مقتطفات من حياة ثائر في مسيرة الحرية

مقتطفات من حياة ثائر في مسيرة الحرية

المسير لخطو خطوة جديدة

عام 1996 أتت مجموعة من ساحة القيادة إلى إيالتنا، وكان من ضمن المجموعة الرفيق هبون القصير من أركاني فهو كان قد ناضل سابقاً في المنطقة الرابعة ويعرف تفاصيل المنطقة بشكل دقيق، وعند مجيئه تم فرزه إلى تلك المنطقة، كنا ننتظر أن يشرف كقائد على المنطقة، ولكن الرفاق فكروا بشكل آخر، حيث تم تعيينه مسؤولا ًعن المجموعة، لأنه في السنة الماضية كان قد ذهب من الخط نفسه وعاد ثانيةً. ومع مجيء شهر آب تم تحضير مجموعة للذهاب إلى المنطقة نفسها، وسوف تسلك المسار نفسه الذي سلكناه العام المنصرم، صرح الرفاق بأن أفراد المجموعة التي ذهبت العام الماضي باستثناء الرفيق روجهات سوف يأخذون أماكنهم في المجموعة الجديدة أيضاً، وقالوا بأن المهمة في هذه المرة هي المرور من إيالة كوناي باتي، ومنها الذهاب إلى مهمة أخرى، وهي الوصول إلى جبل أرجيس. وفي غضون يومين تم تشكيل مجموعة تألفت من اثني عشر رفيقاً، كان الرفيق هبون يقود المجموعة ومساعده كان سرهلدان هذا الأخير لاذ بالفرار بعد ذلك، أنا والرفيق حمزة ذهبنا بمهمة قادة المجموعة. وكان من ضمن المجموعة بهزاد قولب، هبون ليجا، دلوفان أرغاني، وشادي وكذلك كان هناك هبون ملاطيا الذي لاذ بالفرار أيضاً، كنت قد ذهبت مع الرفيق زندان إلى بيتهم الواقع في جوار كورجي.

بعد أن أصبحت المجموعة المؤلفة من اثني عشر رفيقاً جاهزة في غضون يومين بدأنا بالمسير، سلكنا الطريق ذاته حتى وصلنا إلى سيفرجا، وبدون أية إشكالية تذكر، ولكن أينما ذهبنا كانت تظهر مشكلة التموين مثل سابقتها، لقد قمنا بإخراج بعض العسل من صناديق العسل التي رأيناها في البساتين في إحدى القرى التابعة لناحية ألف بابا، ولهذا فقد كان التموين الموجود لدينا هو ذلك العسل فقط. بقينا حوالي يومين في محيط تلك المنطقة لأن الرفيق هبون أراد معرفة الجغرافيا هناك بشكل جيد.

كان علينا الرحيل عن المنطقة بعد بقائنا لمدة يومين متتاليين فيها، ولكن قبل ذلك توجب علينا حل مشكلة نقص التموين لدينا، لهذا كنا مجبرين على الذهاب إلى نفس البساتين لجلب العسل. كلفنا الرفيق بهزاد بتلك المهمة، أردنا في هذه المرة جلب كمية جيدة من العسل لكي تسد حاجتنا من الطعام لعدة أيام، وصلنا إلى مكان قريب من البستان وأرسلنا الرفيق بهزاد إلى البستان ومكثنا نحن في أسفل الجدار المحيط بالبستان.

الرفيق بهزاد كان قد ذهب في المرة السابقة أيضاً لجلب العسل، وعندما جلب العسل من البستان، ترك بعضاً من النقود مكان صندوق العسل، لهذا بعدما وجد صاحب العسل بأن أحداً ما قد أخذ العسل وترك النقود مكانه أصبح يتلهف لمعرفة ذلك الشخص، ولهذا أخذ بحراسة العسل لعدة أيام ليتعرف على الشخص الذي فعل ذلك. ولهذا عندما دخل الرفيق بهزاد إلى البستان وبينما مد يده إلى أحد صناديق العسل قام صاحب العسل بوضع سبطانة سلاح الصيد في رأسه، وأمره ألا يتحرك من مكانه…

عندما تأخر الرفيق بهزاد انتابنا الخوف، ولكي نعلم ما حصل له دخلت إلى البستان، وبما أن القمر كان بدراً ويضيء كل المكان، فقد كان بمقدوري رؤية كل شيء بوضوح تام. عندما دخلت إلى البستان لاحظت من بعيد شخصين واقفين بجانب صناديق العسل، فكرت قائلاً لنفسي بأن الرفيق بهزاد كان قد ذهب وحده من عندنا، وعندما دنوت منهما أكثر شاهدت شخصاً باللباس المدني يضع السلاح برأس الرفيق بهزاد، اقتربت ببطء من الخلف ووضعت السلاح برأس الرجل وطلبت منه الاستسلام، تجمد الرجل في مكانه، وقتها تولدت لدي مخاوف بأن يقوم الرجل بإطلاق النار على الرفيق بهزاد من شدة خوفه وهيجانه، ولهذا قلت له بأن يرفع سبطانة سلاحه إلى الأعلى، ولم أهمل ذلك، كان الرجل يرتعش من الخوف، كنا سابقاً قد أخذنا عسل الرجل وتركنا النقود في مكانه، أجلسنا الرجل وأخذنا نتناقش معه، الرفاق الباقون خارج البستان ومن بينهم الرفيق هبون هم أيضاً دخلوا إلى البستان، كان الرجل يرغب بمعرفة الذين أخذوا العسل ووضعوا مكانه النقود، لهذا بدأ بحراسة العسل لعدة أيام كما يدعي، كان يريد معرفة الأشخاص الذين فعلوا ذلك في هذا العصر، ومن هم، يريد معرفتهم قالها من دون أن ينسى ذلك. جلسنا بجانبه وأصبحنا نعرفه بأنفسنا ، تأثر الرجل كثيراً بتقرباتنا وعندما تحدثنا عن أنفسنا تأثر بشكل أكبر، وقتها فكرت، وقلت إذا لم يكن هذا الرجل سيئاً نستطيع الاستفادة منه لأن كسب علاقة واحدة هناك له أهمية كبيرة بالنسبة للمنطقة لهذا أردنا أن نجربه، قلنا له توجد لدينا مشكلة في التموين لهذا اضطررنا لأخذ العسل، وقلنا له هل تستطيع الذهاب إلى أقرب قرية لتجلب لنا بعض المواد التموينية من عند البقال؟ وقمنا بإعطائه لائحة بالاحتياجات وعندما جاء الوقت لنحدد له الساعة تحدث قائلاً: إذا لم أرجع في غضون ساعتين هذا يعني أنني أدبر لكم مؤامرة، ولهذا عليكم اتخاذ التدابير اللازمة، قال ذلك ليثبت مدى صدقه.

عاد الرجل إلينا بعد ساعة، وقد جلب لنا القسم الأكبر من الحاجيات التي طلبناها، وقبل أن نودعه شكرناه وقلنا له بتقربك هذا قد أديت خدمة للثورة وللشعب الكردي، وبدأنا نصافحه ونودعه وأكملنا المسير، منذ أن بدأنا بالمسير نحن الآن في يومنا الخامس، المهام والوظائف التي سنقوم بتنفيذها واضحة ودقيقة، كم ستستغرق هذه المسيرة لا أحد منا يعلم، أين ومتى ستنتهي لم نكن نعلم ذلك أيضاً. كم سنستغرق من الوقت لتنفيذ مهامنا لم يكن هذا معلوماً أيضاً، ولكن في ظل كافة الظروف والشروط وعلى الرغم من كل شيء كنا نريد تنفيذ مهامنا خلال أقصر مدة ممكنة، طبعاً إن لم نصادف في طريقنا أي عائق مثل الشهادة، وإذا لم يواجهنا العدو بسوء طالع.

أكملنا المسير بدون أن نتوقف في تلك الليلة حتى الصباح، وبدأت الشمس تشرق على المنطقة، قمنا بإخفاء أنفسنا طيلة النهار وعند حلول المساء بدأنا بالتحرك مرة ثانية. كنا نحتاج إلى دخول  إحدى القرى وذلك لتأمين قسم من التموين، وبما أنه لم يكن بوسعنا الدخول إلى القرى بسهولة، فقد كنا نستهدف الدخول إلى القرى الصغيرة، والسبب هو سهولة وضع القرية تحت الرقابة وملاحظة أي طارئ قد يحدث بسرعة، وبعد السير قليلاً صادفنا إحدى القرى، ودخلنا القرية بسرية تامة، ولدخول أحد البيوت المتواجدة خلف القرية كان علينا الابتعاد كثيراً بسبب ضوء الإنارة في القرية، لهذا ذهبنا إلى نهاية القرية، وطرقنا على باب أحد البيوت. وإذا بامرأة عجوز تفتح لنا الباب وترحب بنا بحرارة كبيرة، طلبت منا الدخول إلى البيت وبعد دخولنا وجدنا شاباً يسكن مع العجوز، جلسنا وبعد شرب الشاي قمنا بالنقاش معهما كنا نحسب أنها تنظر إلينا كضيوف الرحمن ولكن بعد جلوسنا كانت قد أخبرت العدو بمجيئنا، ولكن لم يكن لنا علم بذلك.

أخذنا بعض الحاجيات من البيت وأكملنا مسيرتنا، كانت السيارات المارة تسير باتجاه الشرق، سرنا قليلاً بعدها لاحظنا أمامنا رتلاً من سيارات العدو، قلنا في أنفسنا هل جاءت لأجلنا، ولكننا فكرنا بأننا نأتي من الجهة الغربية وسيارات العدو تتجه نحو الجهة الشرقية، في هذه الأثناء لاحظنا تحركات العدو من خلال أجهزة اللاسلكي، وفجأة خرج رتل من السيارات قادماً من الجهة الشرقية ومتجهاً صوبنا، فكرنا بالعائلة التي استقبلتنا بحفاوة وأكرمتنا كضيوف الرحمن بأنها هي التي أخبرت العدو بوجودنا، لأن التمشيط بدأ مباشرة بعد خروجنا، وهكذا علم العدو بوجودنا في المنطقة، طريقنا ومعابرنا التي كنا نسير فيها باتت معلومة. انفتاح منطقة بالنسبة للكريلا بعد سنين بقدر أهميتها بالنسبة لنا تشكل خطراً بالنسبة للعدو، ولهذا بدأ العدو يتتبعنا خطوة بخطوة ويراقبنا، وللخروج من ساحة التمشيط كان علينا قطع مسافة تحتاج السير مدة ليلتين في ليلة واحدة، والوصول إلى حواف نهر الفرات، فقط الفرات يستطيع إخفاءنا، سرنا حتى الصباح وارتمينا على حواف نهر الفرات، ومع حلول الفجر قمنا بالكشف لمعرفة الأوضاع، شاهدنا العدو متمركزاً في المراصد والمرتفعات. وأصبحت قوات العدو التي كانت منتشرة في المنطقة تعطي التفقد لبعضها البعض، لكن لا أحد يعطي تعليمات بصددنا لأننا نجحنا في الخروج من ساحة التمشيط. تابعنا تحركات العدو في التمشيط من بعيد، وتنصتنا على أجهزتهم اللاسلكية، الجو كان هادئاً وقضينا اليوم في استراحة على أطراف الفرات، فكرنا في الذهاب خلف مشروع سد قره قايا لأننا سنكمل المسير من هناك باتجاه كوناي باتي، وقبل أن يخيم الظلام بدأنا بالتحرك، كانت هناك قرى تركية على حواف الفرات وكان قد سكنها إينونو سابقاً، ولكننا لم نعلم بأن تلك القرى الموجودة على حواف الفرات هي قرى تركية، كان طريقنا يمر من بين القرى، وكنا مجبرين على العبور من بين تلك القرى.

كيفما تحركنا وبأي اتجاه كان القرويون سيشاهدوننا، وذلك بسبب حاجتنا إلى تأمين المواد الناقصة من التموين لدينا، لهذا لم يعد أمامنا أي طريق سوى الدخول إلى أحد البيوت، وهذا ما قمنا به بالفعل، فقد طرقنا باب أحد البيوت، وبعدما فتح صاحب البيت الباب دخلنا إلى البيت ووجدنا صورة أتاتورك معلقة على الجدار وبجانب الصورة علم حزب الحركة القومي. بعدما وجد صاحب البيت بأننا ننظر إلى الصورة والعلم، قال لنا بأن كل بيت في هذه القرية توجد فيه صورة أتاتورك وعلم حزب الحركة القومي. في الحقيقة لم نكن نعلم بأن القرية تابعة لـ حزب الحركة القومي، وبالمقابل لم يتفاجأ صاحب البيت قط بمجيئنا. جلسنا مع العائلة وتحدثنا معهم، في الوقت نفسه أجزمنا في أنفسنا بأن العائلة سوف تخبر العدو بمكاننا، ولكن ما ظهر إلى الوسط أثبت العكس، لأننا لاحظنا بأنهم يخافون منا من جهة ومن جهة أخرى لا يحبذوننا، فقد تركوا الباب مفتوحاً بينما كانوا يجهزون لنا التموين، وربما يكمن السبب الأساسي في عدم إخبار العدو عنا هو رد فعلهم الغاضب تجاه الدولة، لأن الدولة لم تكن تقدم لهم الخدمات الأساسية مثل تمديد خطوط الكهرباء والماء وفتح الطرقات، وبحسب ما يقول أهل المنطقة فإن الدولة قامت بتهجيرهم إلى هنا واتبعت سياسة خاصة بحقهم وتركتهم على حالهم بدون أي خدمة تذكر. فهم لم ينكروا تركياتيتهم ولكنهم في الوقت نفسه لا يبادلوننا المحبة أيضاً.

حالة القرى التركية الواقعة على طول ضفاف نهر دجلة كانت تظهر لنا حقيقة أخرى وهي حقيقة وجه الدولة التركية الكاذب و المخادع، فمن جانب تطبق الدولة التركية كافة أساليب الصهر والإنكار على الشعب الكردي، ومن جانب آخر تترك العديد من القرى التركية أيضاً نائية بحاجة إلى العديد من الخدمات. وقد عملنا بكل جهدنا على توعية القرويين بحقيقة السياسات التي تطبقها الدولة التركية، ولكننا لا ندرك مدى استيعابهم الحقيقي للقضية. ففي النتيجة هم أيضاً من القرويين الفقراء، والدولة التركية تهدف إلى تمرير سياستها على الشعب الكردي من خلال استخدامهم. لهذا بعدما أيقنت الدولة التركية أنها لن تحصل على النتيجة المبتغاة تركتهم على حالهم ولم توفر لهم الخدمات الأساسية التي يحتاجون إليها. وخلال فترة نقاشنا معهم عملنا جاهدين لشرح أخوة الشعوب وموقف الدولة التركية منهم.

بعد تأمين احتياجاتنا اتجهنا إلى وادي الفرات. وفي اليوم التالي كان علينا العبور إلى الضفة الأخرى من النهر. وذاك الوادي أي وادي الفرات عميق جداً، وكلما اقتربنا من سد قرا قايا تزداد مياه النهر عمقاً، ولكي تستطيع الوصول إلى عمق الوادي تحتاج إلى أربع أو خمس ساعات متواصلة من المشي، ومع بزوغ الشمس وصلنا إلى أسفل الوادي واختبأنا في مكان مناسب وانتظرنا ريثما يحل المساء، وعندما خيم الظلام علينا نزلنا إلى بداية المياه، وكنا قد جلبنا معنا طوافات لعبور النهر بها ولكنها كانت صغيرة ولا تسع إلا لفرد واحد. كما كنا قد جلبنا معنا التموين الذي يكفينا لمدة أسبوع، رغم ذلك لم نؤمن طوافات كبيرة، وقمنا بنفخ الطوافات، ووضعنا حقائبنا وأسلحتنا داخل الطوافة وصعدنا إليها وإذ بنا نلاحظ بأن الطوافة تغرق في المياه، وقتها علمنا بأنها كانت قد صنعت للأطفال ليتعلموا بها السباحة. ونحن لم نكن نعلم بذلك. لم نفكر بعدم إمكانية تخطي مياه الفرات بها. ولكن على الرغم من ذلك بذلنا مجهوداً كبيراً عسانا نستطيع العبور بها، ولكن دون جدوى. ولهذا بدأنا بالتفكير والبحث عن حلول ومنافذ أخرى.

لم يبقَ لدينا سوى خيار واحد وهو الذهاب إلى البيت الواقع بجوار النهر، والذي يقوم صاحبه بصنع الشخاتير، لنطلب منه مساعدتنا في العبور إلى الضفة المقابلة ولا خيار آخر أمامنا، وكنا مجبرين على دفع مبلغ من المال ليعبر بنا إلى الطرف الآخر، عندما طرقنا الباب، فتح الرجل الباب، وقد ظهرت على وجهه علامات الارتباك والخوف بعدما شاهدنا، ولكنه لم يقل شيئاً، عندما دخلنا البيت بدأنا بالتحدث معه، وقتها قال بأنه والد زوجة المختار الذي كنا قد زرناه في الليلة الماضية. قلنا له نحن كريلا حزب العمال الكردستاني واجهنا صعوبة في العبور إلى الجانب الآخر للنهر، ولهذا نطلب منك أن تساعدنا في عبور النهر مقابل ما تطلبه منا من المال.

عبرنا نهر الفرات وابتعدنا عن المكان الذي نزلنا فيه، ومع حلول الصباح شاهدنا رتلاً عسكرياً مكوناً من ثمان وعشرين حافلة، نزلوا على حافة النهر وقاموا بالتفتيش، لم نعرف المكان الذي بقينا فيه في الليل ولهذا كنا نواجه مخاطر جدية، لأن المكان يقع أسفل الطريق، مكثنا في الوادي أسفل الطريق، لهذا لم يستطع العدو أن يجدنا، لأنه بحث في الأطراف البعيدة ولم يتوقع وجودنا في تلك المنطقة، بذلك تخطينا بسهولة المخاطر الكبيرة. العملية التمشيطية التي قام بها العدو لم تكن تشبه تلك العمليات التمشيطية التي كان يقوم بها في الإيالات الأخرى، لهذا استمر التمشيط ليوم واحد، ومع حلول المساء انسحبت قوات العدو من المنطقة. مع انسحاب العدو تنفسنا الصعداء، ولم يمر وقت طويل حتى شاهدنا قروياً يدخل بيننا، لأننا كنا قريبين من الطريق ولم يكن من الصعب مشاهدتنا. عندما شاهدنا القروي قمنا باعتقاله، ولكن بشكل لم نظهر له بأننا قد قمنا باعتقاله، وقمنا بطرح بعض الأسئلة عليه من قبيل ما اسم المكان الذي نحن فيه؟ ولأي منطقة يتبع؟ لأننا لم نكن نعرف المنطقة التي نحن فيها، حتى أننا لم نجد مثل هذا المكان على الخارطة ، لأن الخارطة التي كانت بحوزتنا كانت قديمة وتعود لعام 1950، ولهذا فإن العديد من الطرق الموجودة على الخارطة ليس لها وجود الآن والمناطق التي كانت مهجورة وفارغة أصبحت الآن مأهولة، وقد بني عدد من القرى الجديدة التي ليس لها وجود على الخارطة العائدة إلى أعوام الخمسينات. المنطقة التي وقفنا فيها كانت فارغة وخضراء، ولم يكن مثل هذا المكان موجوداً على الخارطة.

قال القروي: نحن قريبون من قرية ميديا التابعة لقصبة دوغان يول التابعة لمحافظة مالطيا. وإن صح التعبير فإن القول بأن القرية جديدة هو تعبير أقرب إلى الصحة، كانت القرية كبيرة وتشرف على سد قراه قايا لذا كانت لها جغرافيا جميلة ومناظر خلابة، عندما سمعنا باسم القرية تفاجأنا، لأن اسمها كان ميديا ولو قلنا بأن تلك المناظر الخلابة تناسب مثل هذا الاسم الجميل فسيكون أكثر واقعية. ومع حلول الظلام أطلقنا سراح القروي لأنه لم يكن هناك داع للاحتفاظ به أكثر من ذلك، حتى أننا كنا سنتحرك في غضون عدة دقائق، ولكن إلى أين وفي أي اتجاه، وكيف سنذهب لم نكن نعلم، الجغرافيا وعرة، واجهنا صعوبة في التجول في مكان واسع نجهل معالمه، لأننا كنا نسير بشكل عفوي في هذه الجغرافيا، وكلما سرنا نجد في الصباح بأننا قد اجتزنا مسافة ساعة في المشي ليلة كاملة.

الجغرافيا هناك تكتظ بالوديان السحيقة والمرتفعات الصخرية الوعرة، و تشكل سريراً لنهر الفرات، كنا نريد أن تكون سريراً لنا أيضاَ وليس فقط للنهر. أتينا إلى المنطقة في الشهر الثامن والآن نشارف على الشهر التاسع، لذلك فكرنا لو قضينا الشتاء في هذه المنطقة سيكون باستطاعتنا الذهاب حتى إلى جبل أرجيس في السنة التالية. لذلك قمنا بجولة لعدة أيام في عمق وادي الفرات وحول المياه، وقمنا بالبحث عن أماكن ملائمة للبقاء ويكون باستطاعتنا التمركز فيها. كان الوادي جميلاً وملائماً جداً للكريلا فبسبب مياه السد كانت الثلوج تذوب بسرعة وكأن المكان خلق للكريلا، قمنا بالكشف والتحريات لمدة ثلاثة أيام واستطعنا تعيين المكان المناسب للتمركز، لكننا كنا نواجه مشكلة واحدة وهي كيفية نقل التموين إلى مكان التمركز، وعلى الرغم من ذلك كنا نستطيع حل تلك القضية بسهولة، لأن هدفنا هو فتح تلك المنطقة، و في السنوات الماضية وفي العديد من المرات كان الرفاق يترددون إلى هذه المنطقة، وكلما كانوا يأتون إلى المنطقة كانوا يتكبدون الخسائر، والرفاق الباقون كانوا مجبرين على الانسحاب من المنطقة. فالرفاق أمثال الشهيد رمزي (عرفان برفانا) وكذلك الرفيق عدنان من أنقرة ذهبوا لفتح المنطقة لكنهم استشهدوا. ولكن كان هدفنا في هذه المنطقة هو التمركز والبقاء هناك، أردنا النجاح في هذه المهمة، ومن أجل البقاء هناك وضعنا كل شيء نصب أعيننا، ولهذا اتخذنا القرار بالإجماع بقضاء فصل الشتاء هناك، وعلى هذا الأساس قمنا بالتحضيرات الأولية، وقتها قررنا تخزين بعض المؤن والتعرف على المنطقة بأدق تفاصيلها، وفي الليلة نفسها وصلنا إلى منطقة تتوسط كركر وقصبة دوغان يول في أعلى سد قراه قايا، المنطقة التي وصلنا إليها أيضاً كانت جميلة جداً، فهي منطقة جبلية وفيها غابات، وكانت مناسبة للتحرك بسهولة لمجموعة مثلنا. قضينا النهار هناك وقمنا بدخول القرى والهدف من ذلك كان القيام بالدعاية وتأمين التموين. ولكن لم يكن لدينا معلومات بصدد تلك القرى، دخلنا أول قرية، توزعنا على البيوت على شكل مجموعات ثلاثية، عندما كنا نطرق الأبواب ويسألوننا من أنتم كنا نرد عليهم نحن الآبوجيون، ولكن القرية كانت لحماة القرى ولهذا عندما كنا نقول بأننا آبوجيون كانوا يهربون ويختبئون في الحظائر.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق