المجالات التي سيهتم بها علم المرأة

المجالات التي سيهتم بها علم المرأة

فوزة اليوسف

في البداية وقبل التطرق إلى هذه المجالات من الأهمية القول إن كل ما هو مرتبط بالحياة الاجتماعية إنما يدخل في محيط واهتمام علم المرأة. من هذا المنطلق يمكن التوقف على مجالات البحث.

١- الأيكولوجيا (علم البيئة):

تعتبر الطبيعة والبيئة التي نعيشها من الضحايا الأوائل للذهنية السلطوية للنظام الذكوري الذي بدأ منذ 5000 سنة. يمكن التعرف عن طريق الأساطير بما فيها ملحمة جلجاميش السومرية وأنوما إليش البابلية أن عملية السيطرة على الطبيعة واضطهاد المرأة تطورت بشكل متوازٍ أو متداخل. فمن أجل العمل على زيادة القيمة الزائدة والتراكم الرأسمالي تم استخدام كل الطرق الجشعة من قبل قوى (الحضارة)، ولو أن تطور المدينة، الصناعة وغيرها يعتبر من صفات التمدن والتحضر، إلا أنها وللأسف الشديد لم تخدم سوى حفنة من الناس الذين يقومون باستغلال كل ما في الطبيعة من أجل رفاهيتهم. بالرغم من أن الطبيعة تقدم بسخاء ودون مقابل كل شيء للإنسان إلا أن جشع الإنسان أدى إلى تخريبات واختلال كبير في توازنها. وخاصة بعد الثورة الصناعية واستيلاء الطبقة الرأسمالية واحتكارها للصناعة وصلت هذه الأزمة إلى القمة.

ولأن المنطق الأساسي في العمل يكون الربح الأعظم فإن استخدام الطبيعة يكون بشكل هدّام ويتم تشويه وتخريب كل ما في الطبيعة في سبيل ذلك. الحروب النووية، استخدام الطاقة النفطية، الهجوم الشرس على طبيعة الحيوان والنبات والإنسان وذلك بالتدخل في هرموناتها وصبغياتها، ناطحات السحاب، التورم السرطاني للمدن كلها من نتاج النظام الرأسمالي الذي يقوده الرجال. هذا الهجوم اليومي على الطبيعة من قبل الإنسان أدى إلى كوراث كبيرة، فالطبيعة عن طريق الزلازل، الفيضانات وتغير المواسم والعواصف والأمراض الخطيرة تنتقم من الإنسان بطريقتها.

وعلى الرغم من أن ناقوس الخطر بدأ يدق يومياً، إلا أن الحداثة الرأسمالية مازالت مستمرة في جشعها هذا وإنها مستعدة للتضحية بكل شيء في سبيل مصالحها وشهواتها. بحيث وصلت إلى درجة تهدد حياة كل الكائنات الحية. هذه الأزمة التي تعيشها البيئة لا تؤدي إلى سرطانية طبيعية فحسب، بل إنها تؤدي إلى أمراض سرطانية اجتماعية أيضاً. بالطبع عندما نتحدث عن الأزمة لا نعني الآفات الطبيعية، بل نقصد المشاكل التي أوجِدت من قبل الإنسان، وبما أنه هناك فئة احتكارية ورأسمالية تقوم بهذا الشيء، لذلك فقيام علم المرأة بتشخيص أسباب هذه الأزمة بشكل علمي ووضع خارطة طريق من أجل حل هذه الأزمة يعتبر من القضايا الأساسية التي يجب أن يهتم بها. لأن حرية المرأة لا يمكن أن تتحقق في بيئة مريضة ومتعرضة للغصب والاحتلال من قبل النظام الذكوري. فمن أجل خلق التوازن من جديد بين المجتمع والطبيعة وتحقيق المصالحة، هناك حاجة لرؤية وأسلوب حياة أيكولوجية ويجب أن تعمل الحركة النسائية بعلمها وبنضالها وبتضامنها مع الحركات الأيكولوجية من أجل وقف هذا الخطر الذي يحدق بكل الكائنات وكل الكون.

٢- علم التاريخ

من أجل التعرف على الحقائق تعتبر كتابة التاريخ بشكل موضوعي أمراً لابد منه، ولأن الوعي التاريخي يؤدي بالإنسان إلى التعرف على جذوره وحقيقته فإن معرفة التاريخ اعتبرت شرطاً مهماً من أجل بناء الحاضر والمستقبل بشكل سليم. من أجل أن تتمكن القوى الاستبدادية من الاستمرار في ظلمها واستغلالها قامت وبشكل دائم على قطع الصلة بين المظلومين وبين جذورهم. فالجنس، الطبقة، الشعب الذي لا يعرف تاريخه يكون مثل الإنسان الذي يفقد ذاكرته. لذلك فإن القيام بإدارته وخداعه والسيطرة عليه يكون سهلاً. لأنه بذلك يكون محروماً من تقييم ما قد حصل له فينسى كل شيء.

عندما ندرس التاريخ نرى أنه كتب من قبل أصحاب القوة والسلطة. وكل قوة تبدأ التاريخ من نفسها فتقوم بإنكار ما قبلها. فالسومريون يبدؤون التاريخ من أنفسهم ويهمشون عشرات آلاف السنين التي عاشتها الإنسانية قبلهم. فلولا اللوحات والآثار والرسومات والأساطير ما كنا سنعلم أنه هناك عصراً كانت فيه النساء آلهات ومقدسات وعالمات. ففي شخص الرهبان السومريين نرى أن الرجال عملوا كل ما في وسعهم من أجل أن يمسحوا آثار ودور النساء في التاريخ.

والآن أوروبا تقوم بالشيء نفسه حيث يبدؤون كل شيء من الحضارة الإغريقية وينكرون دور الشرق الأوسط. هذا ومن أجل أن يتم التشهير بالحركات المناهضة قامت القوى المستبدة بإطلاق أسماء وصفات سيئة، حيث أطلق اسم البرابرة على المظلومين المناضلين. ومؤرخو العصور الوسطى أطلقوا اسم الساحرات على النساء اللواتي قمن بمقاومة الممارسات الجائرة بحقهن. ومن أجل ألا تتعرف النساء على تاريخ المرأة عبر التاريخ تم تسيير سياسة تعتيمية رهيبة. بحيث من أجل الحصول على معلومة بهذا الصدد هناك حاجة لتصفح مئات المجلدات لعل وعسى أن يكون قد مر اسم امرأة في صفحة ما.

هذا بالطبع ليس شيئاً عشوائياً بل أمر مبرمج لأن تعرف النساء على تاريخهن ودورهن سيؤدي بهن إلى التحقيق فيما يعشنه، هذا بالإضافة إلى أن معرفة التاريخ تكسب الإنسان الثقة بالذات. خاصة إذا ما عرفت المرأة أن جداتها كن في يوم من الأيام آلهات، طبيبات، مخترعات، مقاومات، شجاعات. فإنها دون شك لن ترضى بالواقع الحالي وسيؤدي بها إلى البحث عما فقدته وكيف فقدته وعن طريق استعادته.

لذلك قام الرجل وبشتى الحيل وطرق التحريف والمغالطة والكذب على إخفاء الحقائق التاريخية المرتبطة بالمرأة. إن كتابة التاريخ بهذا الشكل يؤكد على أن التاريخ المتعلق بحقيقة الرجل أيضاً ليس صحيحاً. لذلك هناك حاجة ماسة لتوقف علم المرأة على التاريخ المكتوب والكشف عن حقيقته.

لأنه وكما يقول القائد أوجلان “إن التاريخ مخفي في حاضرنا وحاضرنا مخفي في تاريخنا” ومن أجل أن نتمكن من تطوير نضال مؤثر ضد النظام الذكوري الاستبدادي هناك حاجة إلى الوعي التاريخي وإلى كتابة التاريخ من جديد. من هنا فإن كتابة التاريخ برؤية موضوعية عادلة وتقييم التاريخ البشري بنظرة المرأة يعتبر أمراً أساسياً من أجل تأسيس الحاضر على أسس متينة. وإلا فإن الحركة النسائية المنقطعة عن جذورها التاريخية لا يمكن أن تقف بصرامة ضد الهجمات الشرسة التي تشنها الذهنية الذكورية.

 

 

٣- علم الاجتماع

كما تم التنويه في الأعلى فإن علم الاجتماع يعتبر من العلوم التي يجب أن تتخلص من النظرة الوضعية ومن الذهنية الجنسوية. لذلك فقيام علم المرأة بالاهتمام بعلم الاجتماع، والقيام بتوجيه النقد لعلم الاجتماع الذي بات عاجزاً عن حل أبسط قضية اجتماعية يعتبر أمراً حياتياً. فعلم الاجتماع الراهن لم يخرج من شبكة الوضعية، الطبقية، السلطوية، الدولتية، الجنسوية والدينوية. لذلك هناك حاجة لعلم اجتماع جديد يقوم بالعمل على إنشاء مجتمع يضمن فيه العدالة، المساواة والحرية. لأن علم الاجتماع الذي كان سارياً حتى الوقت الراهن خدم عبودية الإنسان ولم ينقذه من وضعه المزري الذي يعيشه. فعلم المرأة سيكون له الدور الإيجابي والبناء في تطوير علم اجتماع الحرية. وبتعريفه السليم للقضايا التي تعاني منها المرأة، الرجل، العائلة، المجتمع سيؤدي إلى طرح حلول موضوعية من أجل الأزمة الاجتماعية الموجودة. إذا ما قيمنا قضية المرأة على أنها لب القضايا الاجتماعية فهذا يعني أن وضع حرية المرأة في محور الحل سيفتح الطريق أمام حل الكثير من المشاكل التي يعيشها كلا الجنسين أو المجتمع بأجمعه.

 

 

٤- علم الإنسان

بما أن علم الإنسان أيضاً لم يتحرر من النظرة الدونية للمرأة وتم تحليل وتقييم كل ما هو متعلق بالإنسان بذهنية ذكورية متطرفة. إذاً يجب أن يتم التوقف على المعلومات الموجودة بنظرة نقدية، وهناك حاجة إلى البحث في طبيعة الإنسان من جديد والذي يمكن أن يكون نقطة انطلاق سليمة. لأن وضع البنية الجسدية أو فيزيولوجية الإنسان كمنبع لكل المشاكل يؤدي إلى نظرة قدرية مطلقة وهو أن المرأة خلقت ضعيفة والرجل قوي من الناحية الجسدية، وأنه من الطبيعي أن يسيطر الرجل على المرأة. من أجل القضاء على هذا التقييم الضيق والسطحي لكلا الجنسين هناك حاجة لإعادة النظر في كل النظريات التي قامت بالبحث في تطور الإنسان. لأن الثقافة، الظروف، التغييرات التي طرأت على البنية الفكرية والسياسية للمجتمع هي التي تعين وتؤثر في تشكل الإنسان. ويجب أن يتم التوقف ملياً على دور المرأة في الثورات الاجتماعية التي تحققت خلال أعوام 12000ق.م. فعلم الآثار وعلم الأساطير بالرغم من كل شيء يؤكدان ويثبتان أنه كان للنساء دور ريادي في ثورة القرية، في ثورة الأخلاق، في الثورة الفكرية، في الثورة الصناعية وكشف الآلات، والثورة العلمية وما تم اختراعه من أدوية وغيرها من الحاجات التي يمكن أن يستفيد منها الإنسان. أي أن التطور الإنساني لم يعتمد فقط على تطور الصيد من قبل الرجل كما يدعي الكثير من علماء علم الإنسان، بل كان للمرأة الدور المميز أو حتى المعين في تلك الفترة.

لذلك فالتوقف من جديد على جذور العائلة، الدولة، الطبقات وعلاقة ما تعيشه المرأة من اضطهاد بهذا التطور الذي طرأ على بنية النوع البشري ضروري. ويجب قبل كل شيء تحرير علم الإنسان من النظرة المركزية لعلماء أوروبا لأنهم يقومون بقراءة ودراسة دور المرأة في الثقافة الشرقية بشكل مشوه ولا يقومون بتقييمه بشكل صحيح. ولو أنه بعد الستينات وبعد الحصول على الكثير من التحف والآثار التي تؤكد الدور القيادي للمرأة إلا أن هذه النظرة لم تتعمم وما زالت النظرة السائدة هي النظرة القديمة والدونية. من هنا فإن علم المرأة سيعمل على تطوير أبحاث متكاملة، سليمة، أخلاقية، حيادية وعادلة.

٥- علم التدريب والتربية

الجدير بالذكر هو أن جميع مناهج التدريب الموجودة بدءاً من الابتدائي وحتى الجامعات كلها محضرة من قبل الرجل. إذا ما تم القيام بإحصائية سنرى بشكل واضح أن الذين يقومون بوضع أسس ومناهج التعليم معظمهم من الرجال. لأن نسبة النساء في مراكز التعليم العالي قليلة ولأنه هناك تهميش للموجودات فإن النظرة السائدة والمؤثرة في تحضير هذه المناهج الدراسية تكون من الرجال. بالطبع عندما نقول التدريب أو التربية لا نقصد بها المدارس فقط، بل إن للعائلة أيضاً دوراً كبيراً في تربية الطفل. ولأن المرأة أيضاً ومنذ الصغر تنشأ وفق النظرة الجنسوية فإنها تقوم بتربية أولادها وفق الذهنية نفسها. لذلك نرى أن التعصب الجنسي والنظرة الدونية للمرأة تتطور وبشكل منظم بدءاً من الطفولة وحتى الزواج أو سن النضج. فذهنية الطفلة والطفل تتشكل وفق التقاليد والأفكار السائدة في العائلة وفي المجتمع. فمنذ الصغر يتم تحضير الطفلة لتكون زوجة، مطيعة، مصنعاً للأطفال، تخدم زوجها، خجولة، غير واثقة من ذاتها، مرتبطة إرادياً واقتصادياً بالرجل، تنذر كل حياتها لأجل زوجها وأطفالها، تتحمل كل أنواع التعذيب وتستسلم للوضع الموجود، لأنه لا حول ولا قوة لها. وبشكل متوازٍ يتم تحضير الطفل ليكون زوجاً، أنانياً، متغطرساً، محباً للعنف، يرى الرجولة في السيطرة على الزوجة والأطفال، هو الناهي والمنكر، إنه صاحب المرأة والأطفال، هو صاحب القرار في كل شيء.

يعني أن التربية الاجتماعية هذه تخلق امرأة خانعة مطيعة ورجلاً ديكتاتوراً. بالطبع لا يقتصر هذا الوضع على تدريب العائلة فحسب بل إن المناهج الدراسية تقوم بترسيخ هذه الرؤية في كلا الجنسين. حيث نرى أن كل شيء يدعم دور الرجل ويهمش المرأة. فالمرأة في كتب القراءة، إما أن تكون جدة، أو أماً تقوم بطبخ الطعام، أو تغسل الغسيل أو تكون ممرضة بجانب الطبيب. في حين الرجل يكون البطل، الطبيب، المزارع، المعلم والعالم… إلخ. فالتاريخ، الفلسفة، الرياضيات، الفيزياء والكيمياء، والديانة وغيرها من مواد التدريس كلها تؤكد على شيء وهو أن المرأة لا يوجد لها دور وأن الرجال هم الذين قاموا بخلق كل شيء.

إن هذه السلسلة التدريبية تستمر إلى الجامعة. ومنها فإن كلاً من شخصية المرأة والرجل ونتيجة التربية غير السليمة تكون هزيلة. وتؤدي إلى أزمة للجنسين. لأن الذهنية التي تتشكل تنعكس على العلاقات بين الجنسين سواء في البيت أم الخارج. هذ الطريقة من التربية والتعليم لا يمكن أن تؤدي إلى أفراد ديمقراطيين وذوي أفكار متحررة. لذلك فانعدام المساواة، انعدام العدالة والحرية يؤدي إلى صراع يومي بين الجنسين، والأزمة الموجودة في العائلة، عمليات الطلاق، جرائم الشرف والانتحارات اليومية كلها نتيجة لهذه الذهنية البالية والعلاقات المفتقرة للديمقراطية، للمساواة وللحرية.

نظراً إلى ما تم التطرق إليه نجد أن هناك حاجة ماسة للتوقف على هذه المسألة. ويجب أن يتم تحقيق تغيير في ذهنية التربية والتعليم سواء الموجودة في العائلة أم في المدارس. قبل كل شيء، القيام بتدريب وتعليم النساء والرجال أياً كانت أعمارهم وفق منهج متحرر وديمقراطي يعتبر أمراً لا بد منه. هذا بالإضافة إلى أن هناك حاجة لتغيير المناهج التدريبية والتعليمية وتحريرها من هذه الرؤية الجنسوية التي تسمم العقول والمشاعر. من أجل كل هذه الأسباب، يعتبر توقف علم المرأة على هذه الناحية أمراً حياتياً، إذا ما كنا نريد تحقيق حياة ندية متحررة.

٦- علم الاقتصاد

يعتبر الاقتصاد من الفعاليات الحياتية من أجل الطبيعة الاجتماعية، بالرغم من أن الاقتصاد كان منذ البداية نتيجة عمل جماعي إلا أن القوى الاحتكارية قامت بالسيطرة عليه وتم استغلال جهد الإنسان بأفظع الأشكال. من أجل الحصول على ربح أكثر تم تطوير أبشع الطرق. حيث تم تحويل كل شيء إلى مادة تباع وتشترى وعلى رأسها الإنسان. فظاهرة البطالة، الفقر، استغلال جهود الإنسان وتشييئه وصلت في ظل النظام الرأسمالي إلى ذروتها. حيث تحول كل شيء إلى مادة استهلاكية، بما فيه المرأة، العامل، الأطفال… إلخ. إن العلاقة بين العامل ورب العمل هي علاقة بين العبد والسيد. حيث يتم التحكم بكل شيء عائد للعامل، وإذا ما رفض فإنه محكوم بالبطالة.

حسب الإحصائيات الموجودة هناك تشخيص يفيد بأن 70% من الفقراء في العالم هم من النساء. لأن حصول النساء على العمل صعب قياساً بالرجل، وحتى إذا عملت فإنها لا تأخذ نفس أجرة الرجل وحتى إذا حصلت على نفس الأجرة فإنها لا تملك حق التصرف بقيمة جهدها لأنها ليست فقط تحت سيطرة رب العمل بل تحت سيطرة رب البيت أيضاً. أي أن عبودية المرأة تكون مضاعفة. ليس هذا فحسب بل إن الجهد الذي تبذله المرأة في أعمال البيت ليس له قيمة مادية ولا معنوية. فإنها تعمل ليل نهار ولكن لا يتم إطلاق اسم العمل عليها. فقط العمل خارج المنزل هو الذي يتم تقييمه كعمل. من الواضح جداً إن استغلال جهد المرأة أو الرجل من قبل الرأسماليين وأرباب العمل ليس عملية اقتصادية وإنما عملية مضادة للاقتصاد. لأن الاقتصاد يعتبر عملية اجتماعية، أخلاقية وسياسية، ولأن هدفه الرئيس هو تحقيق الرفاهية وحياة حرة وكريمة للأفراد والمجتمع. حينها يمكننا القول إن النظام الرأسمالي ليس نظاماً اقتصادياً. ونتيجة ما يقوم به من استغلال واحتكار فإنه مضاد لروح دور الاقتصاد في حياة المجتمع.

في هذه الناحية كان طرح القائد عبد الله أوجلان وتحليله ثورة فكرية في مجال علم الاقتصاد. ففي مرافعته “سوسيولوجيا الحرية” يقول: “الاقتصاد يشكل العملية التاريخية للمجتمع، لا يمكن لأي شخص (السيد، رب العمل، المزارع والعامل) والدولة أن يكونوا ذوي دور في عملية الاقتصاد. مثال الأم التي تشكل مؤسسة تاريخية اجتماعية لا يمكن لأي رب عمل، سيد، عامل وقروي ومديني أن يقوم بتقديم الأجر المقابل لما تقوم به من عمل. لأن الأمومة تعتبر من العمليات الأكثر صعوبة وأهمية في المجتمع، إنها تقوم باستمرارية الحياة. إنني لا أتحدث فقط عن إنجابها للأطفال، إنني أرى أن الأمومة ظاهرة ثقافية وهي في حالة عصيان دائم، إنها صاحبة عملية ذكية وأنا أقيمها بنظرة واسعة. والشيء الصحيح هو النظر بهذا الشكل.

حينها إذاً ترك عملية المرأة الصعبة، القسر، المتنورة بالقلب والعقل والمنتفضة بشكل دائم دون أجر والتعامل معها معاملة الكادح الذي لا أجر له، له علاقة مع أي وجدان وعقل؟ الماركسية التي كانت أقرب إيديولوجية من الكادحين، لم تضع جهد المرأة وما شابه من الفئات الاجتماعية في إطار العمليات ذات القيمة ولو أنها دون أجر. حيث عملت على وضع رب العمل كحجر الزاوية لعلم الاقتصاد. هذا الشكل من الرؤية كيف يمكن أن يقدم حله على أنه حل اجتماعي؟ من هنا نصل إلى نتيجة أن الاقتصاد السياسي لماركس يعتبر الاقتصاد السياسي للبرجوازية. يعني أن هناك حاجة لنقد ذاتي كبير بهذا الصدد.”

في الحقيقة نقد القائد أوجلان لماركس وتشخيصه بشأن كيفية اقترابه من جهد المرأة يؤكد لنا أنه هناك حاجة للبحث في علم الاقتصاد برؤية متحررة من كل النظريات السائدة. لأن هذه النظريات بدلاً من أن تخدم حرية المرأة والطبقات الفقيرة والكادحين، نرى أنها خدمت المحتكرين. والإفلاس الذي تعرضت له الاشتراكية المشيدة ليس إلا نتيجة لهذه النظريات القاصرة والعاجزة عن تحليل الوضع الاجتماعي والاقتصادي الموجود بشكل سليم وموضوعي. فعلم المرأة مخول بالبحث في هذا المجال لأن المرأة تعتبر من أكثر الفئات الاجتماعية المتعرضة للظلم والاستثمار في هذا المجال.

٧- علم السياسة

يعتبر مصطلح علم السياسة من المصطلحات التي تتم المناقشة عليها. لأنها مثلها مثل الكثير من المصطلحات التي تم تحريفها وربطها بالدولة والسلطة والمدينة وغيرها من المصطلحات، إلا أننا ومثلما نقوم بتعريف الكثير من العلوم من جديد، على علم المرأة أن يقوم بالتوقف ملياً على هذا العلم أيضاً، ولو أن النظام الذكوري يحاول طبع السياسة بطابعه وتعريف نظام إدارة الدولة بالسياسة إلا أن ما يتم القيام به من قبل الدولة ليس سياسة بل إدارة، بما أن الدولة لا تهتم بما هو في صالح المجتمع فهذا يعني أنه لا يمكن تسيير السياسة اعتماداً على الدولة، لأن المسائل المتعلقة بالديمقراطية والحرية والمساواة يتم عرقلتها من قبل الدولة، فالدول تعني القواعد والقوانين في حين السياسة تعني الإبداع، الدولة تقوم بإدارة الموجود في حين السياسة تنشئ وتدير. الدولة هي حرفة في حين السياسة تعتبر فناً. السياسة هي القيام بأفضل الأعمال، والذي يعني بذل الجهد من أجل الحصول عليها، وهذا بحاجة إلى البحث، إلى المعرفة والعلم والتعرف بشكل جيد على الأعمال التي تمس مصالح المجتمع. عندما نبحث في التاريخ نرى أن النساء قمن بشكل دائم بتحقيق ما هو في صالح المجتمع، ولن يكون من المبالغة القول إن أول من اهتم بمجال السياسة هي المرأة، لأنها وبحكم أنها مسؤولة عن نشأة الأطفال وأمنهم، وتغذيتهم وكل ما يتعلق بحياتهم فإنها مضطرة لممارسة السياسة، فإنها ومن أجل القيام بإدامة حياة أطفالها، عليها أن تبحث في أفضل الأعمال وأن تبدع في كيفية تحقيقها.

إن إضفاء القدسية على النساء في العصر الحجري الحديث وقيام النساء بدور الآلهة في ذلك الوقت يعود إلى ما كن يقمن به من دور إيجابي في حياة المجتمع. بعد أن تتطور الدولة والسلطة والطبقية، نرى أن دور السياسة يهمش، لأن النظام الذكوري يقوم بتطوير الدولتية والسلطوية والطبقية والعنف في المجتمع، يتم طرد المرأة من النظام الإداري المشترك، ففي الأساطير يتم التوقف على كيفية قيام الإله الرجل بطرد الإلهة إينانا من مجلس الآلهة بعد أن عملت على إعادة ما سرقه الإله أنكي من مدينتها. والذي يعبر عن أنه بتطور الدولة من قبل الرجل نرى أنه ومع الزمن يتم إخراج المرأة كلياً من مراكز صنع القرار ويتم إدارتها من قبل الرجل كأي مؤسسة أخرى لا حول لها ولا قوة. وإذا ما بحثنا في الحكومات الموجودة نرى أن المرأة مازالت خارج مجلس الآلهة الرجال ومازالت مهمشة. لأن الدولة تفتقر للديمقراطية وللحرية وللمساواة فإنها فقط تدار من قبل نخبة.

إن نسبة النساء في الوزارات في أكثرية البلدان في العالم ليست أكثر من 1- 3 %، والذي بدوره يؤكد على انعدام الديمقراطية والمساواة في آليات الإدارة الموجودة. بعد أن تم تطور النظام الجمهوري، طرأت بعض التغييرات على نسبة مشاركة النساء، ولكن هذه التغييرات مازالت شكلية واستغلال المرأة من الناحية السياسية مازال مستمراً. تعمل قوى الحداثة الرأسمالية بكل ما لديها من إمكانيات من أجل استثمار قوة المرأة وقدراتها في سبيل إطالة عمر سلطتها واستعمارها. فتقوم بخداع النساء بشكل أو بآخر لتحصل على أصوات النساء في الانتخابات، ونتيجة افتقار النساء للوعي السياسي نرى أنهن تنتخبن الرجال وتساهمن وبشكل موضوعي في ترسيخ الدولة والسلطة والذكورة.

من هذا المنطلق تعتبر السياسة من المجالات الأساسية التي يجب أن يتوقف عليها علم المرأة. كذلك من الأهمية التوقف على علاقة الدولة، السلطة، الرأسمالية بما تعانيه المرأة من اضطهاد جنسوي. وبما أن السياسة تعتبر فن الوصول إلى أفضل الأعمال، إلى الحرية والمجتمع الكومينالي حينها يجب على المرأة أن تتعمق في هذا المجال وأن تؤسس آلياتها السياسية الخاصة بها من أجل تحقيق نضال ناجح ضد النظام الذكوري بكل ماهياته.

٨- علم السكان

تقوم الدولة القومية والحداثة الرأسمالية بتقييم المرأة على أنها شيء أو مادة يمكن أن تستخدم كيفما تشاء من أجل ترسيخ هيمنتها وسلطتها على العالم. ومن أجل الحصول على أيدي عاملة رخيصة، وجيش يقوم بالنهب والاحتلال، يتم وضع ولادة الأطفال تحت هيمنتها. فيتم الترويج عبر وسائل الإعلام وعن طريق رجال الدين والأطباء والدساتير من أجل منع عملية الإجهاض أو تحديد النسل. وبالرغم من أن المرأة هي التي تتحمل كل أعباء الحمل ومسؤولية تربية الطفل وكل حاجاته المادية والمعنوية فإن قرار إنجاب الأطفال يعطى من قبل الرجل، من قبل الدولة، من قبل الدساتير والتي تكون معظمها تحت هيمنة الرجل. فالمرأة ليس لها أي حق على بدنها، إنها تستخدم كمصنع ليس إلا. بالطبع هذه الممارسات الجنسوية بقدر ما تؤذي بدن المرأة تحطم من إرادتها وحقها في إعطاء القرار بحق ذاتها. إن مشكلة كثرة عدد السكان في العالم أدت إلى مشاكل اجتماعية وبيئوية فظيعة. ارتفاع نسبة الفقر، البطالة، المرض، الجهل، العبودية والأزمة الموجودة في العائلة وصلت إلى حالة سرطانية. لذلك ومن أجل معالجة هذه المشكلة التي تمس المرأة قبل كل شيء من الناحية المعنوية والمادية، هناك حاجة إلى أن يتوقف عليها علم المرأة وأن يقوم بدراستها وتطوير طرق الحل من أجلها.

٩- علم الإلهيات

لقد شكلت المرأة بدءاً من الأساطير، المعتقدات، صحف وكتب كل الأنبياء إحدى القضايا الأساسية التي تم التوقف عليها. ولأن جميع الآيات والأقوال والمبادئ الأخلاقية والأوامر وضعت أو قيلت أو نقلت من قبل الرجال وتم تفسيرها وتقييمها أيضاً من قبل الرجال، هناك حاجة لتقييم جديد ولتفسير جديد. ليس هذا فحسب إن الممارسات الجنسوية التي تتعرض لها المرأة من قبل الرجل يتم منحها المشروعية اعتماداً على تلك الآيات، الأقوال والسور والأوامر، ولأنها تنعكس على أنها أوامر إلهية فإن النضال ضدها والتعامل معها ومناقشتها يكون أمراً شائكاً للغاية. لأن أي نقد، أو أي تفسير مخالف، يتم تقييمه على أنه كفر ويجب معاقبته بأشد الأشكال. بالطبع النظام الذكوري يكون من أكثر المستفيدين من هذا الوضع، لأنهم يشرعون كل ما يقومون به من اضطهاد وعنف ولا عدالة ولا مساواة ضد المرأة اعتماداً على شريعة الله. حتى النساء أيضاً يقبلن بالكثير من هذه الممارسات على أنه أمر إلهي ويجب ألا تتم معارضته. فأحياناً قبل الرجال تقوم النساء بحماية تلك الآيات، الأحاديث والأوامر وهذا يعبر عن خطورة الوضع.

من أجل أن يتم الوصول إلى رؤية سليمة وتفسير سليم لكل ما تم قوله بحق النساء من قبل الكتب السماوية وغيرها من المعتقدات، يجب على علم المرأة أن يعطي أهمية خاصة لهذا المجال. لأن نقطة الانكسار بالنسبة للمرأة أو نقطة الانعطاف تبدأ من تلك الفترة. فبقدر ما يتمكن علم المرأة من تحقيق التقييم التاريخي والموضوعي لهذه الناحية، فسيتمكن من تسليط الضوء والكشف عن الكثير من العقد والهالات السوداء التي تحيط بالمرأة في مجتمعنا. هذا وبالإضافة إلى ذلك الابتعاد عن الرؤية الوضعية والمادية البحتة في هذا الموضوع يعتبر أمراً حياتياً من أجل الوصول إلى الحقيقة.

١٠- علم الأخلاق وعلم الجماليات

قديماً وقبل أن تتطور العلوم الوضعية، كان كل من علم الأخلاق وعلم الجماليات مندمجين مع بعضهما البعض، لأنه لا يمكن أن يتم البحث في الجمال دون ربطه بالناحية الأخلاقية والعكس صحيح. ولكن بعد أن تطورت العلوم الوضعية تم تجزئة طرق البحث والعلوم ليتم الفصل بين هذين العلمين أيضاً. أي تم انفصال الجمال عما هو صحيح أي عن المقاييس الأخلاقية. ففي حين كان يتم قديماً تقييم الجمال الطبيعي في العالم على أنه يعبر عن الإخلاص والصحة الأخلاقية، وأنه كما أن المقاييس الصحيحة والانسجام يخلق جمال الموسيقا، الخطوط الصحيحة في الوجه والمقاييس الصحيحة تؤدي إلى جمال الأثر الفني. فالفضيلة الموجودة في الإنسان هي انعكاس الجمال والانسجام الموجود في الطبيعة والكون. لكن في الوقت الراهن وخاصة في ظل الحداثة الرأسمالية نرى أن هناك هجوماً كبيراً على كل من الأخلاق والجمالية. وتم تحقيق الصناعوية في هذين المجالين بحيث لا يمكن أن يتصوره الإنسان. إذا ما قمنا بالبحث ولو قليلاً يمكن التعرف على هذه الحقيقة بشكل واضح.

يقول القائد أوجلان: “إن الأخلاق تعتبر الضمير الجماعي أو المشترك للمجتمع”. لأن الأخلاق هي مجموعة من القواعد التي توضع من قبل المجتمع من أجل تحقيق حمايته، وحدته وتلاحمه. الأخلاق تعين هدف الفرد في الحياة، ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية تعتبر الأخلاق الطريق الذي يجب أن يسلكه، وهي نظام القيم الذي يقوم الفرد بالعمل بها أثناء الفعاليات التي يقوم بها. الأخلاق كعلم تقوم بالكشف عن نظام القيم هذه وتقوم بالعمل على تعريفها.

إنها العلم الذي يقوم بالبحث عما يقوم به الإنسان ويعمل على الحصول على ما هو صحيح وما هو خطأ. إنه يعتبر فرعاً من فروع الفلسفة وعلماً في الوقت نفسه. لقد كان للمرأة دور أساسي في وضع القواعد الاجتماعية في فترة المجتمع الطبيعي. الدور الاجتماعي للمرأة وخاصة دور الأمومة كان له تأثير كبير في وضع القوانين ضد التصرفات التي كانت تمزق النسيج الاجتماعي للكلان (أي القبائل البدائية) فتم تحريم الكثير من التصرفات ليتم تحولها مع الزمن إلى قواعد أخلاقية يقوم كل فرد بتطبيقها بشكل طوعي.

إلا أنه وبعد تطور السلطة الذكورية تم الهجوم وفي البداية على تلك القواعد الأخلاقية التي كانت تحمي المجتمع، حيث تم قتل الإنسان في سبيل الجشع المادي والذي كان يعتبر أكبر جريمة أخلاقية، هذا وتم تحويل النساء إلى عاهرات في المعابد السومرية وتم الهجوم على الطبيعة بما فيها الأشجار والحيوانات في سبيل ربح أكثر. وفي ملحمة كلكاميش يمكن رؤية هذه الحقائق بشكل واضح.

لم يقتصر الوضع على هذا الشيء بل ومع الأديان التوحيدية تم تحويل بدن المرأة إلى إثم، حيث تم وضع جسدها وذهنها وعواطفها تحت مراقبة وتحكم الرجل. هذا وتحولت المرأة من قبل الرجل إلى ملُك يتحكم فيه، وتحت اسم الشرف والتقاليد الاجتماعية تمكن الرجل من الاستيلاء على قدرة التحكم بكل ما هو عائد للمرأة. فيتم قتل الآلاف من النساء يومياً بحجج مختلفة. هذا وبقدر ما تم إضمار وإضعاف القواعد الأخلاقية من قبل النظام الذكوري تم تطوير الحقوق والقوانين الرسمية ليشرع بذلك ما يقوم به من جرائم وضغط. فالقوانين الحقوقية التي ظهرت مع تطور النظام الذكوري في العصر السومري والتي مازالت مستمرة حتى يومنا الراهن لم تقم سوى بحماية حقوق الرجل ضد المرأة، حقوق الأغنياء ضد الفقراء وحقوق الدولة ضد المواطنين. فالرجل الذي يقتل زوجته يتم تخفيف عقابه أو حتى يتم الإفراج عنه لأنه وعلى حد قول الحكام (قام بحماية شرفه)، في حين المرأة التي تقتل الرجل الذي قام بالاعتداء عليها يحكم عليها بالسجن المؤبد كما حصل في تركيا في الفترة الأخيرة.

الوضع المزري الذي تعيشه الأخلاق يؤثر وبشكل مباشر على المقاييس الجمالية في المجتمع. إن تحول اللسان إلى كلمات مبهمة، والأدب إلى دوامة من العشق الفاشل، والشعر إلى ثرثرة فارغة، والرسم إلى بقع من الألوان، والتماثيل إلى كتلة من الأحجار المصقلة والموسيقا إلى ضجة يؤكد ما يعانيه علم الجمال من أزمة روحية.

الأستَتيك (علم الجمال) باللغة اللاتينية يعني قمة الشعور أو الإحساس. ولأن الفن يعتبر نتاجاً إبداعياً عن قوة الشعور الموجود لدى الإنسان فإن علم الجمال (الأستَتيك) يشكل فرعاً من الفلسفة يقوم بالبحث في الشيء الجميل. هناك هجوم عارم على الثقافة وعلى الإنسان عن طريق الفن ويتم العمل على القضاء على أذهان الناس عن طريق صناعوية الفن والثقافة. بما أن المنطقة الحساسة في ذهن الإنسان هي قوته التوحيدية، الفن الحديث والذي يتم تطويره وبشكل مبرمج من قبل قوى الحداثة الرأسمالية يهجم على هذه الموهبة ويقضي على المكملية الموجودة في المعرفة الحسية لدى الإنسان كما يعيق تشكيل وتطور القيم الجمالية المرتبطة بأخلاق الحرية في المجتمع.

بما أن المرأة كانت في المجتمع الطبيعي مؤسسة للقواعد الأخلاقية فهي كانت في الوقت نفسه مؤسسة لقيم الجمال أيضاً. ولأنها كانت رمز القدسية والمجتمعية فإنها كانت رمز الجمال أيضاً. ولأن السعادة، الفضيلة، الولادة، البركة كانت تعبر عن الشيء الجيد والصحيح، وبما أن الجيد يكون بنفس الوقت جميلاً وجذاباً فإن المرأة كانت ملتحمة بالقيم الجمالية في ذلك الوقت. ولكن بعد الانحطاط الأخلاقي وبعد الهجوم على القيم الأخلاقية التي تمثلها المرأة، تم فصل المرأة عن القيم الجمالية أيضاً. حيث تحولت المرأة مع الزمن من قبل النظام الذكوري إلى رمز للرذيلة بدل الفضيلة، ورمز الشؤم بدل السعادة ورمز العقم بدل الولادة أو الإبداع، لتتحول من الناحية الجمالية أيضاً إلى رمز القبح بدلاً من الجمال.

واستخدام المرأة في الوقت الراهن بأشنع الأشكال في مجال الثقافة والفن هو انتقام النظام الذكوري من القيم الأخلاقية والجمالية التي كانت تمثلها المرأة. حيث يتم استخدام المرأة بأقبح الأشكال من أجل القضاء على الناحية الحسية والإبداعية لدى الإنسان. فتتحول المجتمعات إلى قطعان دون إرادة ودون قيم أخلاقية وجمالية تسير وراء الجشع المادي للنظام الذكوري. من كل هذا نرى أن هناك حاجة ماسة لتطوير كل من علم الأخلاق وعلم الجمال اللذين يتم إهمالهما بشكل مقصود من قبل الحداثة الرأسمالية وعلمائها، وسيكون من الضرورة أن يعمل علم المرأة على تحقيق التلاحم والانسجام من جديد بين الأخلاق والجمال لأن التكامل والوحدة المطلوبة يمكن أن يتحققا بهذا الشكل.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق