة الملاك المتحكمين بالإنتاج و طبقة العمال الذين ينتجون السلع، واعتبر الرأسمالية دكتاتورية البورجوازية، التي رأى أنّها مسيّرة من قبل الطبقات الغنية لأجل مصلحتهم البحتة، وزعم أنّ المجتمع في ظل النظام الاشتراكي سوف يحكم من قبل الطبقة العاملة في ما سمّاه دكتاتورية البروليتاريا أو دولة العمال أو ديمقراطية العمال، وكان يعتقد أنّ الاشتراكية بدورها سوف تستبدل بمجتمع دون دولة ودون طبقية وهو الشيوعية، بالإضافة إلى إيمانه بحتمية الاشتراكية والشيوعية، نشط ماركس بالمحاربة لتطبيق الاشتراكية، زاعماً أنّ على العلماء النظريين الاجتماعيين والجماهير المعدمة تنفيذ عمل ثوري منظم للإطاحة بالرأسمالية والقيام بتغيير اقتصادي اجتماعيّ.

لقد كانت تفسيرات ماركس للمجتمع تنحصر في أنّه مادّة، ولا بدّ أن يمرّ أيّ مجتمع ما بمراحل تاريخيّة حتميّة، وبالتالي لم يخرج عن الإطار العلميّ في تفسير المجتمع، نافياً عنه كل الوسائل الأخرى للوصول إلى الحقيقة، واعتبر الرأسماليّة مجتمعاً مع أنّ البرجوازيين طبقة تقتات على المجتمع، ومن هنا كان نقد القائد آبو واضحاً لنظريّة ماركس التي كانت منهجاً لحزب العمال الكردستانيّ حتّى العقد الأخير من القرن الماضي، لكن بعد عمليّة التحوّل الديمقراطيّ في براديغما القائد آبو الذي اعتبر أنّ السلطة هي الداء المتجسّد في النخبة الفوقيّة الهرميّة التي سيطرت على المجتمع واستلبت التطوّرات المجتمعيّة ونسبتها إلى نفسها، من خلال الهيمنة السلطويّة الفكريّة الأيديولوجيّة التي اعتبرت الأيديولوجيا وسيلة للسيطرة على المجتمع وهندسته، كي تستطيع تلك الفئة المهيمنة استغلاله لتحقيق مآربها في النهب والاستغلال والاحتكار، ومن هنا بات من الضروريّ فهم المجتمع من خلال تفكيك السلطة. لقد كان لحركة ما بعد الحداثة والمدرسة الفرنكفورتيّة دور في تفكيك المجتمع وإن كان المدخل اللغة تارة والأدب تارة أخرى والتعليم والتربيّة والسلوك، حتّى بات تفكيك المجتمع المنفذ الوحيد لفهم هذه العلاقات، فأكسيل هونيث رأى أنّ الرأسماليّة المتوحّشة جعلت شروط تحقيق الذات نادرة وصعبة، ورأى أنّ مسألة تحقيق الذات في المجتمعات الحديثة صعبة جدّاً وخصوصاً مع انتشار أنظمة سياسيّة كالعولمة والرأسماليّة، لقد رأى أدورنو أنّ التحرّر من الأساطير لم يؤدّ إلى نتائج إيجابيّة، فقد تحوّل العقل إلى قوّة لا عقلانيّة تسيطر على الإنسان والطبيعة، وهذا التقدّم المنشود هو تقدّم نحو الجحيم، فالعقل يريد السيطرة على الطبيعة، وصار أداة للسيطرة على المجتمعات، فصارت الوضعيّة المنطقيّة ترى أنّه يجب على كلّ شيء أن يدخل دائرة العقل، حتّى يفسح المجال للعقل التحكّمي والشمولي، فليس المفروض هو التحكّم بالواقع وإنّما نقده حسب تعبير أدورنو.

لقد خصّص ألتوسير دراسة لما يسمّيها الأجهزة الأيديولوجيّة للدولة التي تعمل برأيه على إعادة إنتاج نفس نمط الإنتاج، وعلاقاته السائدة في المجتمع، ويقصد بها مؤسساتها التربويّة والتعليمية والثقافيّة التي تهدف إلى الحفاظ على الفوارق الطبقيّة، وإعادة نفس الطبقات، وكان فوكو يهدف إلى كشف تغلغل السلطة ونشاطها في اللغة، ورأى أنّ الجنون معرفة، وعالج مسألة المعرفة والسلطة بعد فرنسيس بيكون الذي رأى المعرفة سلطة، ورأى أن المعاهد الكبرى الخاصّة قد تأسّست للإنتاج المادّي وليس للإنتاج المعرفيّ، وبالتالي فغاية المعارف هي السلطة والسلطة هي الخطاب المعرفيّ للتأثير على المجتمع.

إنّ نظرة القائد آبو في هذا الصدد واضحة حيث يقول: (إنّ الانفتاحاتِ الفلسفيةَ للمُنَظِّرين الألمان، وعلمَ الاقتصادِ السياسيِّ للمُنَظِّرين الإنكليز، وعلومَ الاجتماعِ للفلاسفة الفرنسيين، والذين انكَبّوا جميعاً على تقديمِ البُنى المعرفية لِدُوَلِهم القومية؛ ليست سوى أدواتٌ لشرعنةِ أجهزةِ السلطةِ وتكديسِ رأسِ المال لديهم. وفي نهايةِ المآل، لَم تتخلصْ الفلسفةُ الألمانيةُ وعلمُ الاقتصادِ السياسيِّ وعلمُ الاجتماعِ الفرنسيّ من تشكيلِ الأرضيةِ لقومويةِ الدولةِ القومية المتصاعدة. وعموماً، يمكننا القول، وبكلِّ سهولة، أنّ تلك العلومَ الاجتماعيةَ الأوروبيةَ المركز هي بُنى معرفيةٌ للنظامِ الرأسماليِّ العالميِّ الأوروبيِّ المركز.) (شرح ضروريّ)

لطالما كان تقسيم المجتمع من قبل كارل ماركس واختزاله في (المجتمع العبوديّ، المجتمع الإقطاعيّ، المجتمع الرأسماليّ، المجتمع الاشتراكيّ..) انتهاكاً بحقّ المجتمع، بل هو اختزال للمجتمع في مفهوم الطبقة والاقتصاد من خلال نظرة النخبة والاحتكار والجشع النخبويّ أيضاً، فالمجتمع إن لم يعرّف من الناحية الأخلاقيّة والسياسيّة في آن معاً يعدّ ذلك انتقاصاً من حقّه، إنّ مقياس المجتمع يكون من خلال الأخلاق لا من خلال التراكم الربحيّ للطغمة الحاكمة التي سلبت المجتمع سياسته وحصرته في بوتقة السلطة والتحكّم فحسب.

إنّ النظريات العلميّة التي جعلت المجتمع حقل تجارب، ومزرعة يجب تخطيطها وهندستها من قبل الطليعة التي ألّهت العلم وجعلته المقياس الوحيد لتقييم المجتمعات، قد أفرغت المجتمع من صيرورته التاريخيّة والهندسة النابعة من القاعدة إلى أقصى الهرم، وهذه المعادلة هي التي لم يراعها علماء الاجتماع في تفسيرهم الفوقيّ من أعلى هرمهم وبرجهم العاجيّ الذي لم يبرحوه، ممّا أدّى بهم إلى أن يلتحفوا رداء الربّ العارف العليم المدرك، الذي يستطيع أن يحلّل المجتمع بعيداً عن إدراكه أنّه طبيعة ثانيّة، فالتنويريّ الاسكتلنديّ آدم سميث كان الرائد في مجال التركيز على الفردانيّة التي أنهكت المجتمعات في القرنين الأخيرين، وكذلك أوغست كونت وإميل دوركايم وماكس فيبر وغيرهم الذين ألّهوا العلم وجعلوه نبراسهم وربّهم الأعلى، وجعلوه المقياس لتحليل الأخلاق المجتمعيّة كما يحلّلون فأراً في مخبر ما، فالكونتية والهيغليّة والماركسيّة باتت أسيرة العلم والفكر والمادّة، وكانت حلولهم كلّها تكمن في الاقتصاد، فالاقتصاد وحده هو المفتاح التقييميّ للمجتمعات، ومقياس تقدّمهم حسب رأيه، فبالتالي خلقت الليبراليّة الأيديولوجيّة الرسميّة البديلة عن الدين، فتقديس الإله في السماء قد نزل إلى الأرض وصارت مفردات تقديس الفرد، وألفاظ تعظيم حرّيّة الفرد هي العبارات التي تمنطقت بها تلك الفلسفة التي استخدمت شعاراً بديلاً دون أن تعي مدى خطورته على تفكيك المجتمعات وانتهاك حرماتها.

بات العلم هو المقياس الوحيد لرفض ما لا يتناسب معه، فكلّ شيء صار علماً، حتّى الحاسّة السادسة يجب أن يعرف قانونها، حتى الروح، والعشق والتمسّك بالأرض، وحبّ الجماعة، وصارت مرادفة الغوغائيّة والديماغوجيّة تطلق على المجتمعات، فكلّ من لا يقيس ضوابطه الحياتية بالعلم ليس أخلاقيّاً، من هنا تشوّهت الأخلاق التي صارت تقاس وكأنّها مادّة مثلها مثل أيّ شيء، من هنا صار المجتمع شيئاً، والعلم هو الأخلاق.

لم تُجدِ صرخات نتشه الخفيفة نفعاً في تصوير هذه الحداثة الرأسماليّة على أنّها خطر سيدمّر المجتمع، فلم يلقَ صوته آذاناً صاغية لدى أولئك المندفعين إلى الحركة التنويريّة التي مهّدت للحداثة الرأسماليّة لتتغوّل وتصبح السبب الرئيس لأكبر جرائم التاريخ من حيث الحروب وتدمير البيئة والمشاكل السكّانيّة والمجتمعيّة التي وصلت إلى أسوأ حالاتها في هذا القرن الذي نعيشه، لكن تلك الأصوات وإن تعالت قبل عقود بسيطة من خلال المدرسة الفرنكفورتيّة وروّادها حيث أطلقت عليهم تسمية ما بعد الحداثة لم تلق آذاناً صاغية أيضاً، فأولئك الحداثيون الرأسماليون باتوا يمتلكون ترسانة إعلاميّة تستطيع أن تبرمج عقول الناس، وباتت الحداثة الرأسماليّة النظام المهيمن الذي يريد أن يغزو المعمورة برمّتها، لكنّه اصطدم بصخرة الشرق الأوسط التي لم تستسغ هذه العلمويّة البحتة كما استساغتها الذهنيّة الغربيّة منقطعة النسل عن الدين شرقيّ المنبت، فتخلّوا بسهولة عن الدين المسيحيّ.

من هنا نشأت نظرية القائد، القائد المطهّر المخلّص، لطالما كان الشرق الأوسط منبع الحضارات ومنبع الأفكار والإنسانيّة، ولذلك لم تهضم معدته هذا المسخ الوليد (الدولة القوميّة)؛ أحد أركان الحداثة الرأسماليّة الثلاثة؛ (الدولة القوميّة، الصناعويّة، الربح الأعظميّ) لقد كانت نظرية القائد الذي يستطيع أن يعيد إحياء الذاكرة الأخلاقيّة السياسيّة من خلال عمليّة إعادة تنظيم المجتمع لنفسه بنفسه، أي إعادة الروح الطبيعيّة للمجتمع لتستطيع تلك الروح إعادة الحياة إلى المجتمع وإعادة الهويّة لذاك المجتمع المسلوب من بناه التي أطّرتها الدولة حسب هواها، وصارت تهندسه من خلال النخبة، إنّ التنظيم يختلف عن الهندسة، فالهندسة تأتي من الأعلى إلى الأدنى باتجاه عموديّ، لكنّ تنظيم المجتمع لنفسه بنفسه يأتي أفقيّاً ويكون تلقائيّاً عفويّاً طبيعيّاً، وليس مخطّطاً تجريبيّاً مسبقاً، وإنّما إعادة الحياة إلى هذا المجتمع من خلال مأسسة البنى المجتمعيّة التي تتناسب مع المعاني المهراقة في الذاكرة الجمعيّة، فأولئك الأنارشيون أو الفوضويون أو مفكّرو ما بعد الحداثة لم يمتلكوا الثلاثيّة التي امتلكها القائد عبد الله أوجلان؛ ثلاثيّة (القائد، الأيديولوجيا، المبشّرون) هذا ما كان يفتقر إليه بوكين، والرشتانين، فوكو…. وغيرهم من الذين اقتربوا من الحقيقة. في هذا الصدد فحسب تكمن عظمة الشعب الكرديّ الذي لم يذق مرارة الدولة، لكنّه امتلك من الآلام ما لم تمتلكه شعوب الأرض. إنّ القائد آبو يمتلك القيادة والفكر والنظرة التكتيكيّة والاستراتيجيّة، وتحليل الماضي والحاضر والمستقبل، ورجل سياسة وأفضل من شرّح القضيّة المجتمعيّة العالقة في الشرق الأوسط ودور الكرد في إعادة إحياء الحداثة الديمقراطيّة كبديل عن الحداثة الرأسماليّة من خلال التركيبة التي تتألّف منها الحداثة الديمقراطيّة في تحديد الثلاثيّة المناهضة لثلاثيّة الحداثة الرأسماليّة كما أسلفنا (الدولة القوميّة، الصناعويّة، الربح الأعظميّ) ومقابلها ثلاثيّة الحداثة الديمقراطيّة (الأمّة الديمقراطيّة، الإيكولوجيا، الاقتصاد المجتمعيّ) وهو الرائد في تحليل شعوب الشرق الأوسط والبحث عن صلات القربى بينهم، وتحديد الأواصر والقاسم المشترك بينهم، ألا وهو الحداثة الديمقراطيّة النموذج الأمثل لإنقاذ الشعوب من حروب الاقتتال التي تخدم الطبقة ولا تخدم المجتمع بل تدمّره.

لا بدّ من الإشارة إلى أن التركيز على محور الانطلاقة الفكريّة التي ارتكز عليها القائد آبو في تحليل الحقيقة والبحث عنها في الاستناد إلى العقل المغيّب عن الساحة منذ استيلاء الذكر على الإدارة وتحويلها إلى سلطة، وبذلك ضعف العقل العاطفيّ، وصار تفسير الأمور كلها باتجاه واحد، أي على خطّ واحد، لذلك كانت تحليلات المجتمع كلّها تعتمد على الوضعيّة العلمويّة البحتة التي تعتمد على العقل والعلم والمنطق، ومنها بات زيف الحقيقة واضحاً، كمن يرى الحقيقة من منظار واحد، ومن هنا صار البعد الواحد في تقييم الأمور، وباتت الإنسانيّة أسيرة النزعة التحليلية، لكنّ القائد آبو استطاع أن يستعيد ذاكرته الممتدّة إلى عصر الأمومة وينشّط العقل العاطفيّ ويحكم على الأمور من تلك الزاوية، بحيث بات الذكاء التحليليّ يعتمد على سرد المفكّرين والفلاسفة والأنبياء ومقابلتهم بالذكاء العاطفيّ فبات الذكاء التحليليّ أطروحة والذكاء العاطفيّ أطروحة مضادّة لديه ليصل إلى التركيبة – الحلّ.

إنّ البحث الدؤوب عن أغوار هذه الحضارة الديمقراطيّة في موزوبوتاميا، تلك المنفية عن صفحات التاريخ التي دوّنتها الدولة لتمجّد بها أوابدها وكي تخلّد فيها سلطتها، كان العمل المنوط بأولئك المثقّفين الأتنلجسيين الذين أدركوا مسؤوليتهم تجاه هذا المجتمع وتلك التضحيات الجِسام التي صارت منبراً ونبراساً تهتدي الشعوب بهما، لتصل إلى حقيقتها، وتبني مؤسّساتها التي سلبتها إياها الدولة القوميّة الهجين لتنسبها إلى نفسها، وهذا ما تغافل عنه علماء الاجتماع في القرن التاسع عشر الذين سطّروا التاريخ ابتداء بالدولة، أي أن ما قبل الدولة صار ما قبل التاريخ، أي أنّ التاريخ يبتدئ بنهوض العقل التحليليّ ووأد العقل العاطفيّ، وبالتالي ألغوا تاريخ المرأة المقموع الذي وئد مع الدولة الذكريّة، وظهر العلماء الفرنسيّون والألمان؛ (أوغست كونت، إميل دوركايم، ماكس فيبر…) الذين تأثّروا بخطّ ديكارت العلميّ الأحاديّ الذي يرى الأمور من نظرة أحاديّة الجانب تتمثّل في العلم فحسب، فنشأت العلمويّة التي قدّست العلم، وجعلته إلهاً، وصار مقياس المجتمع يعتمد على أدوات العلم ( المنطق، الملاحظة، الاستنتاج، التجريب، الاستقراء…) نافين كلّ ما يمتّ إلى الأخلاق المتجسّدة في الميثولوجيا والدين والميتافيزيقيا، وبالتالي صار المجتمع يُدرس من خلال الأفراد، أي أنّك تستطيع تحليل ظاهرة اجتماعيّة ما من خلال أخذ عيّنات من المجتمع، أو أفراد منفصلين، وبالتالي ظهرت النظريّات الفرديّة، لتصوّر الإنسان المثاليّ الساعي نحو الكمال، وبات المجتمع يقسّم إلى (ناجحين وفاشلين) (أذكياء وأغبياء) (متقدّمين ومتخلّفين) (أصحّاء ومرضى)… أي صارت هناك فئة مثاليّة من المجتمع تستطيع أن تطلق عليها الفئة الفعّالة والقادرة على قيادة المجتمع، وفئة قطيع لا تعي ماذا تفعل؟ بل هي عالة على المجتمع، أو عليها أن تطيع فحسب، هي الفئة الغوغاء التي وصفها غوستاف لوبون في كتابة سيكولوجية الجماهير ورأى أنّ المجتمعات مجنونة بطبيعتها، فالجماهير في نظره غير ميّالة للتأمل وغير مؤّهلة للمحاكمة العقليّة، حتّى وصل الأمر بمالتوس الإنكليزيّ أن ألقى اللوم على الطبيعة ورأى أنّ الحروب والمجاعات والأوبئة والأمراض هي موانع إيجابيّة لإعادة التوازن بين نموّ السكان ونمو الموارد الغذائيّة، وظلّت هذه النظرة الاقتصاديّة التي تتحكّم بالرأسماليّة العالميّة التي لم تتخلّص من المالتوسيّة إلّا بعد أن صارت زيادة السكّان مرتبطة بزيادة الاستهلاك وزيادة العمال وبالتالي إلى زيادة البطالة كي يستطيع الرأسماليّ التحكّم بالعمال وأجورهم.

بعد أربعة قرون من وفاة ميكافيلي انتشرت أفكاره حول المجتمع والسلطة والدولة، والذي طرح فكرة أنّ كلّ ما هو مفيد ضروري، وبالتاليّ صارت النفعيّة والواقعيّة السياسيّة السمة الظاهرة للعصر، أي للقرن العشرين، وهذا ما تبدّى في الحربين العالميتين الأولى والثانيّة التي تأثّرت بالمالتوسيّة والميكافيليّة ضمن بوتقة هيغل الذيّ مجّد الدولة القوميّة، معتبراً إيّاها النهاية، هيغل ذاك الذي مجّد الفكر والعقل واعتبر أنّ كلّ ما هو منطقيّ فهو عقليّ وما هو عقليّ فهو منطقيّ، واعتبر أنّ الحقيقة في الفلسفة تعني تقاطع النظرية مع الواقع الخارجيّ، وعلى الرغم من أنّه مثاليّ على عكس ماركس المادّي الذي يرى أن المادة قبل الوعي عكس هيغل، إلّا أنّ الهيغليّة والماركسيّة وكلّ ما سبقتهما من فلسفات درست المجتمع لم تخرج عن إطار العلم ولا سبيل سواه للوصول إلى الحقيقة.

لقد بحث القائد عن براديغما للوصول إلى الحقيقة؛ (المرأة، المجتمع، الثقافة) من خلال الاعتماد على (الميتافيزيقيا والميثولوجيا والدين والفلسفة والعلم) فقد أكّد على أنّه ليس بمقاييس العلم وحدها نصل إلى الحقيقة، وهناك كلياتيّة متكاملة في كافة المجالات والقضايا المناقشة فلا يمكن دراسة كلّ صنف على حدا، فلا يمكن دراسة المجتمع وتطويره إذا لم تدرسه من النواحي كلها العلميّة والفلسفيّة والميتافيزيقيّة والميثولوجيّة والدينيّة، وكلّ ذلك غير كاف لتقدّم المجتمع دون تقدّم المرأة أي من خلال إعادة الحياة للمرأة من خلال نيل حرّيتها واستعادة دورها الطبيعيّ، وبالتالي كانت الجينولوجيا هي العلم المكمّل للسيسيولوجيا.

لقد كان تقسيم القائد آبو الطبيعة إلى طبيعة أولى؛ (الكون) طبيعة ثانية؛ (المجتمع) طبيعة ثالثة؛ (الرأسماليّة) تقسيماً يعتمد على التحليل الأكثر دقّة، حيث اعتبر الكون طبيعة أولى تمتلك قانوناً أخلاقيّاً كوانتميّاً فيه من الذكاء اللامحدود يمكن أن يطلق عليه الذكاء الكونيّ.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق