الوثيقة السياسية لسورية المستقبل

الوثيقة السياسية لسورية المستقبل

على الرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمتها جميع الشعوب والمكونات في سورية ومرور ستة أعوام على الأزمة السورية، إلا أن الوضع لم يتغير نحو الأفضل، بل على العكس تماماً نرى بأن الأزمة الموجودة باتت كمرض السرطان يتوسع ويتعمق بشكل أكبر.  وهذا ما يؤكد أن الأزمة الموجودة هي أزمة بنيوية وكي يتم تجاوزها هناك حاجة إلى حلول جذرية شاملة. وبما أن الأساليب والأطروحات التي استخدمت حتى الآن لم تأتِ بحل فمن الأصح إعادة النظر فيها واللجوء إلى طرق بناءة جديدة.

خلال المرحلة  الماضية تم الإدراك جيداً أن  الحرب الاستنزافية المفروضة على الشعب السوري لا تخدم أي مكون في سورية بغض النظر عن هويته القومية والدينية والثقافية. لأنها ظهرت نتيجة رفض النظام للتغيير الديمقراطي وإصراره على نظام الحزب الواحد، ومن أجل أن ننهي المأساة السورية نحن بحاجة إلى تغيير جذري عن طريق تأسيس نظام ديمقراطي يضمن حقوق كل الأفراد والمكونات في المجتمع السوري. هذا وأكدت لنا هذه السنوات بأننا كسوريين لا خيار أمامنا سوى الحل الديمقراطي. و إذا ما أصر النظام الحاكم أو أي فصيل أو تيار سياسي على حلول ترميم الدولة القومية أو فرض هويته فإنه لا محال سيخدم تقسيم وتمزيق سورية. لأن الوحدة المعتمدة على دستور ديمقراطي والحرية والمساواة هي التي يمكن أن تحمي وحدة الأرض السورية وتقوي نسيجها الاجتماعي، في حين أن الوحدة القسرية التي تعتمد على التعصب القومي، الديني والمذهبي ستؤول بسورية إلى الانهيار.

انطلاقاً من هذه الحقيقة وإذا ما تم تقييم خاصية المجتمع السوري من حيث التنوع الثقافي، القومي والاجتماعي فمن الواضح أن النظام الفيدرالي الديمقراطي  الذي يعتمد على منظور الأمة الديمقراطية  غير المبني على لغة واحدة، إثنية واحدة  ودين واحد هو أنسب نظام يمكن أن يجمع ويوحد السوريين تحت سقفه.  في حين أن العمل على إعادة إحياء الدولة القومية والإصرار على استمرارها أو إعادة إنتاجها لن يؤدي  سوى  إلى تمزيق وتشتت أكثر لنسيج مجتمعاتنا.

ثمة توافق ضمن  كافة الجهات السياسية الديمقراطية بشأن  أهمية التحول الديمقراطي في سورية. ما ينقص هنا هو جعل هذه الرغبة إرادة حية ومكشوفة. والدستور الديمقراطي هو يقين هذا الواقع وحقيقته، والتعبير الجوهري عنه. وإننا كقوى مشاركة في المجلس التأسيسي للفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية نرى بأن الخروج من الأزمة يمكن أن يتم عن طريق إعادة بناء هيكلية الجمهورية تأسيساً على الدستور الديمقراطي. وقد سعينا للحوار مع كل القوى السياسية السورية لكي نقوم بحل قضايانا ونرسم معالم مستقبلنا بأنفسنا، إلا أنه تم استبعادنا و إقصاؤنا من معظم الاجتماعات التي عقدت حتى الآن. ونريد أن نؤكد بأننا منذ البداية وحتى الآن تحركنا بأجندات وطنية ديمقراطية، إيماناً منا بأننا كسوريين نمتلك القوة والمقدرة التي تمكننا من حل مشاكلنا. إلا أننا، وللأسف الشديد، لم نر إرادة سياسية نخاطبها ونتحاور معها، سواء من قبل النظام أو من قبل المعارضة الداخلية أو الخارجية. فعلى الرغم من عدم تقديمهم لأي مشروع حل إلا أنهم لم يقبلوا بالخيارات المقدمة من قبلنا أيضاً مما زاد من العقم والانسداد. لذلك فلا خيار أمامنا سوى أن ننظم المناطق التي تم تحريرها من القوى الإرهابية وفق نظام ديمقراطي لنتمكن من حماية مناطقنا من كل أنواع المخاطر. كما نهدف بذلك إلى خلق بديل، بحيث تتحول مناطق شمال سورية إلى نموذج للحل. هذا ومن الضرورة القول إن الفيدرالية الديمقراطية الذي نريد تطبيقها، وبالتكامل مع الفيدراليات التي نرى أنه من الضروري إنشاؤها في المستقبل، هي جزء لا يتجزأ من سورية الفيدرالية الديمقراطية. وبما أن الظروف الموضوعية والذاتية  غير مواتية من أجل تأسيس دستور ديمقراطي لكل سوريا في الوقت الراهن  فإننا في المناطق المحررة سنقوم بتنظيم حياتنا وفق هذا العقد الاجتماعي المتفق عليه من قبل كل المكونات التي تعيش ضمن جغرافية شمال سورية إلى أن يتم الاتفاق على دستور ديمقراطي يضمن حقوق كل السوريين. من هذا المنطلق نرى بأن المبادئ الأساسية التي يجب أن ترسم الإطار المعني بماهية الدستور الديمقراطي السوري هي بهذا المضمون:

أولاً: مبدأ الأمة الديمقراطية:

الأمة الديمقراطية هي الأمة المتألفة من الأفراد الذين يتشاطرون حقوقهم وواجباتهم ويمارسون حرياتهم الرئيسية بالتساوي، بقدر ما تتألف من شتى أنواع الثقافات والأديان والأثنيات، والمستندة بالتالي  إلى دعامة وحدة الحقوق  الفردية والجماعية.

ثانياً: مبدأ الوطن المشترك:

واضح جداً بأننا كسوريين بحاجة إلى  مفهوم جديد بصدد الوطن المشترك. أي أن مفهوم الوطن الذي لا ينتسب إلى أثنية ذات لغة واحدة، ولا إلى دين واحد، بل يتألف من مواطنين متعددي اللغات والقوميات والأديان، هو الأكثر واقعية. بالتالي هذا المفهوم يمكن أن  يلبي متطلبات التكامل والتآخي أكثر ويحييهما ويرسخ من وحدة الأرض والمجتمع السوري بشكل أكثر. بينما الوطن الذي يزود بمشاعر الانتماء إلى أثنية واحدة فقط ويقصي القسم الأكبر من المواطنين ويجعلهم مجرد « آخرين» هو المفهوم الذي يثير التكتل ويؤدي الدور التقسيمي والانفصالي بالأصل. جلي تماماً أن مفهوم المواطنين المتشكلين على  نمط  واحد ينبع من الفاشية. فالتباين يعبر عن غنى الحياة في الطبيعة والمجتمع على حد سواء. من هنا، الأصح هو التحلي بالروح الوطنية  بناء على الارتباط بالأرض والأيكولوجيا والتقدم، و ليس كشوفينية وعرقية.

ثالثاً: مبدأ الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية:

إن تفسير الجمهورية كدولة قومية باعتبارها نظام دولة إنما هو عامل مؤثر في الإقصاء، نظراً لكونه الشكل الصارم لها، فمن المحال أن تكون دولة ما قومية وفي الوقت نفسه ديمقراطية. بينما النظام الأمثل بالنسبة للجمهورية هو الدولة الديمقراطية وهي الدولة المنفتحة على النظام الديمقراطي. في حين تقوم الدولة  القومية بالقضاء على الخصائص الديمقراطية للمجتمعات مثلما حصل في الفترة الماضية.

في الحقيقة إذا ما تم إسقاط التنوع الثقافي على الواقع السياسي في سورية سنرى بأن مبدأ الحل الديمقراطي ينسجم مع نموذج الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية السورية. المهم هنا هو تشييد الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية السورية كنظام سقفي جامع لكل الفيدراليات.  هذا وعدم أدلجة شكل النظام والدولة وعدم ربطها بأثنية أو دين معين يعتبر أمراً مهماً من أجل حل القضايا المتأزمة في سورية. لذلك سيكون من الأنسب القيام بصياغة تعريف حقوقي للجمهورية الفيدرالية الديمقراطية السورية بوصفها نظاماً قانونياً ديمقراطياً بالنسبة لكافة المواطنين. وبذلك يكون قد تم احتواء جوهر مبدأ الأمة الديمقراطية ومبدأ العلمانية ضمن التعريف أعلاه. من هذا المنطلق فالتعبير عن الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية السورية دون إرفاق مصطلح أثني أو عرقي أو ديني سيكون شاملاً ومتكاملاً بشكل أكثر.

رابعاً : مبدأ الدستور الديمقراطي:

من أجل تكريس مبادئ الديمقراطية  يجب الارتكاز إلى دستور يُسن بتوافق اجتماعي وتمثيل حقيقي وصحيح لجميع المكونات بحيث نتمكن من بلوغ نظام إداري راسخ لتتمكن جميع المكونات من حماية حقوقها بشكل دائم ويفتح المجال أمام المؤسسات المجتمعية والشرائح الاجتماعية لتنظيم وتطوير ذاتها وأخذ دورها الطبيعي في المجتمع وفي مقدمتها المرأة والشبيبة. هذا ويعد الدستور الديمقراطي أداة لا بد منها في سبيل الإبقاء على الدولة كعامل يؤمن الحل بوصفها ميداناً من زخم الخبرات والتخصص، لا كمؤسسة مولدة للمشاكل المثقلة من وطأتها باستمرار. الدستور الديمقراطي هو الضامن الذي يوحد بين الفيدراليات ضمن الوطن المشترك.

خامساً: مبدأ الدفاع الذاتي:

تأتي قضية الدفاع الذاتي في مقدمة القضايا التي نعيشها كشعوب وكهويات اجتماعية وثقافية  في سورية. وتبين تاريخياً أن الحياة المجردة  من الدفاع الذاتي تنتهي بالمآسي للمجتمعات سواء من الناحية الاجتماعية أو حتى تعرضها لكل أنواع الإبادة. لذلك يعتبر ضمان  الدفاع الذاتي من أجل المجتمعات والأفراد في كل منطقة من سورية أمراً لا بد منه ، هذا بالإضافة إلى أن  ترسيخ نظام كاف من الدفاع الذاتي ضرورة حتمية من أجل حياة حرة متساوية وعادلة.

سادساً: مبدأ حرية المرأة:

تعتبر قضية تحرر المرأة من أهم القضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا في سورية. وأحد الأسباب الأساسية للتخلف الذي يعيشه مجتمعنا هو تهميش وإقصاء دور المرأة في عملية البناء المجتمعي وتحويل المرأة إلى عنصر من الدرجة الثالثة أو الرابعة. ومن أجل القضاء على الممارسات اللاديمقراطية وغير العادلة التي تتعرض لها المرأة هناك حاجة إلى مواد دستورية تضمن مساواة المرأة والرجل في جميع مجالات الحياة. لذلك فالمشاركة الفعالة للمرأة في عملية صياغة الدستور الجديد في سورية  تعتبر من الأمور الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

سابعاً: مبدأ الاقتصاد:

يجب أن يتم العمل على ترسيخ سياسة اقتصادية تحقق حماية المجتمع والبيئة في وجه التأثيرات الاحتكارية والتدميرية القصوى الناجمة عن سياسة الاحتكار المسيطرة على الاقتصاد. لذلك هناك حاجة كبيرة لسياسة اقتصادية تغطي احتياجات المجتمع وتحقق التوزيع العادل للثروات التي نملكها كسوريين. بحيث يتم إغلاق الطريق أمام النهب الاحتكاري المتسلط على السوق. هذا ويجب أن يتم القضاء على ظاهرة البطالة التي تحولت إلى حالة متفشية في مجتمعاتنا. بحيث يتم تأمين العمل لكل فرد في سورية بغض النظر عن هويته الجنسية أو الاثنية أو الدينية.

ثامناً: مبدأ اللغة والثقافة: تعتبر ممارسة كل شعب للغته و ثقافته في المجال التعليمي والفني والعلمي  والديني من الحقوق الأساسية للإنسان، لذلك يعتبر ضمان التعليم باللغة الأم في الدستور الجديد من أجل (الكرد، العرب، السريان الآشور، الأرمن، التركمان ، الشركس، الجاجان) أمراً لا بد منه. وهذا سيقوي من النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات السورية وسيفتح الطريق أمام وحدة طوعية بين جميع  المكونات.

 

انطلاقاً مما تم ذكره في الأعلى فإننا كمجلس تأسيسي لفيدرالية شمال سورية سنعمل كل ما في وسعنا من أجل تطوير حل ديمقراطي يشمل كل سورية. ونؤكد للرأي العام السوري بأننا مستعدون للتفاوض و الحوار مع كل القوى السورية من أجل تحقيق نظام ديمقراطي يضمن السلام والاستقرار لكل السوريين.

المجلس التأسيسي للفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا

29-12-2016

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق