ثورة روج آفا مسيرة تحرير وعطاء

ثورة روج آفا مسيرة تحرير وعطاء

سرفراز شباب

يمكن تعريف ثورة روج آفا بأنّها ثورة كرد سوريا بمعايير عصريّة، ثورة أصيلة ذات أبعاد وطنيّة بامتياز، فلم تنغلق على ذاتها وتأسرها النزعة القومويّة، واستقت قوتها من مناهل الفكر الديمقراطيّ، لتكون رائدة التغيير وترسم معالم مستقبل أفضل لسوريا ديمقراطيّة تعدديّة وتكون دعوة مفتوحة للحوار الوطنيّ، والبندقية المصوّبة إلى صدر الإرهاب.

الثورة هي حالةُ انقلابٍ أو رفضٌ عمليّ لواقعٍ فاسدٍ أيّاً كان شكلُ الفسادِ، فقد يكون احتلالاً أجنبيّاً أو نظاماً استبداديّاً أو واقعاً متخلفاً، وبالتالي لا تنحصر الثورة في السعي إلى إسقاط نظام سياسيّ أو تبديل الشخصيات، بل تتجاوز ذلك لتكون مرحلة مفصليّة، تقطع العلاقة مع الماضي بكلِّ تفاصيله وتُدشّن مرحلةً كلّ ما فيها جديد، المسألة في الثورة أنّك لا يمكن أن تعيشَ الثورة وتحمل في أعماقك الولاء للماضي، بل تتطلع بكلِّ ثقة إلى الحاضر وتستشرف آفاق مستقبل أفضل، وبالتالي هي إحداثُ تغييرٍ جذريّ في مختلف جوانبِ الحياة.

الإنسانُ أداةُ الثورة وهدفُها.

الثورة مفهوم غير قابل للاجتزاء، فتطالُ جانباً من الحياة وتتجاهل آخر، تستجيبُ لمطالبِ فئةٍ وتتعامى عن أخرى، وعندما تكون الثورة على نظامٍ استبداديّ شموليّ فمن المهمِ التخلّصُ من كلِّ عوامل الخوف والعوائق التي تمنعُ تحقّقَ الشخصيّة، وإظهارُ كلِّ مفرداتِ الشخصيّةِ الثوريّةِ النضاليّةِ التي تتحلّى بالشجاعةِ والإقدامِ وحُسنِ المبادرة والثقةِ بالذاتِ والصدقِ ومطابقةِ العملِ مع الشعارِ المطروحِ، وبذلك تصبحُ مؤهلةً لتكونَ القدوةَ القادرةَ على قيادةِ الجماهير والمستعدّة لافتداء غايات الثورة النبيلة، وبالتالي فالثورة بالمحصلة يجب أن تفجّر كلَّ الطاقات الكامنة والقدرات التي طالها القمع فتمَّ كبتُها, وبذلك تخلقُ بيئة جديدة خليقةً بأن ينمو في رحابها الخير ويتفتح الإبداع، وهنا نجد أنّ الثورة تنطلق من أعمق ما لدى الإنسان وأعزِّ ما لديه من مشاعر وأنبل الأحاسيس، وليكون الإنسانُ نفسَه، بعد طول الغيابِ والتغييبِ.

من أهم الأسبابِ التي أدّت إلى سقوطِ الثورةِ السوريّةِ رغم حيازتها عوامل الشرعيّة والأسباب الموضوعيّة والذاتيّة للثورة، أنّها لم تنطلق من بناء الشخصيّة الثوريّة المؤمنة بالتغيير، فالإنسان هو أداةُ الثورة وهدفُها. وبقيت الثورة أسيرة التناقضات الجوهريّة في بنيتها، فأضاعت البوصلة لتكون السلطة هدفها بدلاً من الوطن والمواطن، ولم تستند لنظرية ثورية واضحة توضّح أهدافها وآلياتِ التغيير، فيما غابت الرؤية الاستراتيجية، وعجزت عن فهم علاقات النظام وتحالفاته، ولم تكن تركيبة أقطاب المعارضة منسجمة بل جمعت بين أفراد من خلفيات مختلفة لدرجة التناقض، تجمعها عوامل الحقد والكراهيّة والرغبة بالانتقام والتنافس على السلطة، فالبعض كان من نموذج المعارضة التقليديّة بخلفيّة دينيّة كالإخوان المسلمين الذين قدّموا مصالحهم على ولائهم للوطن، وقد منحهم وجودهم خارج البلاد مرونة في الحركة وتماهوا مع توجّهات حكومة العدالة والتنمية، واحتكروا مفاصل المعارضة وقرارتها ما أدّى إلى إقصاء القوى الديمقراطيّة. وبقيت الثورة أسيرة الشوارع دون الارتقاء إلى مأسسة الحراك الشعبيّ، ومضت إلى العسكرة، ودخلت الثورة إلى المدن والأرياف عنوةً وحوّلتها إلى ميادين صراعٍ مسلحٍ، وكانت تلك الخطيئة الأكبر التي تسبّبت بكارثة إنسانيّة وتبعات خطيرة أفقدتِ الثورة حاضنتها الشعبيّة.

الكثيرون من أقطاب المعارضة تمّت صناعتهم إعلاميّاً كانوا يظهرون على الشاشات ويتحدثون عن الفساد الإداريّ مستندين إلى روايات وتجارب شخصيّة لم ترتقِ للمستوى الوطنيّ، واستخدموا لغة طائفيّة فئويّة، فاختزلت الجماهير والأفكار، وعملوا على تجييش المشاعر وتأليب الناس وتحفيزهم على الخروج للتظاهر والصراخ في الشوارع.

كما افتقرت قوى الثورة والمعارضة إلى فلسفة ثوريّة قادرة على صياغة النظريّة الثوريّة وعجزت عن قراءة بنية النظام العالميّ وعلاقاته وطبيعة تحالفاته والعمل بواقعيّة، وتغلبت مظاهر التشتت والتفرقة على الآخرين. إضافة إلى شخصيات علمانيّة تائهة في أوروبا، ونمطٍ تمّ إغراؤه أو تهديده أو تمّت صناعته إعلاميّاً، فيما ظهرت شخصياتٌ مشكوكٌ بوطنيّتها ممن انقلبت على النظام فجأة بعدما كانت شريكاً له في الوصاية والفساد وأرادت أن تحجز مكاناً في مركب النجاة بعد غرق سفينة النظام، وأخيراً نمطٌ أرادته الدول الإقليميّة والعربيّة أن يكون ممثلها داخل جسد المعارضة وقوى الثورة إذ تربطها بهم علاقاتٌ خاصّةٌ. كما تمّ إقصاء الكوادر والشخصيات الوطنيّة المعروفة، ما منح النظامَ المبادرة للتحكّم بالصراع استناداً إلى أخطاء المعارضة وارتهانها لأجندات خارجيّة وقناعاتٍ لا يؤمن بها الشعب السوريّ.

كان تخيّلُ نجاح الثورة وتحقيقُ أهدافها ضرباً من المُحال، إذ ليس من السهل تغييرُ نظامٍ راسخَ البنيان وطيد الأركان يستند لمنظومة أمنيّة دقيقة، عن طريقِ جموعِ من الناس تخرجُ للشوارع على عجلٍ في مسيراتٍ استعراضيّةٍ لبضع مئات من الأمتار وقد تمّ تلقينهم شعارات طائفيّة مذهبيّة ضيقة فراحوا يرددونها ببغائيّاً، ولم تكن تلك المشهديّة كافية لتعكس حقيقة الثورة، ولكن الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام فعلت فِعلها، ودُعمت بمواقفَ تأييدٍ سياسيّة من حكوماتٍ ودولٍ مختلفة، وإلا فماذا كان يعني رفع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” بعد عقودٍ طويلةٍ من التصفيق؟ ألم يكن من الأجدى أن يصدح الشعبُ بشعاراته ومطالبه بلغةِ المتكلم فيقول بأعلى الصوت “نريد إسقاط النظام” ليكون وجوده مقترناً بحضور إرادته؟ ألم تؤكّد صيغة الشعار غيابَ الإرادة؟

الأغرب من كلّ ذلك أنّهم طالبوا بإسقاط النظام دون تصوّرٍ للبديل، ولا حتى تبني آليات التغيير، فكلّ القضايا بما فيها المسائل المعيشيّة اليوميّة مؤجلة بانتظار إسقاط النظام، ولم تهتم الثورة لقطع الطرقات والأزمات الخانقة جرّاء تعطيل الحياة وكانت مستعدة منذ البداية للتعاون مع جهات الدنيا الأربع واستقدام المرتزقة في سبيل تحقيق هدف إسقاط النظام، وبذلك ناصبت العداء لأطياف السوريين الذين لم يُستدرجوا إلى العسكرة، لا بل إنّ الاستهداف المسلّح لمناطق سوريّة وبعض المكوّنات كان هدفاً أساسيّاً، فالثورة التي وقعت أسيرة سلطان العثمانيّة الجديد لم يسعها أن تفهمَ أنّ إسقاط النظام لا يمرُّ عبر الكرد والهجوم على مناطقهم.

وعي الثورة من أهم عوامل نجاحها

وعي الثورة من أهم العوامل التي تسهم في نجاحها، ذلك لأنّ الوعي هو المعوّل لتصحيح مسارِ الثورة من الشططِ عندما تخرجُ عن أهدافها، وهو الذي يحفظها من التخبّط، ويضمن عدم انقلابها على نفسها، ولأنّ المرحلة المعاشة خلال الثورة هي مخاضُ التغييرِ وهي على درجةٍ كبيرة من الحساسيّة، ولربما تقعُ أخطاءٌ هنا أو هناك في سياق إحداث التغيير، ولا يمكن بغير الوعي ضبط إيقاع الثورة وعدم ارتهانها لقوى خارجيّة. فالعالم لا يغفل عن الثورة، وهو إن كان يقيم علاقات جيدة مع النظام السابق، يبادر عندما يرى أنّه يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الثورة، للترحيب بالثورة والإقرار بها رغبة في استمالتها واستيعابها، إذ يخشى على مصالحه عندما يصبح النظام العام في البلد في عهدة أيدٍ وطنيّة.

في غفلةٍ عن الزمن وفي موعدٍ لا يتوافق مع التوقيت المحليّ تناقلَ العالم أنباءَ ثورةٍ شعبيّة في تونس، ولم تمضِ أيام قلائل حتى كان ميدانُ التحرير وسط العاصمة المصريّة ممتلئاً عن بكرة أبيه بالمتظاهرين، على أنّ كلتا الثورتين نجحتا في تغيير النظام، وغدا ما حدث في تونس ومصر نموذجاً أبهر العقول وأخذ بالألباب، فتراءى للمواطنين في كلِّ بلد عربيّ أن تغيير نظام الحكم ممكنٌ عبر الوصفةِ السحريّة، المتمثلة بالتظاهر وترديد الشعارات.

من أولى أخطاء الثورة السوريّة أنّها لم تستند إلى وعي كافٍ يراعي الخصوصيّة السوريّة حيث تعددُ المكوّنات واختلاف التاريخ وطبيعة التحالفات والعلاقات السياسيّة، فتمّ استنساخُ التجربةِ التونسيّةِ أو المصريّةِ، وكان واضحاً للعيان منذ البداية صعوبةُ المطابقة، فالبوعزيزي السوريّ كان باهتاً ولم يكن هناك ميدانُ تحريرٍ في سوريا، وربما لا يدرك “ثوار سوريا” أنّ من أسقط  زين العابدين ومبارك لم يكن الحراكُ الشعبيّ، بل رفعُ الغطاءِ الأمريكيّ عنهما، وهذا عاملٌ غير متوفرٍ في الحالةِ السوريّة، وتجاهلت الثورةُ السوريّة طبيعةَ النظام السياسيّ في سوريا الذي يعتمد بدائل أخرى في تحالفاته، ولم تدرك أنّ أصدقاء النظام لن يتخلوا عنه. ومن الطبيعيّ أنّ  ثورةً لا تدرك على من انقلبت أن تصبح ألعوبة بيد قوى إقليميّة، فتلاعبت بشخصياتها، وبالتالي استهلكت الثورة كلَّ شعاراتِها سريعاً، وتحوّلت البلاد إلى ساحاتِ حربٍ مفتوحة على ذمةِ أجندات أُقحمت قسراً في الميدان السوريّ، وتحوّلت إلى معاول تهدِم بنيان المجتمع وتحيله خراباً، ولكنّ البعض ظلَّ يعاند متمسكاً باسم الثورة.

الوعي المجتمعيّ الذي تنجم عنه ظاهرة خروجُ الشعب إلى الساحات لتحقيق غاية مباشرة هي “التغيير”  يُعتبر فعلاً ثوريّاً بكلِّ ما للكلمة من معنى، وذلك لأنّ الشعبَ كان الغائب الأكبر والأساسيّ في الفعل السياسيّ السوريّ العام، ولطالما اتّصف المجتمع السوريّ بالمجتمع المدنيّ الغائب والمغيّب. وبالعودة إلى التاريخ السوريّ الحديث ما بعد الحقبة العثمانيّة حيث ظهرت بوادر ودلالات الفعل الثوريّ قبل الانتفاضة الجمعيّة السوريّة على شكلِ انقلاباتٍ عسكريّةٍ فئويّة تنافست على السلطة بعد جلاء الاستعمار الفرنسيّ، ووقتها لم يكن الشعب السوريّ حاضراً للمشاركة في الفعل الثوريّ، بل كان حضوره رمزيّاً وإجماليّاً أكثر منه حضوراً حقيقيّاً وفاعلاً، وهذا يعيدنا إلى التساؤل عن طبيعة التحرّر الذي ناله الشعب السوريّ وشعوب الشرق الأوسط خلال تلك المرحلة.

الثورة السوريّة سقطت في فخِّ طلبِ السلطة

يمكن القول: إنّ ما حدث في سوريا كان إرهاصات ثورة جماهيريّة توفّرت كلّ أسبابِها، ورغم التحفظ على شُبهة التوقيت، إلا أنّها استوفت شرائطها من أجل التغيير وإنجاز التحوّل الديمقراطيّ وحلّ كلّ القضايا المجتمعيّة وفي مقدمها قضية كرد سوريا، ولم يكنِ الموقف في روج آفا مخالفاً لإرادة الشعوب السوريّة بالتغيير، ولكنها لم تكن في وارد الارتجال، فآثرت أن تتوقف وتستعرض مجريات الأحداث وتقرأها بتمعنٍ واستفاضةٍ.

كانت أشهر قليلة كافية لاختبار الثورة السوريّة، التي اتخذ قادتُها المفترضون من استنبول مقرّاً لهم وأسّسوا ما سُمّي بمجلس سوريا الوطنيّ ثم تحوّل فيما بعد إلى مجلس الائتلاف الوطنيّ، وعلى طول مسار الأزمة السوريّة لم يبدر من أقطاب هذا التجمّع المعارض ما ينبئُ أنّه يسعى لإيجاد التغيير الديمقراطيّ الذي يليق بالسوريين وطموحاتهم، بل كان على الدوام المتحدث العربيّ لأجندة أنقرة السياسيّة والمبررَ لسياسة تدخّلها في سوريا، وعلى هذا النحو انحسر المدُّ الثوريّ وتراجعت الآمال، وبدا واضحاً أن ما يحدث يسير وفقَ خطة تمّ الإعدادُ لها مسبقاً، وأنّ المطلوب الاستيلاء على السلطة وتغيير التموضعِ السياسيّ لسوريا، وأنّ سعيَ شخصيات المعارضة رهنُ إراداتِ الدولِ التي تمدّهم بالمال ولا يتصل بمصالح السوريين، فسقط الحراكُ الثوريّ في هوةِ الفوضى، وغابَ البعدُ المجتمعيّ للثورةِ بالتزامن مع التصعيد الميدانيّ وفوضى السلاح فيما اصطلح على تسميته عسكرة الثورة، وكانت إدلب ميداناً مهماً للتحوّل للعسكرة وانتهاء السلميّة، إذ شهدت جسر الشغور حادثة قتل وذبح عشرات من عناصر الأمن، ودخلت “الثورة” إلى خط اللاعودة، ومع بروز ظاهرة الجهاديّة الإسلاميّة وسيطرةِ مجاميع المرتزقة على أجزاء كبيرةٍ من الجغرافيا، اختفت الشعارات الوطنيّة وتراجعتِ الدعوةُ إلى إصلاحِ المؤسسات وانتشالها من الفساد ليكون مجرّد الحياةِ هو المطلب الأساس للناس، وهنا بدأت أفواج الناس تهيم على وجهها عابرة الحدود، وجاء هذا التحوّل في مصلحة النظام الذي دأب على إنكار الثورة وتبنّي نظرية المؤامرة والمندسين الذين يرتكبون أعمالاً إرهابيّة، فرفع تهمة استهداف عناصر الأمن للمتظاهرين السلميين، وتوفّرت الحجّة لتبريرِ الردِّ بعنفٍ، وصولاً لتدخّل الحلفاء لمحاربة الإرهاب.

تمّ التوقف مليّاً على مجريات الثورة السوريّة اعتباراً من انطلاقها في محدوديّة الجغرافيا ومن ثم اتساعها لتحظى بمزيدٍ من الزخم وتُعقدُ عليها الآمالُ وفق الشعاراتِ المرفوعة على أنّها ثورةٌ لكلّ السوريين، ولكن سرعان ما تحوّلت لحربٍ على الهوية بعد أشهر معدودة، فخسرت حاضنتَها السوريّة الوطنيّة، وانحصرت في حاضنة مذهبية قومويّة.

كان من المفترض أن يكون الحراكُ الثوريّ مناسبةً لشراكة الكرد على اعتبارهم أكثر الفئاتِ السوريّةِ معاناةً من النظامِ الشموليّ وذاقوا ألم الصهرَ الثقافيّ والإمحاء وأقصى درجاتِ التغييبِ، وكان الكردُ على مسافةٍ قريبةٍ في الذاكرةِ من أحداث 2004 وأسلوبِ التعاطي الأمنيّ المبالغِ فيه مع انتفاضتِهم من أجلِ حقوقهم، ولكن تبيّن أنّ المعارضةَ السوريّة إنّما تريد أن تستثمر المظلوميّة الكرديّة في إطار هدفها بالوصول إلى السلطة، وقد وقع عددٌ من الأحزاب الكرديّة في هذا الفخّ، فتجنّبوا إطلاقَ أيّ مواقف تتصل بالقضية الكرديّة، على أنّها تثير مشاعرَ الأخوةِ العرب وتسيءُ إلى الثورة، وراحوا يرفعون شعاراتِ التعاطفِ والتضامنِ مع بلداتٍ ومدنٍ سوريّةٍ أخرى، وتناسوا واقعَهم وخصوصيّةَ قضيتهم ضمن القضية السوريّة ككلّ، واعتبارها قضية وطنيّة لا تنفصل عن قضايا السوريين. ويبدو أنّ تلك الأحزاب لم تكن قد خلُصت من تابعيّتها وتماهيها في أجندات شوفينيّة لا تقرُّ للكرد بأيّ حقٍّ.

 

لا نجاحَ للثورةِ ما لم تكن وطنيّة في منطلقها ومستقرها

لعل الثورةَ في أحد أهم معانيها هي تجسيدٌ لحالة خيارٍ سليمٍ بين ذهنيّتين، ومعيار صحّة الخيار هو الوطنيّة، فإمّا إرادةُ تجسيد الهوية والذات أو الانقلاب عليها بمسايرة العدو، وبالتالي فإنّ تصنيفَ كلّ حالات التموضع واختلاف المسميات تُشتقُ اعتباراً من الخيار، ووحده المنطلقُ الوطنيّ لا يحتاج تجميلاً وتبريراً إذ يستمدُ شرعيّته من أصحاب المصلحة فيه وهم الجماهير العريضة. وهنا محل اختبار كلّ حالاتِ المعارضة، وتسقط  المعارضة أخلاقيّاً وسياسيّاً عندما لا تجسّد الخيار الوطنيّ.

الذهنيّةُ الثوريّةُ ليست تسميةً اعتباطيّةً وليست حالةَ تقليدٍ أو تمثّلٍ لصراعٍ قديمٍ يتمُّ تجديدُه لتحقيقِ أهدافٍ سياسيّةٍ أو فئويّةٍ أو حزبيّةٍ عبر اقتناص فرصٍ طارئةٍ، بل إرادة تغيير جادّة لواقعٍ حياةٍ فاقدِ الصلاحيّة، كما أنّها لا تستمدّ زخمها من تراكمات نفسيّة وتاريخيّة معقّدة أو رغبة في الانتقام أو إقصاء آخرين، والماضي بالنسبة لها حالةُ اعتبار ودرس بليغ، ومن المهم أن تُحدد أبعادُ الثورة في أهدافها ومجالاتها وصياغة شعاراتها وفي توقيتها، ولا يمكن للثورة أن تكون مجرّد حالة استنساخ لتجربة ثوريّة أخرى في أدواتها وشعاراتها، ولن تنجح ثورة إلا أن تكون وطنيّة في منطلقها ومستقرها أي وطنيّة في قادتها وروادها وأدواتها وتصبَّ في مصلحة كلّ الجماهير  .

كانت مسألة الهوية الوطنيّة والانتماء الوطنيّ محل الاهتمام باعتبارها قضية أساسيّة في بناء المجتمع الديمقراطيّ، وتعني تأكيد توسيع الإطار الاجتماعيّ ليستوعب كلّ حالات التنوّع ويُسقط كلَّ أشكال الوصاية، وكأنّ يكون الانتماء الفئويّ أو الطائفيّ أو العرقيّ هو معيار الوطنيّة، ومن شأن حلّ هذه القضية أنّ توحّد الجهود كافة فيزيد النتاج وتتعزز المناعة ويضمن التوزيع العادل للثروات والتشاركيّة الاقتصاديّة، ونحقق الاكتفاء الذاتيّ، كما تتحقق معادلة الأمن في مستوياتها المتعددة، اعتباراً من حماية حياض الوطن ومروراً بالأمن الغذائيّ والاقتصاديّ ووصولاً للأمن الثقافيّ، وبذلك يتمّ الحوار مع باقي المجتمعات أيّ بعد تأكيد حالة الهوية والانتماء وإلا فقد الحوار عنصر النديّة،  إنّ أبرز المهمات الوطنيّة التي لا مناص من إنجازها هو العمل من أجل تشكيل الهوية الوطنية والمواطنة الحرّة.

كانت الحياة المجتمعيّة وضرورات الحياة اليوميّة أولى الضحايا في متغيرات الأحداث، وتمّ استهدافها مباشرة وتعطيلها، بسبب المغالطة في التقييم ومطابقة مفهوم الوطن والدولة والنظام، وأُريد عبر استهداف المؤسسات الخدميّة والمرافق العامة وقطع الطرقات تجفيف منابع قوة النظام ليُصار إلى إسقاطه، أي الإسقاط بالقوة، فيما كانت الرؤية مختلفة في روج آفا إذ وُضع نصب العين أنّ تحرير المؤسسات إنّما يعني إحياءها لتؤدّي عملها بالشكل الصحيح في الخدمة المجتمعيّة، وعلى العكس كان المطلوب رفع كفاءة المؤسسات الخدميّة، باعتبار أنّ غاية الثورة هي رفع المعاناة والظلم عن كاهل المواطن لا إضافة آلام جديدة وتعميق الأزمات، فكانت أولى الخطوات تشكيل مجالس شعبيّة تعكس حقيقة الواقع بمشاركة كلّ المكوّنات لتأكيد وجودها ضمن البناء المؤسساتيّ الذي سيتطور ليكون أساس الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة.

نتيجة حالة الفوضى التي سادت البلاد كانت حالة الفراغ من أكثر المشكلات التي طفت على السطح بداية الأزمة السوريّة وشملت كلّ جوانب الحياة الإداريّة، الاقتصاديّة، الأمنيّة، والقضائيّة، ولا يمكن متابعة مسير الحياة الطبيعيّة بدون جهة تفصل في القضايا والتنازع بين الأفراد، إذ أنّ ذلك يفضي إلى تجاوزات وتضييع الجهد الثوريّ، فشُكّلت لجان العدل لحلِّ القضايا الاجتماعية بعيداً عن مؤسسة الدولة الاحتكاريّة البيروقراطيّة، واتّحدتِ النساءُ من كافة المكوّنات في كلّ حي وقرية وبلدة لتشكّلن مجالسهن الخاصة ومشاريعهن الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعيداً عن استغلال مؤسسات السلطة، كما اجتمع المثقفون والمعلمون والفنانون والحقوقيون والأطباء والرياضيون والشبيبة وغيرهم من فئات وشرائح المجتمع المهمّشة في المنطقة ليشكّلوا البُنى الأوليّة والأساسيّة لاتحاداتهم ونقاباتهم بعيداً عن سلطة الدولة وبما يتناغم مع متطلبات الشعب التوّاق إلى حقوقه وحريته في البناء والتعبير.

ثورة روج آفا كانت ثورة المجتمع

من أهم ملامح التميّز وأسباب نجاح ثورة روج آفا أنّها قرأت الواقع السياسيّ والاجتماعيّ جيداً في سوريا، ولم تنطلق من فراغٍ، ولم تتبنَّ إسقاط النظام هدفاً أساسيّاً، بل إنجاز جملة تغييرات في بنية المجتمع السوريّ، إذ هي أدركت أن لا ثورة يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم يتلمس أبناء المجتمع حجم التغيير فيها، وأنّهم هدف الثورة، ولذلك كان اللافت توجّه الثورةِ إلى المرأةِ لتحرّرها من عِقال تخلف العادات والتقاليد المجتمعيّة والضغوط السياسيّة وقصور النص القانونيّ وشموليّة الوصاية، وليتحرّر بذلك نحو نصف طاقات المجتمع، وجعلت الشباب محرّك الثورة وجوهرها، ولذلك لم تكن ثورة روج آفا نموذجاً مستنسخاً لثورة أخرى، بل كانت ثورة وطنيّة، استجابت لضرورة المرحلة واستطاعت تعبئة الجماهير وتمكينها من تنظيم نفسها ذاتيّاً لتؤديَ كلُّ فئة مجتمعيّة دورَها المطلوب من غير وصاية على أحد، لأنّ من أخطر ما اُبتليت به ثورتا تونس ومصر هو الوصاية الحزبيّة وهو ما أدّى إلى سرقة الثورة بالكامل وتظهير الإخوان المسلمين ووصولهم إلى السلطة، فيما انزلقت الثورة السوريّة إلى الصراع المسلّح متجاوزة ليبيا واليمن.

لم تنطلق ثورة روج آفا خالية الوفاض، أو أنّها حصرت نفسها بتنظيم التظاهرات في الشوارع، وإنّما حضّرت خطوات الحراك الثوريّ وصياغة الشخصيّة الثوريّة التي تعي تماماً أسباب الثورة والمؤمنة بأهدافها والجادة بالعمل لتحقيقها، ولأنّها جعلت المجتمع وخدمته هدفها الأساسيّ، فقد بقيت في منأى عن الاستدراج إلى الصراع من أجل السلطة، ووجدت أنّ نفسها على الدوام بالعمل التنظيميّ والشعبيّ، بالتوازي مع التنوير الثقافيّ ولذلك كانت مواضيع النشاط الثقافيّ وافتتاح مراكز الثقافة وتعليم اللغة الكرديّة من أولى النتائج التي عاينها المواطنون، والمسألة كانت ترتكز إلى فهمٍ عميقٍ لمعنى الديمقراطيّة، وأنّها يجب أن تُؤسس على أرضيّةٍ متينةٍ من الوعي والثقافة ليتمكّن المجتمع من إنجازِ التغيير المطلوب، فيما كان الحراك العبثيّ في الشوارع مستمراً في أنحاء البلاد تغذيه أموالٌ مشبوهةٌ تُضخُّ له من الخارج، وترافق بالتطاول على الممتلكات العامة والخاصة باسم الثورة ليكرّس بيئة الفوضى والتي آلت إلى أعمال سلب ونهب وخطف وصولاً للقتل على الهوية وعلى سبيل الهواية والتشفّي.

انطلاق الثورة

يمكن توصيف الفترة الزمنيّة ما بعد 18 آذار 2011 بأنّها مرحلة انتقاليّة وبلغت من الحساسيّة والدقّة ما تطلب جهوداً كبيرة لاجتيازها نحو التغيير وتحقيق الأهداف، وإذا كان عاملُ الزمنِ مهماً لإنجازِ الأعمالِ فإنّه لم يكن بالوسعِ تماماً أداءُ هذه المهام ضمنَ المهلِ الزمنيّة الطبيعيّة، لجهة مواكبّة الأحداث واستيعابها، في تلك المرحلة عبرتِ الحدودَ السوريّة العراقيّة مجموعاتٌ من كوادرِ حزب العمال الكردستانيّ لتقدّم الدعمَ في فترة غاية في الحساسيّة، فقد كان الأمرُ يتطلب استنفارَ كلّ الطاقات البشريّة والماديّة وزجّها في ميدان واحد، ولأجل ذلك كان من الضروريّ التوصّل لصيغة تنسيق بين كافة الأحزاب والقوى السياسيّة الكرديّة لدعم الجبهة الوطنيّة الديمقراطيّة، فكان تشكيل الهيئة الكرديّة العليا بتاريخ 24/7/2012، بمثابة النجاح في تحقيق الوحدة السياسية للشعب الكرديّ في الداخل.

ولكن تشكيل الهيئة الكرديّة العليا وإن عبّر عن صيغة التنسيق ظاهراً كمنصة توحّدُ للموقف الكرديّ، إلا أنّها واقعاً لم تتصدَّ للمهام الملقاة على عاتقها وأبدت قصوراً في مرحلة كان كلُّ ما فيها استثنائيّاً، فعملت على اجتزاءِ القضية الكرديّة والانتقائيّة في تأدية مهامها، وانغلقت في أطرٍ حزبيّةٍ ضيقةٍ لم يكن من الممكن معها أن تستوعبَ الآخرين. والحقُّ أنّ هذه الأحزاب واعتباراً من تشكيل الهيئة الكرديّة العليا بقيت في إطار التقصير في أداء مهامها، نتيجة تناقضها وعدم تصالحها مع ذاتها وهويتها وبذلك لم تستطع الهيئة أن تخطو بشكلّ متجانسّ بكامل مكوّناتها وفق ما تمّ التطلع إليه من دورٍ لها، والوفاء باستحقاقات المرحلة. وبخاصة الاستهداف المسلّح من قبل القوى الظلاميّة المتطرفة، والتي تستند في فكرها ودعمها وتسليحها إلى قوى إقليميّة، فكانت أنقرة في مقدم من يدعمها، إذ ثبت في كلّ مرة تتعرض فيها منطقة كرديّة للهجمات أنّ  أنقرة باستخباراتها وجيشها تقف وراءها، وهي التي جعلت الأراضي التركيّة معبراً للمتطرفين، وأقامت لهم معسكرات تدريب ونقاط تجميع وراحت تعمل كما المضخة.

إزاء كلّ ذلك كان يُفترض بالأحزاب الكرديّة الانتصارَ لأخوةِ الدم وأن تقطع كلّ أشكال العلاقة السياسيّة والتواصل مع أنقرة، وأن تكون صارمة بذلك، وتتخذ خطوات واضحة وجريئة في مقاربة القضية باعتبارها قضية وجوديّة تتجاوز خلافات التنظير الحزبيّ والأنظمة الداخليّة، ففي الحد الأدنى تحتوي تسمية كلّ حزب تعريفاً كردستانيّاً، لتؤكّد أنّها معينة بشؤون كلّ الكرد، ولكنها عمليّاً قد لا تتجاوز الأفراد والعوائل والعشيرة، ولم يسعها أن تتجاوزَ مستوى الاختلاف الحزبيّ، ولم تفهم لاحقاً أنّ استهداف مشروع الإدارة الذاتيّة هو استهدافٌ لإرادةِ أشقاء كردٍ ويعرّض وجودهم للخطر، وإذا كان العدو قد حاصر روج آفا للضغط عليها، فإنّ قيام طرف كرديّ بالعمل نفسه والتحكّم بالمعابر من طرفه هو سلوكٌ يساير سلوك العدو واصطفافٌ معه.

كان 19 تموز من عام 2012 يوم الانطلاقة والإعلان عن الثورة وتفعيل الخيار البديل الذي تمّ التوافق الشعبيّ حوله، لتأسيس نظامٍ اجتماعيّ متكامل يكون بديلاً عن مؤسسة الدولة التي نخرها الفساد والبيروقراطيّة والنزوع إلى الاحتكاريّة المتسلطة على كدح الشعب، فكانت أول ثورة في الشرق الأوسط، ضمن ربيع الشعوب، تتحرك وتثور بشكل مغاير تماماً عن سياق الثورات التي اجتاحت البلدان العربيّة بما فيها الثورة السوريّة نفسها.

ثورة روج آفا التي تجاوزت مراحل العقم الفكريّ والمراوحة في التاريخ وخرجت على أطر الدولة القوميّة المتحجّرة، كانت محلَّ استهداف العثمانيّة الجديدة، عبر مرتزقتها في كوباني وأخيراً عبر التدخّل المباشر واحتلال عفرين، وإذا كانت الثورة قد عبرت كلّ المحطات المفصليّة في طريقها فإنّها ستتجاوز المرحلة الحالية وتغني بتجربتها الميراث النضالي العالميّ.

ثورة روج آفا خيارٌ وطنيٌّ، انطلقت وسارت بثباتٍ نحو أهدافها، وفي مستهلِ انطلاقتها حقّقت إنجازاتٍ غير مسبوقةٍ، بتحرير كوباني ومن ثم عفرين وعامودا والدرباسية من النظام، ما ألقى مسؤولياتٍ كبيرة على كاهلِ حركةِ المجتمعِ المدنيّ، فيما كانت سري كانيه محطةً مهمةً، إذ هاجمها مرتزقة جبهة النصرة وقد عبرت الحدود التركيّة، وقامت حينها وحداتُ الحماية الشعبيّة بواجب حماية المدينة والدفاع عنها، ونظراً لخطورةِ الأوضاع وتكرار حالات الاستهداف المسلّح لمناطق شمال سوريا، وتحديداً مناطق الكرد في بلداتهم وقراهم تنفيذاً لأجندة أنقرة في ضرب مرتكزات المشروع الديمقراطيّ الذي قرأته في عناوينه ووجدته واقعاً على الأرض، وبسبب العداء المتأصل في فكر الساسة الأتراك، فقد كانتِ الحاجةُ ملحّة لمأسسة العمل العسكريّ وتأسيس وحداتٍ عسكريّةٍ أكثر تنظيماً وتدريباً.

عسكرة الثورة السوريّة جعلتها تتحوّل لأداة بيد الأطراف الإقليميّة تتلاعب بها كيفما شاءت، على حساب هويتها وانتمائها الوطنيّ، وبالمقابل اقتضت الرؤية في شمال سوريا التزامَ الخط الوطنيّ دون استعداءِ أحدٍ أو تخوين أيّ طرفٍ، إلا من تموضع في خانة العداء، ولذلك كانت كلّ أشكال العمل المسلح في إطارِ الدفاع المشروع عن الذات ومقاومة الإرهاب وحماية الأهالي وتحريرهم. وأخذ هذا العمل إطاراً مؤسساتيّاً تجلّى بتأسيس وحدات حماية الشعب ومن ثم تجاوز الأطر الجنسويّة لتُؤسسَ وحداتُ حماية المرأة، وفي خطوةٍ مباركة أخذت بُعدها الوطنيّ بتأسيس قوات سوريا الديمقراطيّة التي أخذت على عاتقها  تطهير التراب الوطنيّ من رجس الإرهاب. وبفضل هذه القوات تمّ تحقيق المعادلة الأصعب ببناء بيئة آمنة تضمنُ استمرارَ الحياةِ الطبيعيّةِ، وفيما حاولت القوى الظلاميّة مراراً تعكير صفو الحياة عبر الهجمات والاستهداف المسلّح، كانت هذه الوحداتُ على أهبةِ الاستعدادِ لردِّ الهجماتِ على أعقابِها.

تنقل البرلمانيّة عن حزب السلام والديمقراطيّة بروين بولدان عن القائد عبد الله أوجلان أنّه تطرق خلال لقائه معهم إلى ثورة روج آفا وقال: “ساندوا ثورة روج آفا حتى النهاية، ثورة روج آفا ثورتنا، وقد خضت النضال هناك مع الأبطال والشعب لمدة 20 عاماً. ثورة روج آفا هي نتيجة نضال تلك الفترة. ولا أحد يستطيع إنكارها والموقف الأكثر شرفاً هو تبني تلك الثورة”.

ثورة روج آفا انتصارٌ للخيار الوطنيّ

مع انطلاق مرحلة التحوّلات في الشرق الأوسط وظهور ملامح التغيير، تأسست حركة المجتمع المدنيّ TEV– DEM، وعقدت مؤتمرها التأسيسيّ في حزيران 2011، ووضعت نُصب عينيها هدفاً أساسيّاً هو التحضير للثورة وريادةِ التغيير في المنطقة وتطوير مفهوم الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، فتواصل العمل من أجل تنظيم مجتمعيّ يضمّ مختلف الشخصيات الاجتماعيّة والكيانات والأحزاب السياسيّة، وتمّ تبنّي قرار تشكيل مجالس الشعب، وفي مستهل عام 2012 أُجريت انتخابات ديمقراطيّة لأعضاء هذه المجالس، وكانت تلك الخطوة مهمة جداً للتأسيس لتنظيم المجتمع وتجسير العلاقات بين مختلف فئاته، وكان لافتاً مشاركة المرأة في هذه الانتخابات وفوزها بالانتخابات في عدد من مجالس المدن، وكان ذلك مؤشراً إيجابيّاً بأنّ شعبنا يمتلك مؤهلات كافية لممارسة الديمقراطيّة.

تبنّت حركة المجتمع الديمقراطيّ موقفاً صريحاً إزاء مجريات الأحداث في سوريا، إذ كان طرفا الصراع مأخوذين في تبنّي خيار الإسقاط أحدهما للنظام والآخر للمؤامرة، وكان الطريق الثالث هو الخيار، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّه من السطحيّة بمكان الإشارة إلى هذا الخيار بأنّه الخط الوسطيّ، وذلك لأنّه لا إمكان لقياس الوسط، فما لم يُعرف حدّاه لا يُعرفُ له وسط، وبذلك فالخط الثالث تبنّى الخيار السوريّ الوطنيّ والمتمثل بالديمقراطيّة حلاً شاملاً للأزمة السوريّة، وتلك كانت نتيجة طبيعيّة لاستقراء كلّ تفاصيل الأزمة وتداعياتها والتماسِ الحلِّ لها، وبذلك فقد استمرّت الثورة الأصيلة إزاء الحكم الشموليّ وسلطة الاستبداد من أجل التغيير، أي أنّها تبنّت توصيفاً اعتباريّاً للأزمة ولحالة المجتمع السوريّ ككل، فلم تستهدف الشخصيات والأفراد ولا طوائف أو فئات بعينها، فالقضية هي برفض الاستبداد والقمع والملاحقات الأمنيّة والإقصاء والتغييب الثقافيّ بصرف النظر عن الجهة التي تمارسه، فالمطلوبُ هو تحقيق الحريات والديمقراطيّة وتطوير بنية المجتمع دون انغلاقٍ في إطارٍ طائفة أو فئة، بل بجعل الوطنيّة هي السقف الأعلى لكلّ السوريين، يمارسون في ظله خصوصياتهم الاجتماعيّة والثقافيّة والفلكلوريّة.

كانت الأيام كفيلة بإثبات صوابية المنهج وبعد الرؤية بانتهاج مبدأ الخط الثالث، فقد كشف أطراف الصراع عن غاياتهم، وقصور برامجهم على مصالحهم، فالنظام لم يغادر موقع الخطاب القوميّ الأوحد، وقد حصر في نفسه ثلاثيّة الوطن والدولة والنظام، فيما كانت المعارضة تستمر في انشطارها وانقسامها على نفسها بتعدد الجهات الخارجيّة الداعمة لها، فتعددت منصات المعارضة وتبادلت فيما بينها خطابات التخوين.

منح الخيار الوطنيّ ثورة روج آفا المناعة الكافية فلم تُستدرج إلى أتونِ الحربِ الدائرة على الأرض السوريّة، ولم تتطاول على المرافق العامة والخدميّة، بل حافظت عليها إذ أنّها لا تخصُّ نظاماً سياسيّاً أو أفراداً، وعملت على مأسسة المجتمع وتفعيلِ الدور الخدميّ للمؤسسات، فيما كانت محاولات المعارضة مستمرّة باستهدافها وكيل الاتهامات لها بأنّها امتدادٌ موالٍ للنظام وتجاهلت طبيعة التناقض في الرؤية والتوجّه، وواصلت لعب دورٍ هدّامٍ لتوصل البلاد إلى حالةِ انقسامٍ على مستوى الفكر وتغليب لغة السلاح والعنف لكلّ ما يخالفها وضرب العناصر الوطنيّة السوريّة.

ثورة المقاومة والفداء

من الأهميّة بمكان القول إنّ المسار الكرديّ الذي اختار الخط الثالث الوطنيّ وفجّر ثورة روج آفا فلم يُخاطب أيّ فريقٍ آخر من موقع العداوة أو الرفض، ولم يوجّه لأحدٍ التهم اعتباطاً، وكان ذلك أحد أهم ثوابته، فيما اتخذ البعض مواقف العداء والكراهية وصولاً للاستهداف المسلّح، وعلى هذا الأساس لم تكن هناك أيّ مبادرة لعملٍ عدائيّ أو لجوء للعنف، وليس سراً أنّ ثورة روج آفا توخّت السلميّة في منطلقها، ما جعل أطرافاً معادية لها تتهمها جزافاً، بأنّها تسلمت المؤسسات والدوائر في كوباني وعفرين سلماً، وهم بذلك يحاولون تبرير لجوئهم للقوة واستخدام العنف وتورطهم بإراقة دماء السوريين، وللأمانة كانت أيدي ثوار روج آفا طاهرة بريئة من دماء السوريين، وأما العلاقة مع النظام فتلك حجة سطحيّة يدحضها واقع الحال خلال السنوات السبع الماضية، إذ لا وجود لأيّ امتدادات للنظام في مناطق روج آفا، عدا وقوع حالات صراعٍ مسلّح كان فيه الردّ بقدر ما يستوجب الموقف لرد العدوان، التزاماً بالخط السلميّ كأحد أهم الثوابت.

شهدت الجغرافيا السوريّة منذ بداية الأزمة حالات تسلّح عشوائيّة وفوضى بانتشار السلاح، ووقفت دولٌ وأطرافٌ إقليميّة خلفها، فراحت تمدّها بأسباب الانتشار أكثر فأكثر وتستقدم المقاتلين الإرهابيين من شتّى أصقاع العالم لدعم الصراع، ولتصبح سوريا خلال فترةٍ وجيزةٍ ميدانَ حربٍ عالميّةٍ تجسّد صراع إرادات متناقضة، وكلٌّ يحاول فرض أجندته الخاصة، ويحسّن شروط تفاوضه من أجل مصالحه عبر المفصل السوريّ.

إزاء هذا التطور في الوضع السوري تمّ اعتماد توجيهات القائد عبد الله أوجلان خارطة طريقٍ للعمل، وتضمنت ثلاث نقاط رئيسيّة هي: ألا يكون الكرد في روج آفا طرفاً في أيّ صراع داخليّ سواء أكان مع النظام أو المعارضة بل طرفاً ثالثاً وأن يتمَّ العملُ على بناءِ قوة عسكريّة في روج آفا وقد عُرفت لاحقاً بـاسم وحدات حماية الشعب YPG، ويباشر العمل على مأسسة المجتمع ببناء المؤسسات المدنيّة والخدميّة والأمنيّة. وقد آل الرعيل الأول للثورة العمل على إنجاز هذه النقاط الثلاث، ويعتبر الشهيد خبات ديريك مؤسس وحدات حماية الشعب في روج آفا، فساهم في فتح باب التطوع أمام الشباب الكرد لكلا الجنسين لأداء واجب الدفاع الذاتيّ في مناطق الكرد اعتباراً من ديرك إلى عفرين.

لم يمض الزمان طويلاً حتى أصبحت (YPG) قوة يشهد لها بالإرادة والبأس ومضت تدحر الإرهاب والجماعات التكفيريّة وتطهر الأرض من رجسها، وأثبتت بأنّها قوة وطنيّة سوريّة تدافع عن كرامة السوريين عرباً وكرداً ومسيحيين، وانضم إليها عشرات الشبان من مختلف المكوّنات وارتقى بعضهم شهداء.

كانت أنقرة من أشدِّ الأعداء ضراوةً فتعاونت مع الفصائل المسلّحة وكلّ المرتزقة، وجعلت حدودها مفتوحة على الغارب لمرور اللاجئين الهاربين من لظى الحرب، بالمقابل سهّلت الحركة العكسيّة لعبور المرتزقة وتمرير السلاح بأنواعه، ولم تقصر في تقديم الدعم اللوجيستيّ والإمداد العسكريّ والدعم بالخبرات والإشراف وتوفير المعلومات الاستخباريّة.

كانت البداية بدعم أنقرة لفصائل الجيش الحرّ الذي قطع الطريق الرئيسيّ الواصل إلى عفرين وشنَّ الهجماتِ على القرى الآمنة وقصفها بالقذائف، وصولاً لتنظيم هجمات كبيرة من تحالفات فصائل المرتزقة، فدعمت مرتزقة النصرة تحت مسمّى غرباء الشام للهجوم على سري كانيه في 16/1/2013 رغم أنّ المنطقة ليس فيها أصلاً وجود للنظام، ولكن الهدف كان القضاء على أيّ بنية تنظيميّة كرديّة في المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة ورغم الدور الإيجابيّ للكرد في إدارة تلك المناطق، وليتضح أنّ الطرفَ المستفيد هو تركيا إذ تحاول تحويل المواجهة العسكريّة لتكون مع المكوّن الكرديّ وتجرّه إلى حرب عربيّة – كرديّة وتحريض النزعة القوميّة. بالتوازي مع استهداف الكرد في عفرين وحيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدنيّة حلب.

في 16 أيلول 2014 هاجمت قطعانٌ من مرتزقة داعش مدينة كوباني على الحدود السوريّة التركيّة بعدما سيطرت على مساحات واسعة من القرى والبلدات المحيطة بها، وتمكنت من دخول المدينة في 3 تشرين الأول. وقد خيضت معارك استثنائيّة في المدينة لمدة 112 يوماً من الاشتباكات المتواصلة سُطرت فيها أروع ملاحم البطولة والفدائيّة حتى تمّ تحريرها في 26/1/2015. ويومها انتبه العالم كله إلى شمال سوريا وإلى الكرد. ولكن الانتصار لم يرق لسلطان العثمانيّة إذ أعلن أردوغان في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام التركيّة غداة تحرير كوباني وطرد مرتزقة “داعش” منها، أنّ تركيا لا تريد منطقة كرديّة خاضعة لحكم ذاتيّ في سوريا على غرار باشور، ولكنه كان مرتاحاً عندما كانت قطعان الإرهاب تغِيرُ على المواطنين الآمنين وترتكب المجازر بحقهم.

في أواخر شباط 2015 تمّ تحرير بلدة تل حميس بعد أسبوعين من المعارك الضارية وكان مرتزقة داعش قد سيطروا على البلدة نحو عامين.

في أيار 2015 بدأت وحدات حماية الشعب ومعها المجلس العسكريّ السرياني السوري ومقاتلو عشائر عربيّة بحملة عسكريّة واسعة النطاق غرب محافظة الحسكة، وتمكّنت من تحرير 4 آلاف كم2، وفي 23 حزيران 2015 شنَّ مرتزقة داعش هجوماً جديداً على أجزاء من مدينة الحسكة، فتمّ التصدّي وردّهم على أعقابهم.

تمّ تحرير مدينة كري سبي /تل أبيض في 16/6/2015 وجاء الإعلان عن إدارتها الذاتيّة الديمقراطيّة في 21/10/2015.

تأسست قوات سوريا الديمقراطيّة في 10/10/2015 من مجموعة من الفصائل والألوية العسكريّة المقاتلة التي تنتمي إلى كافة الشرائح والمكوّنات في شمال سوريا، (وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، جيش الثوار، غرفة بركان الفرات، قوات الصناديد، وتجمع ألوية الجزيرة، المجلس العسكري السريانيّ)، ومنذ تأسيسها خاضت قوات سوريا الديمقراطيّة العديد من الحملات العسكرية ضد مرتزقة “داعش” الإرهابيّ. وهذه الحملات مُرتّبة حسب التسلسل الزمنيّ:

استجابةً لمناشدة أبناء مناطق شمال سوريا الواقعة تحت سيطرة مرتزقة داعش لقوات سوريا الديمقراطيّة، بدءاً من الحملة الأولى التي أطلقتها القوات في 15 تشرين الأول لتحرير ريف الحسكة الجنوبيّ، وتحديداً في منطقة الهول تلبيةً لنداءات أهالي المنطقة، وحرّرت القوات خلال الحملة بلدة الهول و196 قرية ومزرعة.

الحملة الثانية كانت في منطقة سدّ تشرين جنوب كوباني وأطلقت في 23 كانون الأول 2015 واستمرت عدّة أيام، وتمّ تحرير المناطق الواقعة بين بلدة صرّين وسدّ تشرين وتُقدر المسافة بينهما بـ 60 كم. وفي 6/12/2015 تمّ تحرير سد تشرين الاستراتيجي.

الحملة الثالثة أطلقتها القوات في 28 شباط 2016 باسم حملة الانتقام لإيلين وجودي، بعد هجمات مرتزقة داعش على قرى كري سبي بدعم تركيّ عبر فتح حدودها أمام المرتزقة، وشملت الحملة المنطقة الممتدة من جبل كزوان (عبدالعزيز) حتى شمال الرقة، وخلال الحملة تمّ تنظيف المنطقة الواقعة بين جنوب غرب الحسكة والريف الشماليّ الشرقيّ لمدينة الرقة، إضافة لتشكيل حزام دفاعيّ حول مقاطعة الجزيرة ومنطقة كري سبي

19/2/2016 حملة غضب الخابور وتم فيها تحرير مدينة الشدادي انتقاماً للجرائم القذرة بحق فتيات وأطفال الإيزيديين حيث حوّلوا المدينة لسوق للنخاسة لبيعهم فيها

12/8/2016 حملة تحرير مدينة منبج الاستراتيجية. وتمّ تشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة بمنبج في 14/3/2017

في10/5/2017 تحرير الطبقة. وتمَّ تشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة في الطبقة في 1/11/2017

20/10/2017 حملة غضب الفرات لتحرير ريف الرقة وتُوجّت بالإعلان عن تحرير الرقة. وتم تأسيس مجلس الرقة المدنيّ  في 18 /4/2017

بالمجمل لم تتجاوز الثورة السوريّة الشعار الذي طُرح في البداية ليكون مادة إعلاميّة، وتحوّلت إلى حربٍ ضروسٍ فضحت ممارسات وتآمر كثير من الأطراف في المحيط الإقليميّ وتعاون شركاء الداخل، وليتبين أنّ الأطراف المتآمرة وفي مقدمها تركيا وسعيها لضمان مصالحها عبر التحكم واللعب والمتاجرة بحياة السوريين، على حساب دماء السوريين وحريتهم واغتيال تطلعاتهم بالخلاص من رحى الحرب التي طحنتهم دون تمييز.

تجاوزت ثورة روج آفا مراحل العقم الفكريّ والمراوحة في التاريخ، وخرجت على أطر الدولة القوميّة المتحجّرة، ولذلك كانت محلَّ استهداف العثمانيّة الجديدة، فدعمت أنقرة الجماعات المسلحة واحتضتنها سياسيّاً لضرب مناطق روج آفا ولم تكن صادقة في نيتها بتأييد الثورة لإيجاد بديل للنظام البعثيّ، بل سعت لضرب شعوب روج آفا ومنعها من إيجاد مشروعٍ سياسيّ يجسّد أحلام السوريين بالحرية والديمقراطيّة، ويكون منطلقاً نحو مرحلة جديدة للشعوب المظلومة بالمنطقة تتمتع فيها بالحقوق الطبيعيّة التي سُلبت منها عبر سياسات القمع والصهر والإبادة، ومن أجل هذه الغاية لم تتوقف تركيا عن المشاغبة والعدوان على روج آفا فواصلت قصف نقاط تمركز وحدات حماية الشعب عبر الوكلاء المرتزقة، وسخّرت كلَّ الإمكانات الماديّة وقدّمت بإشراف الجيش التركيّ وعناصر الاستخبارات (الميت) الدعمَ اللوجيستيّ للمجاميع المسلّحة المتطرفة والتكفيريّة المرتزقة كالنصرة وداعش وفتحت لهم الحدود لشنِّ الهجماتِ على سري كانيه وكوباني وعفرين والشهباء وكري سبي، ونفّذت جريمة بالقصف الجوي على قره جوج، وكذلك عبر وسائل الحرب الخاصة والخفية والضخ الإعلاميّ ولكنها فشلت في إخضاع شعبنا وكسر إرادته، ولم تسلم أنقرة المشحونة بالحقد بالإفلاس وخسارتها للدور الذي تريد أن تلعبه على طول الخط الحدوديّ الممتد بين روج آفا وباكور، فانتقلت إلى مرحلة أخرى هي التدخّل العسكريّ المباشر بعد محاولات مكثفة لاسترضاء مراكز القرار الدوليّ وضمان صمتها فتدخّلت مباشرة باحتلال جرابلس والباب لمنع التواصل بين عفرين وكوباني، وسعت إلى عرقلة حملات التحرير التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطيّة بالعدوان على عفرين.

ففي 20/1/2018 بدأ الجيش التركيّ ومعه مجاميع المرتزقة من كلّ لون حرباً على قرى وبلدات المقاطعة واستخدمت الطيران إضافةً للمدفعيّة والأسلحة الثقيلة لتخرق كلّ القوانين الدوليّة وتنتهك السيادة الوطنيّة السوريّة، وكان شعبنا في عفرين على قدر المسؤوليّة بتبني خيار المقاومة ومارس حقه الطبيعيّ في الدفاع عن الذات، وغدا نموذجاً اليوم حقيقيّاً في المقاومة والنضال إذ صمد 58 يوماً أمام أعتى آلة حربيّة عمياء، وليؤكّد مسار مقاومة كوباني الأسطوريّة الباسلة وصلابة الإرادةِ الشعبيّةِ في سري كانيه والحسكة؛ وليكون قيمّة أخلاقيّة ووطنيّة تُضاف إلى ملاحم ثورة روج آفا.

العدوان على عفرين عرّى سياسات أنقرة وكشف عن حجم حقدها الدفين وتوحّشها، فبعد الاحتلال استباحت المنطقة وأطلقت يدَ الإرهاب تمارس فيها كلّ أنواع الجرائم (السرقة والنهب واعتقال الأهالي وتعذيبهم وقتلهم واختطاف النساء واغتصابهن وحرق البيوت والأشجار ومصادرة الأملاك) وغدت عفرين سجناً كبيراً، فيما فضح الصمت الدوليّ ازدواجيّة المعايير ونفاق العالم.

مع احتلال عفرين انتقلتِ المقاومة إلى مرحلة جديدة تتطلب الدعم والمساندة بكلِّ الوسائل من قبل عموم شعبنا في باقي المقاطعات وكلّ أنحاء العالم والقيام بكلّ ما من شأنه إيصال الصورة الحقيقيّة لممارسة الضغط على مراكز القرار الدوليّ وصولاً لإنهاء الاحتلال. ولنعلم أنّ شعبنا في عفرين لا ينفصل عن نضال كلّ الأحرار في العالم وفي سوريا،  شعبنا في عفرين يسعى كباقي مقاطعات روج آفا لضمان حقوقه الوطنية في سوريا جديدة تعددية، ومقاومة عفرين البطوليّة تتصاعد ولن تخبو جذوتها ولن تنطفئ شعلتها، حتى تتحقق أهداف ثورة روج آفا في الحرية والتغيير الديمقراطيّ والانتصار لقيم الإنسانيّة الحقّة، وعفرين اليوم تجاوزت عتبات التاريخ لتكون مأثرة مقاومة فهي كلها أضحت عائلة الشهداء وأرضها مثوى الشهداء، لن ترضى إلا بالنصر على الاحتلال التركيّ.

في مناطق الشهباء ترسخّت فكرة التعايش وأخوة الشعوب، فيما أسقطتِ الجزيرةُ حلمَ الإرهابيين وقضت على طموحاتهم بإثارة الفتنة، وفي كوباني أُسقط وهمُ التهديد الإرهابيّ وتحقق أول انتصارٍ مزلزلٍ ودافعت عن السلام نيابةً عن الإنسانيّة، ليفقد رجب طيب أردوغان صوابه فراح يحذّر من تكرار تجربة كوباني في عفرين، بعدما تكرّست لديه فوبيا الكرديّ والديمقراطية وشكّلت عقدة شخصيّة لديه، فما انفكّ ينعت مقاتلي وحدات الحماية الكرديّة بـ «إرهابيي كوباني». ويردد أنّه لن يسمح بتكرار ما جرى في كوباني في عفرين أيضاً!” ولكن عفرين ستبقى ثابتةً على عهدها ثائرةً تكشف قُبح المساومات والصفقات وستكون ميدان مقاومة بطوليّة نادرة لا يتوقعها أحد وما يبديه الآن شعبنا في عفرين ليس إلا مقدمة لمقاومة تاريخيّة نادرة سيشهدها التاريخ الحديث.

إذا كانت الثورة قد عَبَرَت كلّ المحطات المفصليّة في طريقها فإنّها ستتجاوز المرحلة الحالية. فالمقاومة التي يسطّرها شعبنا أسطوريّة مثّلت أرقى قيم حقّ الدفاع المشروع عن الوجود والتاريخ والجغرافيا، وستغني بتجربتها الميراث النضاليّ العالميّ وهي درسٌ لكلّ شعوب العالم وأحراره، ولذلك لم يكن غريباً أبداً انضمام أعدادٍ رمزيّة من المتطوعين الأمميين إلى صفوف قواتنا الباسلة، هؤلاء ممن تجاوزوا الدعاية السوداء ونُوّرت عقولهم بقيم الإنسانيّة والعدالة وبعضهم ارتقى إلى مرتبة الشهادة، تأكيداً على أنّ صراع الحق مع الباطل لا يتوقف عند حدود الجغرافيا أو اختلاف اللون واللغة، بل هو قضية إنسانيّة صرفة.

ومازالت قوات سوريا الديمقراطيّة محلّ الثقة وموئل الرجاء في التحرير ويتواصل رفدها بالمنتسبين الجدد وبالأخص من أبناء العشائر العربيّة في أرياف الرقة و منبج ودير الزور وجرابلس. ما ينعكس بزيادة عديدها وقوتها واتساع حاضنتها، واللافت في هيكليّة هذه القوات أنّها  تضم مجالس عسكريّة للمدن أو المناطق والتي تضمّ أبناء هذه المناطق ولها راية خاصة تمثل رمز المدينة أو المنطقة ما شكّل دافعاً قوياً لأبناء هذه المناطق والمدن للانتساب لقوات سوريا الديمقراطيّة.

من المهم الالتفات إلى أنّ تأسيس المجالس المحليّة والإدارات الذاتيّة كان يواكب عمليات تحرير البلدات والمدن لتكون مأسسة المجتمع استكمالاً للتحرير وضمانة المحافظة على استحقاقاته ولتكون البيئة السليمة لتحقيق الديمقراطيّة.

 

إعلان الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة

إن آلية سير النظام الاجتماعيّ تمّت في البداية من خلال العمل على القاعدة والخلية الصغرى في تنظيم المجتمع ألا وهي الكومين واللجان المنبثقة منه، نحو المجالس الشعبيّة من ثم مجلس الشعب لغربي كردستان كبرلمان يمثل إرادتهم السياسيّة، حيث كانت خطوة صائبة وناجحة بشكل يبني الثقة الكاملة لدى المكونات بالتكاتف والعمل بإرادتهم في بناء نظامهم المجتمعيّ على كافة الأصعدة، بحيث تكون أخوة الشعوب والمساواة في الحقوق مبدأ أساسياً في أي خطوة تنجز.

ووفق هذه الاستراتيجية دخلت الثورة في مرحلة جديدة  في مجال الإدارة والتنظيم المجتمعيّ وتمّ الإعلان لأول مرة في تاريخ سوريا عن المجلس التأسيسيّ العام للإدارة المرحليّة المشتركة المكوّن من 82 عضواً ممثلين عن كافة المكوّنات والأديان الموجودة في شمال سوريا، وانبثاق هيئة متابعة لصياغة وكتابة مختلف المشاريع والوثائق اللازمة للتنظيم بشكل توافقيّ ليتمخض عنه فيما بعد قرار تشكيل المقاطعات الثلاث (الجزيرة – كوباني – عفرين) في 21/1/2014، والتي أُريد لها أن تكون تمثيلاً ديمقراطيّاً لإرادة كلِّ القوى والمكوّنات المجتمعيّة، وتعبّر عن توافقٍ حول رؤية الحلِّ السياسيّ والسلميّ للأزمة وكذلك علاجاً لمشاكل متجذرة لم يتصدَّ النظامُ لحلّها وكان سبب تعقيدها ومنها قضية الكرد، وكذلك لحلّ القضايا التي استجدّت في ظلِّ استمرار الأزمة.

في ظروف بلدٍ تتعدد فيه جبهات الصراع المسلّح، يُعتبر الإعلان عن الإدارةِ الذاتيّة الديمقراطيّةِ، الإنجازَ الأكبر وغير المسبوق في تاريخ سوريا الحديث، وقد جاء نتيجة لخطوات ثابتة وتضافر الأسباب وحصيلة للانتصاراتِ والإنجازات في الميادين الاجتماعية والسياسية للإدارة الذاتيّة، وكان الإعلان بحقّ رسماً دقيقاً لخارطة الطريق لكلِّ شعوب روج آفا نحو الأمان والاستقرار، وتجسيداً لإرادتهم والدفاع عنها، لتتوالى من بعده الإنجازات في مستوى الحراك الدبلوماسيّ والتعريف بالحقوق والمكتسبات في شمال سوريا.

انطلقت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة على أسسٍ راسخةٍ متينةٍ هي تشاركيّةُ العملِ الوطنيّ والتعدديّة السياسيّة، إذ لطالما كانت الشموليّةُ هي المرضُ العُضال، وتطلعت إلى مجتمعٍ يتمّ فيه إحقاقُ العدلِ وينعمُ بالسلام والأمن الاجتماعيّ، وكانت تجسيداً لطبيعةِ الخيار كخط ثالث إزاء الأزمة، والسؤال الذي طرحته لو التزمنا خياراً آخر بالاصطفاف إلى جانب أحد طرفي الصراع، هل كان بالإمكان تحقيقُ أيّ إنجاز؟ والواقع أنّ أيّ اصطفاف من ذلك النوع ستترتبُ عليه تكاليف باهظةٌ، إذ كان سبيل تضييع قضية شعبنا وخصوصيته، ويعني ألا نكون أنفسَنا، وإذا كان صحيحاً أنّ الدفاعَ عن الذات مكلفٌ ودونه قرابين ارتقت إلى درجة الشهادة، إلا أنّ الاستدراج إلى أتون الأزمة كان أغلى تكلفة وخسارة أكبر في الأرواح على ذمةِ تموضعٍ لن يحقّق أيّاً من طموحاتِ شعبنا، ولدينا شواهد لأحزابٍ كرديّةٍ انضوت تحت عناوين المعارضة السوريّة في المجلس الوطنيّ الكرديّ، وهي تقرُّ بأنّها شاركت في العدوان التركيّ على عفرين، وقبل ذلك ما هي المكاسب التي حققتها لصالح شعبنا؟ فيما مالت أطرافٌ كرديّة أخرى إلى جهة النظام فلم تتجاوز حدود التغييب، إلا أن تُستدعى للتصريح والإطلالة الدعائيّة على الشاشة كلما دعت الحاجة لذلك.

في هذا السياق تمّت ولأول مرّة في المنطقة وبشكل ديمقراطيّ وتوافقيّ صياغة مشروع للإدارة المحليّة وإعداد وثيقة للعقد الاجتماعيّ والنظام الانتخابيّ بما يتناسب ويرضي كافة المكوّنات مع إفساح المجال لكلّ القوى والتنظيمات السياسيّة للانضمام إليه بعد موافقة المجلس.

استمرارُ الثورة عبر مأسسة المجتمع والحلّ الديمقراطيّ

توالت إنجازات التنظيم المجتمعيّ في شمال سوريا عموماً لتترجم كلّ الأفكار والمنطلقات التي بدأت على أساسها ثورة روج آفا ولتصبح واقعاً حياتيّاً ملموساً، واستمرت اللقاءات والمشاورات بين ممثلي أبناء شمال سوريا، لتتوّج بخطوة إضافيّة بتأسيس الإطار السياسيّ الرسميّ للمشروع الديمقراطيّ المعبّر عن آمال السوريين وتمسّكهم بخيار العيش المشترك والعمل التشاركيّ في كلّ القضايا اعتباراً من تصوّر مشترك لحلّ الأزمة فكان تأسيس مجلس سوريا الديمقراطيّة 9/12/2015.

واُفتتحت ثماني ممثليات للإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في 8 دول (روسيا- فرنسا- ألمانيا- السويد- هولندا- لوكسمبورغ- بلجيكا وإقليم باشور كردستان)، وفي مؤتمر أحزاب الاشتراكيّة الدوليّة الخامس والعشرين في مدينة كتجنا الكولومبيّة بحضور أكثر من مائة حزب اشتراكيّ من أكثر من تسعين دولة تم َّ اتخاذ قرارين هامين لنصرة قضية الشعب الكرديّ، ما اعتبره المراقبون بأنّه نصر دبلوماسي كبير وتمثّل القراران بانتخاب القائد الكردستانيّ جلال طالباني رئيساً فخريّاً لأحزاب الاشتراكية الدوليّة وقبول عضوية حزب الاتحاد الديمقراطيّ PYD بصفة عضو كامل. كما تبنّى المؤتمر اقتراح وفد حزب الاتحاد الديمقراطيّ في دعم الحل السياسيّ وضرورة مشاركة وفد مجلس سوريا الديمقراطيّة في مباحثات السلام . وركّز البيان الختاميّ لمؤتمر الاشتراكية الدوليّة على أنّ الحلَّ النهائيّ هو الحلّ السياسيّ والفيدرالية الديمقراطيّة المقترح من قبل مجلس سوريا الديمقراطيّة.

وبعد نقاشات موسّعة بين كافة القوى المشاركة في الإدارة الذاتيّة لروج آفا ومناطق شمال سوريا المحررة جديداً، جاء مشروع إعلان المجلس التأسيسيّ لفيدرالية الشمال السوريّ بتاريخ 17 /3/ 2016 الذي شكّلته مكوّنات شمال سوريا لبلورة الرؤية السياسيّة في حلّ قضايا الوطن وكلّ السوريين بعد تجربة خمس سنوات من التنظيم والنضال والعمل الدؤوب، ليليه فيما بعد الإعلان عن العقد الاجتماعيّ للفيدرالية بتاريخ 1/7/ 2016 من 85 مادة. وأجريت مرحلتا الانتخابات الأولى للكومينات والثانية لمجالس المدن والبلدات فيما لم تُجرَ انتخاباتُ المرحلة الثالثة بسببِ العدوان التركيّ على عفرين.

خصوصيّة المرأة في ثورة روج آفا

لا ينتقصُ من قيمةِ الثورة أن تُنسبَ إلى المرأة، ولا يتعارضُ ذلك مع الأبعاد الوطنيّة والمجتمعيّة للثورة، وتأتي خصوصيّة المرأة، كونها حرّرت طاقاتها وأغنتِ الحراك الثوريّ، فالحديث عن مجتمع طبيعيّ يستلزمُ بالضرورة وجود المرأة، ثم نجدها غائبة أو مغيّبة في إطار الحراك المجتمعيّ والثوريّ، وهنا لا يمكن أن يكتمل معنى الثورة الأخلاقيّ وقد داخلته حالةُ إقصاء، ولا يمكن قبول ادّعاءِ مجتمعٍ بأنّه يسيرُ بشكلٍ طبيعيّ وقد استغنى عن نصف موارده البشريّة، ولذلك أخذتِ الثورة خصوصيّة شراكة المرأة، ولا ننكر أنّ ثمّة ثوراتٍ في العالم شاركت فيها المرأة، إلا أنَّ مشاركتها ومساحة دورها لم تتعدَّ الرمزيّة وكذلك في عدد المشاركات، وأما في ثورة روج آفا فقد كانتِ المشاركةُ في أقصى حدودها من حيث مساحة الدور والعدد، ما يعكس حالة متقدمة من الوعي الاجتماعيّ والسياسيّ والمدنيّ ولتكونَ المرأة الكرديّة وشقيقاتها من النساء من المكوّنات الأخرى قوة النساء في العالم، وقد أبلتِ المرأة البلاءَ الحسنَ في العمل العسكريّ وكسرت حالةَ الاحتكارِ الذكوريّ فيه، كما أثبتت قدراتِها ومؤهلاتها في الميادين الإداريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة وغيرها. وهذه الظاهرة الفريدة أكّدت أنّ المرأة في مستوى ولائها الوطنيّ واستعدادها للتضحية والفداء تضارع الرجل تماماً بل وتنافسه، وفي هذا السياق تشكّلت مؤسسة عسكريّة خاصة بالمرأة باسم وحدات حماية المرأة والاسم YPJ، وتحفل يوميات الثورة والمقاومة بأسماء مناضلات وبطلات ارتقين لمستوى الشهادة كآرين وأفيستا وبريتان، وأبدت المرأة تضحياتٍ كبيرة وراحت تنتقم لنفسها ولقيم الأخلاق النبيلة ضد ثقافة التحجّر والممارسات الوحشيّة من خلال عمليات السبي والاغتصاب والقتل والبيع بسوق النخاسة الذي تمّ إحياؤه في غفلة عن الزمن. فكانت نهضة المرأة من بعد كبوة تاريخيّة طويلة وإلحاقها الهزائم المتتالية بمرتزقة التنظيم الإرهابيّ الذي عجز العالم عن مواجهته، إعجازاً خارقاً وغدت بذلك أيقونة شرفٍ ومثالاً تحتذي به نساء العالم  في أداء واجب الحماية والدفاع عن الذات والمجتمع. وهذا ما أدّى إلى تجاوز عوائق العادات والتقاليد القديمة وتحقيق مستوى أعلى للعدالة الاجتماعيّة، وتحرير القيم الإنسانيّة من قيم التخلف ومخلفات الماضي وثقافة الاستهلاك التي روّجت لها الحداثة الرأسماليّة.

تأتي أهميّة الحديث عن المرأة كونها أهم العناصر المكوّنة لدعامة المجتمع وبنائه على أسس اجتماعيّة وأخلاقيّة سليمة وتحقيق التوازن, فهي هوية المجتمع القائم على الإرادة الحرّة والمتماسك فكريّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً, وبملاحظة أنّ واقع المرأة يعود لقرون طويلة ولم تستطع مراحل التطور الاجتماعيّ والحضاريّ والمعرفيّ أن تتجاوزه، يمكننا أن نعرف أن ما تمّ إنجازه نوعيّ واستثنائيّ، وبالمحصلة كان سابقة تاريخيّة فذة. ما يؤكّد على الرصيد الحضاريّ لدى شعبنا وحجم القمع الذي مُورس بحقه لئلا يكون نفسَه طيلة الحقب الماضية.

بذلك تجاوزت المرأة الصورة النمطيّة التي اعتبرتها مجرّد عالة وعبء أو جزء من سقط المتاع، وتمّ تجريدها من قيمتها الإنسانيّة وتهميش دورها الفعّال وإزاحتها عن وظيفتها الاجتماعيّة وحرمانها من أبسط الحقوق, ما أدّى إلى الاختلال في التوازن العام, وخلق عقد نفسيّة واجتماعيّة لدى الرجل والمرأة على حد سواء. وبهذا انتقلت المرأة من دور العالة الاتكاليّ والعاجز إلى دور الإعالة المنتج والمعطاء، ولتغدو نفسَها كما تستحق.

ثورة في مستوى اللغة والتعليم والثقافة والفلكلور

كانت اللغة الكرديّة من ضحايا الأنظمة الحاكمة التي تعتمد لغة واحدة لمجمل النشاط الاجتماعيّ والتعامل الرسميّ، وفي سوريا مورست في ظل حكومة حزب البعث سياسة الصهر والقمع بحق الكرد لإنهاء وجودهم  وتم التضييق على لغتهم ومنعُ تعليمها وانتشارها، وبالتوازي مع خط الثورة السياسيّ والاجتماعيّ انطلقت عام  2012 ثورة معرفيّة، في ظروف تعطلت فيها مسيرة التعليم وأصبحت المدارس مقرات عسكريّة وتمّ تدميرها، وبذلك أنيط بجيل الناشئة أن يعيشوا  ثورة رديفة في مجال إحياء لغتهم الأم. التي يعرّفها القائد عبد الله أوجلان بأنّها “الوجود الهوياتي واللفظيّ المدرك والمعبّر عنه بالنسبة للمعنى والعاطفة, والمجتمع الذي يعبر عن ذاته على امتلاكه الحجة القوية للحياة, ذلك أنّ مستوى رقي اللغة هو مستوى تقدّم الحياة, أي بقدر ما يرقى مجتمع ما بلغته الأم”.

كان تعلم اللغة الكرديّة أقرب لممارسة النشاط السياسيّ السريّ، ولذلك كان محدوداً جداً ومحصوراً بفئة من المتعلمين والمتحزبين، وفي مدينة كوباني افتتح أول مركز لتعليم اللغة الكرديّة بمدينة كوباني باسم الشهيد أوصمان دادلي في دار أحد المواطنين في 26/11/ 2011 وانطلق بإمكانات محدودة، وفي مقاطعة عفرين تم افتتاح أول مدرسة لتعليم اللغة الكرديّة في روج آفا بشكل علني, في قرية دراقلية بناحية ميدانكي.

بعد ثورة 19 تموز اتسعت آفاق تعليم اللغة الكرديّة، لتكون نهضة تعليميّة، فتوالى افتتاح المدارس والمعاهد لتدريس اللغة الكرديّة وتخريج كوادر التعليم المختصين باللغة والأدب والثقافة الكرديّة، وانضم إليها آلاف الطلبة والتلاميذ، ووصولاً لافتتاح كليات الأدب الكرديّ في جامعات عفرين وروج آفا.

في 26/7/2013 فقد الحقل التربويّ والتعليميّ أيقونة غالية باستشهاد المناضلة ومدرسة اللغة الكرديّة في كوباني فيان أمارة التي كرّست كلّ إمكاناتها لتعليم وتطوير اللغة الكرديّة قبل انطلاق الثورة بسنين، ثم أنها حملت البندقية للدفاع عن مدينتها ضد هجوم مرتزقة جبهة النصرة على مدينتها، وبذلك أكّدت الشهيدة فيان أن لا انفصال في الثورة ويمكن أن يكون القلم والكتاب أدواتها كما السلاح في مواجهة الإرهاب.

تم اعتماد اللغة الكرديّة عام 2015 لأول مرّة في تاريخ روج آفا وسوريا ضمن المدارس، وبشكلٍ تدريجيّ في المقاطعات الثلاث، ولم تُدخر أيّة جهود لدفعِ مسيرةِ التعليم قدماً وعملت لجنة التدريب بالمجتمع الديمقراطيّ على تطوير اللغة الأم، بافتتاح المزيد من المدارس في الريف وصياغة مناهج اللغة الكرديّة وتدريسها. إلى جانب معاهد التأهيل واللغة الكرديّة والعلوم الاجتماعيّة، وافتتحت ثلاث جامعات في روج آفا، إضافة لعشرات المعاهد والأكاديميات الفكريّة لتطوير الأدب والثقافة الكرديّة، ولتزداد مناهل المعرفة والعلم، ولتؤكّد ثورة روج آفا حضورها في الحقل الثقافيّ كما في سائر جوانب الحياة، تمّ افتتاح مراكز الثقافة والفن لإحياء التراث والفلكلور الشعبيّ في كلّ بلدة ومدينة من روج آفا.

أولتِ الثورة اهتماماً خاصاً بالجانب الثقافيّ ولعل افتتاح المراكز الثقافيّة المختلفة كان من أوائل الإنجازات، وشهدت روج آفا نشاطاً ثقافيّاً كثيفاً تجلّى بإقامة المهرجات السنويّة وتعددت أشكالها مثل إقامة معارض للكتب والمهرجانات الأدبيّة في الشعر والقصة والفنيّة الموسيقية والأفلام القصيرة وتنظيم الندوات والمحاضرات.

الخط الثالث الوطنيّ يستمرّ

استمرّتِ الثورةُ منسجمةً مع ذاتها رغم كلّ محاولاتِ العرقلة واجتازت اختباراتٍ كثيرةً في طريقها، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّها كانت في مستوى الكمال والمثاليّة، ولكنّها امتلكت من الجرأة ما تعلنُ به عن السقطاتِ والأخطاء التي وقعت عبر النقد والنقد الذاتيّ والمراجعة، ولم تستهلك نفسَها في الشعاراتِ، فتجاوزت بذلك شرفَ المحاولة لتحقّقَ إنجازات نوعيّة غير مسبوقة في تاريخ سوريا، واستمرّت مسيرةُ التحرير ومحاصرة الإرهاب وتتواصل العمليات النوعيّة في إطار حملة غضب الزيتون لتحرير مقاطعة عفرين.

دخلتِ الأزمة السوريّة مرحلة جديدة والمطلوب فيها القيام بفرزٍ كاملٍ وفق معيار الوطنيّة، وأيّ صيغة للحلّ يجب أن تخضع لهذا المعيار، وكلّ ما عداه غير مقبول لأنّه لن يستجيب لتطلعات السوريين، ومن البديهيّ بعد سنوات الحرب الطويلة التي قطّعت أوصال البلاد وفرّقت الناس أن تكون السيادة الوطنيّة ووحدة الأراضي السوريّة والتعدديّة الديمقراطيّة والإقرار بحقوق المكوّنات الوطنيّة بصرف النظر عن كتلتها العدديّة في مقدم كلّ الأولويات وأساس الحلّ السياسيّ. وعلى هذا الأساس فإنّ محاربة الإرهاب بكلّ أشكاله وتحرير الأرض من كلِّ أشكال الاحتلال ضرورة وطنيّة ويجب أن يكون محل توافق السوريين. ولذلك انتقل الحراك السياسيّ إلى مستوى متقدمٍ منسجماً تماماً مع منطلقاتِ الثورةِ بترجيحِ الحوار السياسيّ والحلّ السلميّ، وبذلك كان الانفتاحُ على كلّ مبادرات الحوار، وتأكيدُ ثوابت الثورة ومضمونها الوطنيّ في مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطيّة الثالث بمدينة الطبقة، وملتقى الحوار (السوريّ- السوريّ).

لا انتصار أو حلّ إلا للخيار الوطنيّ

بدأ الحوارُ المباشرُ مع دمشق بصفتها الاعتباريّة ممثلةً لكيانِ الدولة السوريّة وفي تطلعٍ لإيجادِ حلٍّ يُوقفُ نزيفَ الدمِ السوريّ واستناداً لمعطيات الواقع التي لا يمكن تجاهلها، وفهمٍ عميقٍ لتقلبات مواقف السياسة البراغماتيّة للدول الكبرى ومآلات القضية السوريّة، ومنها الحراك المحموم تجاه إيران واشنطن وتفويضها لموسكو بالملف السوريّ بعد قمة هلسنكي. وجاءت تفجيرات محافظة السويداء جنوباً وتفجير الشداديّ شمالاً، رسالة واضحة أنّ الإرهاب لا يميّز بين السوريين وأنّه يعتمد الاستهداف الطائفيّ والحزبي والعرقيّ إمعاناً في تنفيذ مخطط التقسيم والتفرقة بين السوريين.

جاء التفاوض المباشر بين الإدارة الذاتيّة والنظام السوريّ بدمشق تلبيةً لدعوته، إيماناً بوحدة مصير السوريين وإمكانيّة التوصل لحلّ عبر الأقنية الوطنيّة دون وصاية خارجيّة، ولتطرح تفاصيل رؤية أبناء شمال سوريا على طاولة الحوار. ذهب وفد الإدارة الذاتيّة إلى دمشق وفي جعبته مشروعه السياسيّ وإنجازاته وتحفظاته كلّها على سياسة التهميش وأداء النظام سابقاً ولاحقاً.

هذه الأولويات والتوافق على آليات العمل الوطنيّ اعتباراً من التأطير القانونيّ لها بدستورٍ متوافقٍ عليه، هو الحلُّ في مستوى النظرية، وأما مستوى الأداء العمليّ فيبدأ من مواجهة الإرهاب وتوحيد جبهات العمل لإعادة الإعمار وترميم مؤسسات الدولة، وكلّ هذا يتطلب حواراً وطنيّاً شفافاً وواضحاً لحلّ القضايا الوطنيّة ومن جملتها القضية الكرديّة ضمن إطارها الوطنيّ السوريّ، بعيداً عن أجندات أنقرة واتهاماتها العدوانيّة ولإنهاء تدخلها في الأزمة السوريّة إن مباشرة أو عبر المرتزقة. وإذ لا يمكن لأحد أن ينكر حاجة السوريين للتغيير في كثير من تفاصيل حياتهم، والخروج من تحت عباءة الوصاية وتوسيع أطر الحريات العامة، بعد عقود طويلة من اللون الواحد والخطاب نفسه، والوصول إلى مرحلة استشرى فيها وباء الفساد في مفاصل الدولة ونخرها، فأضحت تلكم المؤسسات عبئاً على المواطن بدل أن تكون في خدمته، ولذلك مشروع الإصلاح الوطنيّ لا يتصل بالأزمة وتداعياتها أو يستند لقراءة ارتجاليّة للواقع، بل هو حلّ لإشكاليات متراكمة عبر عقود. وعلى هذا النحو يمكنُ النظرُ بإيجابيّة للقاء ممثلي مجلس سوريا الديمقراطيّة في دمشق مع النظام السوريّ لمناقشة قضايا الأمن والمسائل الإداريّة، وسببُ الإيجابيّة أنّ اللقاء يتمُّ على أرض سوريّة وبين سوريين أيّاً كان مستوى الاختلاف بينهم، بعد عقم كلّ الاجتماعات في جنيف وأستانه وحتى سوتشي.

ما يمكن قوله مبدئيّاً عن تلبية مسد لدعوة دمشق أنّها عملية سياسيّة صحيحة ومقاربة منطقيّة لمجريات الأحداث أخذت بعين الاعتبار مخاطر انزلاق الأزمة السوريّة إلى متاهات جديدة وبالتالي إدامة أمد الحرب، والوفاء لدماء الشهداء والرغبة بحقنِ دماء مازالت تجري في عروق السوريين. وسيشهد التاريخ أنّ الحلّ كان سوريّ الصنع ولهذا كان طبيعيّاً أن تُعلق الآمال على اجتماع رميلان والطبقة وأيّ مدينة سوريّة ومنوطاً بإرادة السوريّين، ولهذا كانت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في أحد أهم معانيها التزاماً بالمنهج الوطنيّ ودعوة غير مشروطة للحوار تجاهلها الآخرون، فطال أمد الأزمة، وسيشهد التاريخ أيضاً على أنّ البعض توهم أنّ ثمّة حلاً قد يأتي من الخارج، استيراداً أو استنساخاً أو إملاءً فرهن إرادته وأصبح أداة طيعة في تنفيذ أجندات خارجيّة، وعطّل الحوار الوطنيّ والحلّ السياسيّ خدمةً لأعداء الوطن وكان عوناً للإرهاب في الداخل. والحديث عن الوحدة الوطنيّة يعني بالتأكيد وجود تعدّدية بالرؤى توحّدت تحت سقف الوطن فأغنته، ولا سبيل لتفهم الأفكار المختلفة إلا بعرضها على طاولة حوارٍ وطنيّة.

ويُنتظر أن تتعاطى دمشق إيجابيّاً مع مبادرتها، وتلبية مسد للدعوة وضعت الكرةُ في ملعبها لتكون جدّيتها على المحكِّ، بعد تعويلها طويلاً على الحلِّ العسكريّ بدعمٍ من حلفائها، ولا يخفى على أحدٍ حاجة دمشق لتفعيل مسار الحلّ التفاوضيّ في هذه المرحلة، واستناداً لمعرفتنا بدمشق لن نسرف بالتفاؤل أو نتجاهله بنفس الوقت، ولتبقى رهانات الحلّ السياسيّ معلقةً ومناطةً بأسلوب تعاطيها مع مبادرة استثنائيّة طرحتها، بعد عقودٍ طويلة من ترجيح الحلّ العسكريّ والمقاربة الأمنيّة.

ولذلك فثورة روج آفا لم تكن حراكاً لتحييد الكرد عن المسار الوطنيّ، بل تأكيداً له لتكون ثورةً سوريّةً وطنيّةً مقاومةً، انطلقت على أسسٍ صحيحةٍ وسليمةٍ، وارتكزت إلى رؤية استشرافيّة للمستقبل وقراءة دقيقة للواقع والمعطيات التي برزت فيه، وتصدّت للدفاع عن جميع المكوّنات السوريّة من غير تفرقةٍ أو تمييزٍ، ما يعزّز الثقة بصوابيّة المنهج الوطنيّ الذي اعتمدته الإدارة الذاتيّة والتطلع لمستقبل جديد لسوريا ديمقراطيّة تعدديّة لكلّ السوريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق