الأزمة السورية والحل الفدرالي الديمقراطي

الأزمة السورية والحل الفدرالي الديمقراطي

النظام الدفاعي الفيدرالي الديمقراطي

 من دون شك فإن مشكلة الأمن و الدفاع ستكون من أهم المواضيع التي ستواجه النظام الديمقراطي في سوريا. ففي وضع سوريا الحالي هناك العديد من الأطراف والقوى المتحاربة والمتصارعة. مركز القوة في السلطة المركزية الحاكمة أصبح ضعيفاً جداً و قريباً للغاية من حافة الانهيار.  ومن دون المساعدة والدعم الهائل الذي يتلقاه النظام السوري من القوى الخارجية مثل روسيا  و إيران  وغيرهم فإن الجيش السوري لن يستطيع إظهار القدرة على المقاومة و لن يتمكن من الاستمرار في الحرب لأكثر من أشهر معدودة. و هذا بدون شك يعتبر تطوراً جيداً و إيجابياً بالنسبة للشعب السوري.

وبالإضافة لجيش النظام السوري هناك أيضاً العديد من القوى و المجموعات العسكرية الأخرى و التي تسعى أيضاً لتحقيق الهيمنة والسيطرة على مختلف الأراضي والمناطق في البلاد.  و بالتالي فالحرب والصراع مازال مستمراً بأقصى سرعة من دون هوادة في سوريا.  بدءاً من العشائر  و وصولاً للعوائل فعلى جميع فئات المجتمع التسلح لأنه يجب عليهم تطوير إمكانياتهم  و أدواتهم للدفاع الذاتي عن حياتهم. الدفاع الذاتي المشروع للشعوب عن نفسها لم يكن يوماً ضرورياً و لزاماً كما هو عليه الوضع حالياً و خصوصاً لمواجهة عصابات ما يسمى تنظيم داعش و الوقوف في وجه بعض الدول الظلامية التي تقدم كافة أشكال الدعم  و المساعدة لتنظيم داعش و عصاباته. ففي الوضع الحالي كل مجموعة و كل فئة شعبية ملزمة  و مجبرة على تنظيم  قوتها و ترتيبها لغرض الدفاع الذاتي المشروع.  و لكن بدلاً من أن تكون هذه القوات مجزأة  و مبعثرة فمن الأفضل و الضروري أن توحد هذه الشعوب  و المجموعات قواتها لغايات ديمقراطية  و بالتالي ضمان النجاح,  كأن تتوحد تحت راية  و قيادة واحدة مثل قوات سوريا الديمقراطية الموحدة التي تحقق نجاحات كبيرة.

الدفاع  و من دون أدنى شك ليس عملاً يقتصر على الجيش فقط.  فالنقطة الأساسية في ظل الظروف الحالية هي التنظيم الذي يأخذ شكل الحرب الشعبية الواقعية. و معنى الحرب الشعبية الواقعية هو : تنظيم جميع أفراد الشعب لأنفسهم على أسس الجيش النظامي و الانضباط العسكري الكامل.  فبدءاً من الدفاع عن بيته, مدرسته, مكان عمله, قريته, حيه السكني,  و مدينته  و وصولاً لتحضير و تجهيز الوجبات الغذائية للمقاتلين. فالجميع مطلوب منه أداء مهمته  و العمل و تقديم الدعم  و المشاركة في جميع الأعمال وفقاً لمهاراته  و قوته  و طاقاته. يجب تعبئة المجتمع كله و استنفاره. علاوة على ذلك فطالما استمرت هذه الفترة الحساسة و هذه الأزمة فذلك يتطلب تقوية الجيش  و زيادة حجمه بكل ما يلزم من الدعم و المساعدة. فيتم ترتيب و تنظيم كل شيء لتحقيق النجاح  و الوصول للنصر المنشود.  و تستمر هذه السياسة طالما استمرت حالة الفوضى هذه و طالما تستمر الحرب و التهديدات العسكرية. لأن هذه الفترات بمثابة الحياة أو الممات, ففي حال التعرض للخسارة فهذا يعني الضياع  و خسارة و فقدان كل شيء. أما في حالة النصر فهذا سيكون نصراً عظيماً و سيشكل شرفاً كبيراً و مستقبلاً مشرقاً.

القوى  و المجموعات التي سيكون لها صوت مسموع مستقبلاً في النظام الفيدرالي الديمقراطي لسوريا في حال اتفاقها فذلك قد يؤدي إلى تنظيم جزء من قوات سوريا الديمقراطية لتنضم إلى القوات الأمنية السورية العامة و تحت قيادة مشتركة.  و في الوقت نفسه سيتم تنظيم الجزء الآخر من قوات سوريا الديمقراطية لتصبح قوة أمنية إقليمية و ستكون ملزمة بتحقيق أمن منطقتها  داخلياً و خارجياً. فإذا كانت مجاميع هذه القوات كبيرة فسوف يتم تسريح بعضها و تخفيض قواتها و أعدادها. و لكن من دون شك في الظروف الحالية لا يمكن التنبؤ بالمستقبل لذلك فإن التقييم و إطلاق التوقعات ليس رأياً في مكانه.  و لكن إذا ما قمنا بتقييم معايير الأمن  و الدفاع  وفقاً للأنظمة الفيدرالية المتعارف عليها عالمياً,  فإن قوات الدفاع العامة في البلاد تكون ضمن سلطات الحكومة الاتحادية.  و في المقابل فإن المناطق الاتحادية تقوم بتنظيم و تطوير إمكانياتها الأمنية المحلية  و الداخلية.  و بشكل مماثل فإن كل منطقة تساهم  و تشارك بحسب قوتها و بنسب محددة  في قوات الدفاع  و الأمن في سوريا الفيدرالية الديمقراطية و عليه فإن هذه المناطق تتعهد بتنفيذ المهام المطلوبة منها من قبل الحكومة الفيدرالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نظام المقاطعات أو الأقاليم الاتحادي الديمقراطي و الحكم الذاتي الديمقراطي

 

النظام الفيدرالي الديمقراطي السوري,  يتم تنظيمه و تشكيله وفقاً لنظام الأقاليم الاتحادية. من المؤكد أن مسألة تنظيم  و تشكيل الأقاليم الاتحادية يمثل موضوعاً مهماً يقبل النقاش الموسع  و لكن هناك جهل كبير و إغفال جدي لهذا الموضوع.  فعندما يتم ذكر أي كلام عن الفيدرالية  و كأنما هذا يعني التقسيم  و التفكك لسوريا أو أن هناك من يحاول أن يعكس هذا التصور عن الفيدرالية بشكل مقصود. هذا الخطاب المربك  و المقلق هو خطاب مشوه و مقصود تلجأ له الأنظمة المستبدة  و القوى الإقليمية في المنطقة لتخفي أهدافها الخبيثة  و لتخفي سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصالح المشروعة  لغيرهم.

هناك أسباب كثيرة  و مقنعة تفرض أنظمة الأقاليم الاتحادية الديمقراطية في سوريا. و  يمكن تلخيص هذه الأسباب بالصراعات  و التناقضات الاجتماعية التي عاشتها سوريا على مدى تاريخها من جهة  و الأحداث و التطورات الراهنة التي تعاني منها سوريا من جهة ثانية.  فبعد الآن لن يقبل المجتمع السوري بمختلف فئاته  و شعوبه العيش في ظل أمثال هذه الحكومة المستبدة لنظام حزب البعث كما كان يحدث في الماضي.  فالدولة القومية لن تستطيع بعد الآن إدارة شعوبها  و مجتمعها بشكلها و أسلوبها القديم. فقد انتهى زمن إدارة الدولة و حكم الشعب باسم السلالات و العائلات أو باسم المذاهب السنيّة أو النصيرية العلوية. فانعدام الثقة بين المجموعات  و الطوائف تعمق كثيراً. و أصبح المجتمع و الشعب بحاجة لسلطة  و قوة منظمة على مستوى عالٍ يساعد على تجاوز و إنهاء مرحلة التنكر للحقوق  و إنهاء الاستبداد و الانحلال و الاستعباد و الإبادات الجماعية و جميع هذه الممارسات الخاطئة بحق الشعب. المستوى الخطير الذي وصلت إليه الصراعات  و المشاكل و الاشتباكات في سوريا حالياً تجعل من المستحيل العودة لأسلوب و شكل الإدارة القديم الذي كان يمارس في سوريا. كل شريحة و فئة اجتماعية تسعى للعيش وفقاً لهويتها الخاصة و احتفاظها بأصالتها في نفس الوقت وعلى أساس ذلك تسعى للمشاركة في الحفاظ على وحدة  البلاد السورية. إن الخيار و الحل الأمثل لتجاوز مسألة انعدام الثقة الموجودة حالياً و إعادة إحيائها هو الاعتراف بحقوق المجموعات لتنظيم و تطوير أنفسها وفقاً لمبدأ الإدارة الذاتية. هذا النظام هو تعبير عن نموذج الكونفيدرالية الديمقراطية. بهذه الوسيلة فقط يمكن ضمان الاتحاد الديمقراطي للمجتمع في كل أرجاء سوريا المستقبلية. و ما دون ذلك كله سيقود سوريا لمزيد من الصراع وسيستمر مسلسل التفكك و التفتت للمجتمع السوري.

كما أن نشوء النظام الفيدرالي الديمقراطي ليس له علاقة مباشرة بالمساحة الجغرافية للبلاد إذا كانت شاسعة أم صغيرة المساحة. النظام الفيدرالي الديمقراطي هو نموذج تنظيمي و إداري للمجتمع.  فالمناطق و الأقاليم, المحافظات, النواحي, القرى,  و وصولاً لجميع القطاعات  و الوحدات السكنية للمجتمع  يتم تنظيمها في شكل اتحادي أو ذاتي الإدارة.  فقرية مكونة من عشرة أشخاص أيضاً يمكن أن تصبح ذات استقلالية إدارية ذاتية. النظام الفيدرالي الديمقراطي أو الإدارة الذاتية الديمقراطية نظام يعطي لكل شعب أو مجموعة بشرية أو وحدة سكنية الحق في إدارة نفسها بشكل ذاتي و بكل حرّية. أينما وجدت قرية أو مدينة أو مجموعة بشرية فمن حق أفراد هذه القرية أو المدينة أو المجموعة أن يكون لهم إدارة ذاتية ديمقراطية ليحكموا أنفسهم بأنفسهم. و بالتالي فالفيدرالية الديمقراطية هي الشكل الملموس لاستخدام هذا الحق و تطبيقه.

بدون أدنى شك نشوء و تنظيم المناطق و الأقاليم الاتحادية مرتبط بعوامل اجتماعية و معايير لها تأثير واضح و يجب أخذها بعين الاعتبار, و من هذه العوامل و المعايير مثلاً : التطور التاريخي, اللغة, الثقافة, الاقتصاد, التركيبة السكانية, الجغرافية. كما أن حدود الأقاليم و الوحدات و المناطق السكنية الذاتية الإدارة لا يمكن رسمها على جداول و خرائط أو بناء على رغبة  أطراف عسكرية مثل ما حدث من تقسيم ضمن إطار اتفاقية سايكس- بيكو. إن ما يحدد تنظيم و تشكيل إقليم ما أو إدارة ذاتية محددة هي تلك العلاقات و التناقضات بين المجموعات البشرية  و الشعبية التي تعيش هناك, ميّزاتهم الثقافية و اللغوية, تركيبتهم السكانية و بنيتهم الاقتصادية,  تمركزهم الجغرافي, و لكن الأهم من كل هذه الأمور هو الأخذ بعين الاعتبار قبول  و رغبة تلك الشعوب التي تعيش في تلك المنطقة و حماسها لتشكيل هذه الإدارة الذاتية. و في هذا الخصوص قد تكون هناك حاجة لفترة زمنية تتخللها مناقشات عادلة و ديمقراطية و محاولات و حملات لإقناع أفراد المجتمع بفكرة الإدارة الذاتية الديمقراطية, و بعد كل ذلك يمكن اللجوء للاستفتاء الشعبي على مستوى المحافظات للحصول على موافقة الشعب. و إذا كانت هناك رغبة من الشعب في محافظة ما أو مناطق قريبة فيكون من حقها التقدم بطلب للانضمام إلى إقليم اتحادي معين.

الفيدرالية الديمقراطية هي في الأساس اتحاد يستند إلى التنوع. المقياس الوحيد الأكثر أهمية  و قبولاً في ظل هذا النظام هو أن كل مجموعة أو فئة شعبية لها الحق في إدارة نفسها بكل حرّية  و بشكل ديمقراطي في ظل تمتعها بهويتها و شخصيتها التي تميزها, و على هذا الأساس فهي تنضم  و تشارك في النظام الفيدرالي الأشمل للبلاد. فالسلطة المركزية ليست هي الطرف الوحيد الذي يفرض إرادته هنا. و هذا يعني بشكل ما أن ضرورة وجود النظام الفيدرالي الاتحادي الديمقراطي إنما ينبع من حق الشعوب و المجموعات في إدارة نفسها بنفسها. هذا النظام ضروري  و ملزم من أجل تحقيق الديمقراطية في العلاقات  و الإدارة المجتمعية.

و في نفس الوقت الشعوب التي تعيش في حدود  و نطاق المناطق و الأقاليم الاتحادية تنظم نفسها  وفقاً لنظام الإدارة الذاتية الديمقراطية.  و يعتبر نظام الإدارة الذاتية قابلاً للتطبيق  و نافذاً في كل مدينة, كل قرية و كل وحدة منظمة مثل البلدية  و المجلس التنفيذي.  و مرة أخرى فإن الشعوب و المجموعات التي تعيش في كل  منطقة أو إقليم اتحادي لها كامل الحرّية  و الحق في التعبير عن نفسها و شخصيتها الثقافية و التعلم باللغة الأم  و تنظيم نفسها بنفسها.

و في هذه الحالة و بالرجوع لأوضاع سوريا الاجتماعية تاريخياً و بالنظر و الأخذ بعين الاعتبار التناقضات الموجودة حالياً في عموم الوطن السوري, يمكننا الوقوف على شكل تنظيمي إداري و سياسي لسوريا على أساس تنظيم أربعة أقاليم اتحادية. هذه الأقاليم الاتحادية هي: دمشق, حلب, اللاذقية, و  روج آفا- شمال سوريا. هذه الأقاليم هي التي ستشكل الفيدرالية الديمقراطية لسوريا.

ويمكن تلخيص أشكال العلاقة بين الإدارة المركزية و الأقاليم الاتحادية كما يلي :

مع الأخذ بعين الاعتبار المبادئ الأساسية للمعاهدة الفيدرالية فالأقاليم الاتحادية لها الحق في تشكيل إداراتها السياسية, تطوير نظامها القضائي القانوني, ضمان أمنها الداخلي و تأسيس أنظمتها الاجتماعية.  و إذا حدثت حالات و أفعال مناقضة و غير متوافقة مع نص و بنود المعاهدة الفيدرالية عندها يتم طرح النقاشات بين الإدارة الفيدرالية الديمقراطية و بين إدارات الأقاليم,  و تتم معالجة الأمور و تقديم الحلول على أساس الحوار السلمي. ولا يتم اللجوء لاستعمال القوة  و الإجبار لحل النزاعات و المشاكل التي قد تنشأ. أساس الحل لجميع المشاكل و النزاعات التي قد تحصل يكون من خلال أسلوب الحوار والتسوية.

كل منطقة أو إقليم اتحادي تقوم بافتتاح و تجهيز مؤسساتها التربوية باللغات و اللهجات التي تراها مناسبة لمجتمعها و أفرادها,  و في الوقت نفسه الأقاليم الاتحادية ملزمة بمراعاة أسس  و غايات مبادئ حقوق الإنسان المتعارفة عليها عالمياً فيما يخص إجراءاتها التشريعية  و التنفيذية. كما أن كل منطقة أو إقليم اتحادي يحق له تطوير علاقات تجارية, ثقافية, سياسية و اقتصادية مع المجموعات و الشعوب المجاورة لها ولكن شريطة أن تتوافق هذه العلاقات مع بنود معاهدة الاتحاد الفيدرالي للبلاد و أيضاً يشترط عدم إلحاق الضرر بالمصالح العامة للمجتمع.

المناطق و الأقاليم الاتحادية تملك الحق و الحرّية في إنشاء و تطوير علاقات و روابط وثيقة مع المجموعات الثقافية و الدينية التي تراها قريبة منها. و كذلك تملك الحق في تطوير العلاقات مع المنظمات و المؤسسات الدولية مع الأخذ بعين الاعتبار المعاهدة الفيدرالية الديمقراطية إضافة إلى المصالح العامة للبلاد. المجموعات الإثنية و الدينية, الجماعات الثقافية, الفئات الاجتماعية الموجودة ضمن الهيكل التنظيمي و الإداري للإقليم الاتحادي من حقها استخدام و حماية كل حقوقها التي تم ضمانها لها  و المنصوص عليها من خلال المعاهدة الاتحادية لسوريا الفيدرالية الديمقراطية و أيضاً من خلال المعاهدات و الاتفاقيات الدولية.

وفي نفس الوقت جميع المواطنين الذين يعيشون في ظل الفيدرالية الديمقراطية لسوريا لهم الحق في هوية المواطنة المزدوجة. فهم مواطنون للإقليم الاتحادي الذي يتبعونه. و كذلك هم مواطنون في الدولة الفيدرالية الديمقراطية السورية.

كل إقليم يقوم بتنظيم نفسه بنفسه على أساس الاكتفاء الذاتي في المجال الاقتصادي. و بحسب إمكانياته و قوته و ظروفه الاقتصادية يساهم كل إقليم في إنتاج و تحقيق الثروة و الرفاهية و الرعاية العامة للمجتمع في سوريا الفيدرالية الديمقراطية و بالمقابل يحصل هذا الإقليم على نصيبه الذي يستحقه بالتأكيد. جميع الأقاليم التابعة للاتحاد الفيدرالي الديمقراطي في سوريا و على أساس مبدأ الاكتفاء الذاتي تحصل على حصصها من مصادر و موارد الثروة الباطنية و السطحية للبلاد ( البترول, المياه, الاحتياطات المعدنية, الغابات ) على أساس التقاسم و التوزيع العادل.  و هذا التقاسم  و التوزيع العادل للثروات و الموارد  يتم من خلال تنظيم معاهدات  و اتفاقيات تحدد التفاصيل الشاملة لذلك.

كل منطقة و كل إقليم له الحق في تنظيم و تطوير نظام العدالة الاجتماعية الخاص به و لكن شريطة ألا يتعارض هذا النظام مع الغايات و المبادئ و المعاهدات التابعة للفيدرالية الديمقراطية في سوريا و كذلك يجب عدم التعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك, المحافظات و النواحي و الأقضية الاتحادية قد تجتمع مع فئات مختلفة و مجموعات مجاورة و قد ترغب بتشكيل اتحاد ديمقراطي أو إدارة ذاتية ديمقراطية فيما بينها بناءً على أسباب ديمقراطية سليمة, فإذا أبدت هذه المحافظات و الأقضية الرغبة بتشكيل إدارتها و مؤسساتها فيجب أن يكون الطريق مفتوحاً لها لتستخدم حقها هذا و بالتالي يجب أن يسمح لها بتقديم طلبها في هذا الخصوص بدون عوائق.

 

 

 

 

البعد الدولي للنظام الفيدرالي الديمقراطي

 

عند تأسيس النظام الفيدرالي الديمقراطي في سوريا فإن بعده الدولي سيكتسب أهمية كبيرة بالتأكيد. وهنا المقصود بالبعد الدولي لهذا النظام هو أولاً : سوريا ستكون ضمن أي اتفاق أو حلف ؟ كيف سيكون موقع سوريا في الساحة الدولية ؟ و ما هي السياسة والاستراتيجية التي سيتم اتباعها في العلاقات الخارجية لسوريا ؟

ثانياً: ما هي الأساليب و الكيفية التي ستتم إدارة العلاقات الخارجية لسوريا من خلالها ؟ هل ستكون إدارة هذه العلاقات كما في السابق حكراً على الدولة التي تعتمد نموذجاً غير ديمقراطي لإدارة علاقات الدولة الخارجية أم أنه ستتم إدارة هذه العلاقات بالاعتماد على المشاركة الديمقراطية للشعوب و المناطق الاتحادية ؟ كل هذه المسائل و المواضيع تشكل نقاط  نقاش هامة و أسئلة بحاجة لأجوبة واضحة .

في كل ما تطرقنا له أعلاه من خلال تقديمنا و تعريفنا لطبيعة النظام الاجتماعي للاتحاد الفيدرالي الديمقراطي في سوريا فقد تم الحديث بشكل غير مباشر عن مركز سوريا و موقعها على الساحة الإقليمية و الدولية بحيث أن توصيفنا للتفاصيل المتعلقة بسوريا الجديدة يؤدي إلى فهم واضح لموقعها المستقبلي. إضافة إلى ذلك فتسيير السياسة الخارجية لسوريا و إدارتها لن يكون حكراً على الدولة المركزية فقط,  و كما كان يحدث في الماضي فليس من المقبول إدارة هذا الملف خلف أبواب مغلقة وسط عزلة تامة للشعب السوري حول ما يخص السياسة الخارجية لبلادهم.  كل المهارة  و البراعة لدى الدول القومية, احتكارها لملف السياسة الخارجية, و تنصيبها لنفسها كالمخاطب و الطرف الوحيد الذي يتحكم بسير الأمور إنما الهدف منه التلاعب على الشعب و بالتالي عقد التحالفات و نسج المؤامرات المشبوهة. فهناك سيطرة و رقابة تامة من الدولة وينطبق على ذلك المثال المشهور : الطيور لا تستطيع التحليق في سماء البلاد دون إذن مسبق من سلطة الدولة. و أما الضرائب فيتم تحصيلها من الجميع و لكن تذهب كل هذه العوائد الضريبية لجيوب المسؤولين بعملية تشبه السرقة دون رادع. و تحت مسمى الأمن و الوحدة الوطنية فقد تم فرش حدود البلاد بالأسلاك الشائكة و زرعت الحدود بالملايين من الألغام المتفجرة.  و في بعض الأحيان تم توجيه التهم جزافاً حتى لمن يحمل عبوة مياه دون إذن.  و لكن في سوريا الجديدة هذا النمط من النظام  و العلاقات سيكون مرفوضاً و لن يكون مقبولاً بأي شكل.” الممارسات التي تحدث في الشرق الأوسط  تثبت فشل الأنشطة الدبلوماسية  للدول في حل المشاكل و تقدم لنا العديد من العبر و الدروس في هذا الخصوص.  فليس من العبث قيام منظومة الاتحاد الأوربي بتطوير كونفيدراليات لمنظمات المجتمع المدني بمستويات مماثلة و موازية لكونفيدراليات الدول الأعضاء”. ملف العلاقات الخارجية في سوريا الجديدة  يجب أن يكون ذا أبعاد متنوعة و متعددة ويكون ذا مضامين غنية  و ثرية و خاضعاً لرقابة الشعب السوري و يستند لمسؤولية مهمة الهدف منها تحقيق مبدأ الشفافية الديمقراطية.

علاوة على ذلك فحجم العلاقات الدولية و أبعادها في وقتنا الراهن تجاوز الحدود الضيقة للدول القومية منذ زمن بعيد.  في ظل العولمة و الظروف التي يعيشها العالم  فالعلاقات الاجتماعية أصبحت أكثر تعقيداً و ذات أبعاد متعددة و بالتالي فحدود الدول القومية الضيقة و الصغيرة أصبحت لا تكفي لاستيعاب هذه العلاقات الدولية و تعقيداتها. إن العلاقات الدولية لمنظمات المجتمع المدني غير الخاضعة لسلطة الدولة ( مؤسسات غير حكومية)  أصبحت لها أبعاد عالمية و هذا أمر شائع حالياً. فانطلاقاً من المنظمات المهنية, الاتحادات النسائية  و السياسية, الفئات العاملة الكادحة,  و وصولاً للمجموعات الدينية و مجموعات المحافظين على البيئة, كل هذه المجموعات و الفئات الاجتماعية لها شبكات و ارتباطات تنظيمية  و أنشطة و فعاليات على مستوى العالم. بالإضافة لذلك فهذا العالم يوماً عن يوم يتسع أكثر و أكثر و يصبح له معنى أشمل و أوضح. فالوظائف و العلاقات الدولية لمنظمات  و مؤسسات المجتمع المدني يوماً بعد يوم تصبح أكثر إنسانية و ديمقراطية و أكثر اجتماعية مما تقوم به أنظمة الدول القومية البيروقراطية التي تحتكر كل شيء في بلادها. لذلك فإن تسليم ملف العلاقات الخارجية  بجميع أبعادها لاحتكار الدولة إنما يعتبر منهجاً غير ديمقراطي و لا يحمل صفة الضرورة في نفس الوقت. لقد انتهت صلاحية هذا النهج و مضى عليه الزمان. ” من خلال الواقع الملوس حالياً في الشرق الأوسط يتضح لنا أهمية و ضرورة أن يكون هناك مستوى متماثل و متشابه بين فيدراليات الدول و بين الكونفيدراليات الديمقراطية لمنظمات و مؤسسات المجتمع المدني, و يجب العمل على التطوير في الجانبين بشكل متوازٍ و متمم لبعضه البعض,  و بهذه الوسيلة يمكن حل المشاكل المتنوعة”.

 

يمكننا تجسيد كيفية تطبيق هذا النهج على المستوى الدولي  و الاجتماعي في ظل وضع سوريا الحالي كما يلي:

1 – يجب جعل سوريا دولة محايدة دولياً و إقليمياً, دولة نزيهة  و محترمة على مستوى من العدالة  و الديمقراطية. يجب أن تعتمد سوريا مبدأ عدم الانخراط  أو الانضمام إلى تحالف عسكري معين. يجب أن تعتمد مبادئ أساسية  تراعي الحوار و المصالحة و التوافق  و السلمية في علاقاتها الدولية. يجب أن تقبل و تعتمد سياسة الصداقة و السلام كمبدأ أساسي  و استراتيجي في سياستها الدولية و الخارجية. يجب أن تعتمد الفضائل السياسية  و الأخلاقية التي تضم الديمقراطية  و الحرية و العدالة كمبدأ استراتيجي لسياستها الخارجية و تعتبر هذه الفضائل بمثابة مسؤولية سياسية و أخلاقية لها.

2 – سوريا الفيدرالية الديمقراطية في علاقاتها و سياساتها الإقليمية يجب ألا تنتهج سياسة مبالغة فيما يخص الحدود السياسية و الجغرافية و يجب أيضاً أن تنتهج سياسة الباب المفتوح مع الشعوب الإقليمية المجاورة للبلاد.  و باستثناء الحالات الأمنية الضرورية  و الإلزامية يجب عدم فرض تأشيرات الدخول على الأفراد, أي يجب مراعاة حرية التنقل للأفراد.

3 – إدارة العلاقات و الشؤون الخارجية لسوريا الفدرالية الديمقراطية تأخذ شكلاً  ثنائي الأبعاد.  بحيث يتم تسيير و إدارة الأبعاد  و العلاقات العامة التي تخص سوريا الفيدرالية الديمقراطية من قبل الإدارة الفيدرالية للبلاد,  بينما الأبعاد  و العلاقات التي تخص المناطق  و الأقاليم الاتحادية تتم إدارتها من قبل الإدارات الاتحادية نفسها. و بموجب المعاهدة الفيدرالية لسوريا الجديدة يتم تحديد نطاق هذه الصلاحيات.

4 – الفئات  و الشرائح الاجتماعية العربية في سوريا من حقها  و مسؤولياتها تطوير علاقات ثقافية  و اجتماعية  و اقتصادية,  و كذلك من حقها إنشاء اتحادات ديمقراطية مع العالم العربي  و المجتمعات العربية الأخرى التي تعيش خارج الحدود الجغرافية  لسوريا الفيدرالية الديمقراطية. فالمجتمع العربي في سوريا لديه كامل الحرّية لاستخدام هذه الحقوق في الوقت الذي يرغب به.  و بشكل مماثل فالمجتمع الكردي في سوريا أيضاً من حقه و واجبه تطوير علاقات و روابط  ثقافية و اجتماعية  و اقتصادية و سياسية, و كذلك إنشاء اتحادات ديمقراطية مع المجتمع الكردي في الأطراف الكردستانية الأخرى, و بالتالي يجب أن يكون الطريق مفتوحاً دائماً للجميع لإنشاء اتحاداتهم الديمقراطية.

5 – الشعوب و المجموعات الدينية و الثقافية التي تعيش ضمن الجغرافيا السورية لها كامل الحق في تطوير العلاقات و الروابط الإنسانية و الديمقراطية مع الشعوب و المجموعات في جميع أنحاء العالم التي يرونها قريبة منهم  و تتشارك و تتشابه معهم في الثقافة و المعتقد. الفئات و الشرائح الاجتماعية مثل الطبقات المهنية  و العمرية المختلفة لها الحق في تنظيم  و تطوير شبكة علاقات مع المنظمات المختلفة على الساحة الدولية, و لها كامل الحرية في استخدامها حقوقها هذه في الوقت الذي يناسبها.

6 – هناك مقياس يجب مراعاته عند دخول الشعوب و المجموعات و الفئات الاجتماعية المختلفة في اتحادات ديمقراطية مع مجموعات خارج حدود سوريا,  و كذلك هناك مقياس عند سعي هذه الفئات لتطوير علاقات على المستوى الدولي. هذا المقياس يجب أن يكون سليماً و صحيحاً من جهة أن يراعي العيش المشترك و الاتحادي للشعب في الأمة السورية الديمقراطية,  و أن يراعي مشاعر التضامن و التكافل,  و أن يراعي عدم الإضرار بحقوق الحرية  و الديمقراطية للشعوب في سوريا.  إضافة لذلك يجب عدم المساس أو الإخلال بمعاهدة الفيدرالية الديمقراطية لسوريا,  وكذلك تجنب الأعمال والممارسات المناقضة لتلك المعاهدة وعدم الانجرار لسلوكيات معاكسة و مناقضة للمعاهدة الفيدرالية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق