زهرة كابار

زهرة كابار

الاسم والكنية: فيدان أحمد

الاسم الحركي: ليلى

تاريخ الالتحاق: 1994

تاريخ الاستشهاد:17 تموز 1998 بوطان

كثيرة هي اللحظات التي يسرقها منا الزمن دون إن ندري أو نشعر بها ونحن نتلذذ بطعمها لثوان أو لساعات. وقد تكون لحظات الحرية التي نشعر معها بالسعادة النابعة من أعماقنا الهادئة أو الهائجة بالعواطف الجياشة والتي ترافقها الدموع التي تنهمر والقهقهات المتعالية المتحررة من قيود الأعصاب التي طالما أنشدت من هول المآسي. ونحن نتمنى إن تتلون الحياة بأكملها بتلك اللحظات التي تتغير فيها سمات الوجوه فجأة من الابتسامة إلى العبس والسكون لمجرد تذكرنا بلحظات المرارة التي تعبر عن الوجه الثاني للحياة. أنه الوجه الذي يساعدنا على معرفة قيمة السعادة وتعرفنا عليها وقد لا يهتم بني الإنسان ببعضه البعض ولا يعطيه القيمة لو أنه كان على غير علم بالمآسي والموت والفراق. لكن لعلمه اليقين بذلك، وعدم تقبله له ببساطة أدى به للتفكير بمسألة الخلود وكيفية الوصول إليها. ماذا يعني الخلود..؟ هل سمع أحدنا بشخص عمر لمئات السنين؟ حقيقة لا، إذا لماذا ينتابنا الخوف لدى سماعنا بتلك الكلمة «الموت

يبدو إن لغز الحياة مخفي في جوهر هذه الكلمة، الانبعاث من بين ثنايا الموت، حياة خالدة مستمرة دون انقطاع، فالخلود الذي بحث عنه بني الإنسان مخفي في جوهر تلك الحياة ومعناها. لذلك فعندما يكون الإنسان قادرا على إعطاء المعنى للحياة، لابد أن يكون قد تجاوز مخاوفه من الموت أيضاً، لأن الحياة التي لا معنى لها لابد أنها تمثل الموت بحد ذاتها. إذاً كيف يمكننا التعامل مع الحوادث المؤلمة في الحياة؟ والتي نعلم بان إمكانية تكرارها واردة في أي لحظة من اللحظات، لكن نحاول التغاضي عنها، أو نحسب وكأنها غير واردة، لأننا لا نرغب بتكرارها أو معايشتها بشكل دائم. فكثيراً ما نقول ليتني كنت إنا ولا هي أو هو، نحبذ الحياة لمن نحب، ونتمنى لهم السعادة من صميم قلوبنا، وندعو دائماكي تحميهم الملائكة. لماذا لأن الحرية هو الهدف الدائم للإنسان.

ذاك الكون الصغير والذي يسعى دائما للتنفس بحرية، حتى ولو كان قد بقي لحظات قليلة من عمره. ألا أنه كثيرا ما يتمنى لو كانت له أجنحة تساعده على الطيران، ليكسر كافة قيوده وسلاسله الحديدية وينطلق في الهواء الطلق ويحط أينما يرغب. هكذا اكتسب وعيه بالحرية من التاريخ المجتمعي، وتحول وعيه ذاك إلى ذاكرة متوارثة، لا معنى لحياة الإنسان بدونها، ولا معنى لوجوده. لذلك قرر الإنسان أن يفدي بأغلى ما لديه في سبيل الحصول على حريته وهويته المجتمعية. لأن المعرفة هي أساس الحرية والقدرة على المعرفة يعني محاولة الوصول للحرية.

حب الحياة هو الذي يخلق الاندفاع، الهيجان، الأمل، الشعور بالسعادة والقوة في التحكم بزمام الأمور والسير في طلب الأفضل والأرقى. أي الحياة الحرة الفاضلة والسامية، هكذا علمتنا الحياة إن نحب ونكره، نلتقي من ثم نفترق، علمتنا كيف نتلذذ بطعم لحظات اللقاء، كما علمتنا كيف نعالج آلام الفراق أيضاً. يقولون إن الزمن يداوي الجروح، هل حقيقة أنه الطبيب الشافي لجروح الأمهات، الأخوات، الأحباب، الأصدقاء والرفاقية..؟ أعزائي القراء اتركوا لي حق الجواب على هذا السؤال وانتم أيضاً لكم الحق في الجواب عليه كيفما تشاؤون.

قد يكون للزمن دور مداراة الأمور، وقد يلعب دورا في التئام الجروح الملتهبة، لكنها لا تزيل الأثر مهما كان، لان تلك الجروح تكون قد خططت صفحات من التاريخ يعتو عليها الزمن لكنها تبدو وكأنها تحدث في اللحظة التي يتم ذكرها من جديد، لماذا؟

لأنها تتحول إلى ذاكرة حيوية مستمرة ومتوارثة. هكذا نطلق الآهات ونتألم عندما نذكر المجازر التيحدثت في وادي زيلان وغيرها، وهكذا تنغص الكلمات في حلقنا عندما نذكر شهدائنا الإبرار، وتنقطع أنفاسنا عندما نذكر اللحظات التي اعتقل فيها قائدنا. قد تكون تلك لحظات تأنيب الضمير، لكنها حقيقة تعبر عن لحظات ما كنا راغبين أو متوقعين بحدوثها. هكذا هي اللحظات التي يحقق فيها الإنسان حريته المجتمعية أيضا، فمن يتمالك نفسه عندما يرى نتيجة نضاله باجتماع حشود الجماهير الغفيرة تنادي بصوت واحد » إما الحياة الحرة أو الموت الكريم » ومن يتمالك نفسه عندما يتخيل فك اسر القائد من السجن واستقبال الجماهير له دون إن يذرف دموع السعادة والفرح، أو من لا يتوقف قلبه عن النبض لأنه التقى بهدفه في الحرية؟ عندها سنقول ليت فلان وفلان كانوا موجودون ليشاركوننا فرحتنا هذه، وليروا نتيجة دمائهم الطاهرة. من غير الممكن إن يجعل الزمن الإنسان قادر على نسيان تلك اللحظات، لأنه بذلك يكون قد أنكر حياته بأكملها.

لأول مرة امسك القلم كي اكتب بضع كلمات تعرف بأختي وتوأم روحي ليلى )فيدان(. كثير من المرات أمسكت بالقلم كي اكتب شعرا،ً أو نثرا،ً أو كلمات علها تعبر عن مشاعري تجاه تلك الإنسانة المغزولة من روح الملائكة، فكل كلمة كتبتها كان يبدو لي وكأنها بسيطة لا تعبر عن شخصيتها، لا تعبر عن عواطفي أيضا، لذلك كنت أتوقف عن الكتابة، وأعاتب ذاتي على تصرفي ذاك، لماذا ابقي مقصرة بحقها؟ لماذا لا أوفي بمسؤوليتي تجاهها؟ لماذا تفضي ذاكرتي من الكلمات التي ستكون لائقة بها؟ سنين طويلة بحثت عن جواب لأسئلتي هذه، أخيرا علمت إن وجداني لم يتقبل استشهادها بعد، لا ادري قد أكون مقصرة جدا بحقها، ليس لأني أختها، إنما العشرة تفرض الواجب الإنساني مقابل بعضنا البعض، هي التي سجلت قصتها وقضية حرية شعبها في صفحات التاريخ، وهي التي خططت مسيرها بنفسها، أظهرت إرادتها الحرة بوعي وسارت على هذا الدرب بهيجان وتفاؤل وإصرار.

كانت توأم روحي منذ الصغر، تكبرني بسنة، لكن العلاقة، التعامل واللعب سويا وطقم لباسنا الموحد، والحالات المرضية المشتركة التي كانت تصيبنا معا. كان يظهرنا كتوأم في السن أيضا، هي التي أودعتني المدرسة في سنتي الدراسية الأولى، منذ الصغر. كانت فتاة واثقة من نفسها مرحة ذكية لها كبرياء عظيم، عنيدة مندفعة رائدة في المدرسة، صافية القلب كماء زمزم، مرحة ضحوكة، ما كانت الابتسامة تفارق وجهها، متفائلة، محبة للخير، ما عرفت الخداع في حياتها، الصدق كان شعارها الأساسي في الحياة. ذات قامة قصيرة محبوبة من قبل الأصدقاء والجيران، أتذكر عندما كانت جارتنا تمزح معها وتقول قصيرة صغيرة، هكذا كان جوابها « الجواهر أيضا حجمها صغيرة لكنها غالية الثمن أيضا »، كانت أجوبتها المناسبة جاهزة دائما.

عاشت طفولتها في كنف عائلة متوسطة الحال، قانعة تدير حياتها اليومية ببساطة، معتمدة على كدحها في كسب رزقها، تعاملت مع كلا المجتمعين القروي والمدني في نفس الوقت. بقدر ما حاول الوالدين الحفاظ على التوازن الداخلي في العلاقات العائلية ما بين الجنسين، إلا أن ذهنية الرجولة كانت تفرض نفسها في طراز الحياة وأسلوب التربية لكلا الجنسين. لقد انفصلت عن العائلة اعتبارا من السنة الإعدادية بسبب ظروف التعلم الغير متوفرة في القرية، لذلك اضطرت للاعتماد على ذاتها بشكل مبكر.

اسمها فيدان يعني الشتلة الصغيرة الندية، المقاومة في سبيل الحياة والتي تقاوم الرياح العاتية بسبب طراوتها، إلا أنها تنكسر من لمسة يد. هي الوحيدة التي كانت تواجه والدي بنواقصه وأسلوب تعامله الجارح لأولاده، الكلمة الجارحة كانت تؤذي مشاعرها وأحاسيسها، فكانت دائما تبحث عن الطريق المؤدية للخلاص من طراز تلك العلاقة العائلية المستعبدة. منذ الصغر كانت تعيش فيدان ضمن هذه التناقضات وكانت ترفض التمييز الجنسوي المفروض من قبل المجتمع والعائلة، كما لم تقبل أي تقرب جارح صادر من قبل والدي.

لا أزال أتذكر عندما ضربنا والدي نحن الاثنين بسبب موت نعجتنا الصغيرة فهربنا من المنزل إلى أراضي الزيتون الواسعة نناقش بكيفية عدم رجوعنا إلى ذاك المنزل نتيجة تلك المعاملة السيئة، تألمت كثيرا، ولو كان سبيل لعدم الرجوع لما رجعنا. لكن ظروف المجتمع واضحة بالنسبة للأطفال الفتيات، فلا نافذة مفتوحة إمامها كي تعبر عن حريتها. هكذا كانت تلك الحادثة الأولى التي أثرت في شخصيتها ووجهتها بالبحث عن الحرية. كما أنها ساهمت بشكل دائم لتحقيق مآربها في الحياة، أي أنها لم تكن تقبل الحياة البسيطة الروتينية مثلما فعلت والدتي وسعت دائما كي يكون لحياتها معنى خاصا، لذلك كان رد فعلها قويا جدا عندما قرر والدي بفصلها عن الدراسة بعدما أنهت المرحلة الإعدادية حسبما كان يشترط والدي على الفتيات. حيث أضربت عن الطعام لمدة ثلاثة أيام إلى إن تراجع والدي عن قراره ذلك، واجبر على إرسالها مرة أخرى لإتمام دراستها المرحلة الثانوية.

كانت تكره من يتحكم بإرادتها ويرسم لها مستقبلها، فمقاييس الرد والقبول لديها كانت واضحة جدا، ولم ترغب يوما بعلاقات العشق البسيطة، ما أمنت بالرجل في هذه المسائل، فبقدر ما كانت علاقاتها موسعة مع الجنسين إلا أنها لم تستأمن بطراز الحياة التي تعيشها شبيبة الجامعات، لذلك كانت دائما تبحث عن المغاير البعيدة عن الحياة الروتينية التي عاشها أجدادنا، بهذا كان احتضانها لفكر الحزب والثورة بإيمان كبير.

بدا لي في كثير من الأحيان وكأنها كانت أكبر من عمرها، تحملت مسؤولية المنزل منذ سن مبكرة، فهي التي كانت ترشدنا في كيفية إدارة أنفسنا، تخطط للإعمال التي يجب القيام بها، وتعلمنا بكيفية الدفاع عن أنفسنا لدى مواجهتنا للمخاطر، وهي أول من وقفت في مواجهة العادات والتقاليد التي تخفي المرأة خلف ستار الناموس. أسئلة كثيرة كانت تشغل بالها، حول المرأة، العائلة، الوطن، الوطنية، الاشتراكية، العرق، وما إلى ذلك من أسئلة جعلتها تدخل في طريق البحث عن أجوبة عاجلة لها.

تعرفت على الحزب الشيوعي السوري، تعاملت معهم لفترة، حضرت اجتماعاتهم، وشاركتهم مناسباتهم الوطنية والحزبية.

إلا أنها لم تطمئن للحلول التي كانت تأتي بها الشيوعية لمشاكل المجتمع، خاصة الحزب الشيوعي السوري الكردي، فهو لم يلعب سوى دور الوسيط لنقل الشباب الكرد إلى روسيا، وتشويقهم للغربة والتوجه إلى الدول الأوروبية.

فأذكر بأنها كثيرا ما كانت توجه لهم الانتقادات لعدم معرفتهم العميقة بما تعنيه الكرداياتية، وماذا يعني وجود كيان كردي. كما أنها تعاملت مع الأحزاب الإصلاحية الأخرى أيضا ولم تكن تستقر في ذلك أيضا. كانت تترقب قضية الشعوب الزنجية عن قرب وهي تسأل نفسها عدة أسئلة منها لماذا لونهم اسود..؟ ولماذا يعتبرون شعب منبوذا..؟ تعاطفت مع قضيتهم بشكل دائم، كانت تحبذهم كثيرا وكانت ترى قضيتهم كجزء من القضية الكردية ومشابهة لها إلى آخر درجة. لذلك كثيرا ما كانت تقف فجأة عندما كانت تصادفهم في الطريق وتنظر إليهم باستعطاف ومحبة.

تعرفت على الحزب في الثمانينات، حيث شاركت في ممارسة الفعاليات التنظيمية بين الشبيبة الثانوية والجامعة، كما انضمت للفعاليات الفنية في الجامعة في قسم المسرح. كانت تتقن دورها على أكمل وجه، في ذكرى الاحتفال بمناسبة قفزة 15 آب لعبت دور الكوادر المعتقلين في سجن ديار بكر حيث أثرت صرخاتها في وجدان الجماهير المتفرجة، وهم يبكون بشدة نتيجة رؤيتهم لمشاهد التعذيب تلك. هكذا كانت تتقن دورها في كافة الإعمال التي كانت تقوم بها، منها الإعمال الفنية، السياسية والتنظيمية بين الجماهير الشعبية.

أعطت قرار الانضمام وهي في السنة الثانية من دراستها الجامعية، ناقشت قرارها بصراحة مع والدي وقالت ساترك الدراسة كي انضم للحزب بشكل فعلي وانفصل عن العائلة بشكل تام، لأني سأبدأ بتسيير الفعاليات التنظيمية بين الجماهيرية في منطقة الباب، أي ريف حلب. بالرغم من إن نقاش قرار كهذا مع والدي كان من أصعب الأمور، لكنها جهزت نفسها لكافة ردود الفعل التي كانت ستبدر من قبله، عندها قال والدي وهو مجبرا بغضب مكبوت، حسنا اذهبي لكن بشرط أن لا تعودي ثانية، واعلمي أن عودتك سيكون سبب موتك بيدي. كان جوابها هي بالمقابل، أعلم أنني بقراري هذا أحدد مصيري المستقبلي وهو قرار لا رجعة فيه. هكذا مارست الفعاليات التنظيمية بين الجماهير في تلك المنطقة. حقيقة كانت تعلم بأسلوب التعامل مع الجماهير والتحدث بأسلوب شعبي ومتواضع، لا تضع الفرق بينهم. على العكس تماما فهي التي كانت تفهم أحاسيس ومشاعر الجماهير، تقاسمهم الآلام والمآسي التي يعيشها. تتعامل مع الشبيبة والأطفال والمسنين كل بلغتهم الخاصة.

تلقت دورتها التدريبية الأولى لدى القيادة أي في دار التعمق، حاولت دائما أن تتفهم القيادة، وكيفية الوصول لشخصية الكادر القيادي كي تكون جوابا لجهود القيادة. ركز القائد في حواراته معها حول الشخصية القادرة على التحرر في ظروف الحرب القاسية، وكيفية بناء الشخصية التنظيمية، القادرة على حل كافة المشاكل التي تواجهها، والمتحولة إلى قوة سياسية وتنظيمية عظيمة، تلعب دور الطليعة على أكمل وجه.

بعدما تلقت الدورة التدريبية انتقلت إلى ساحة الحرب الساخنة عام 1994 وانضمت لكونفرانس المرأة الأول في منطقة الزاب، أخذت مكانها ضمن الفعاليات التدريبية للكوادر، كانوا يلقبونها بليلى المتعلمة، بعدها حدث فرزها إلى أيالة ماردين باقتراح منها، وحسب احتياجات تلك المنطقة للكوادر ذوي التجربة التنظيمية بين الجماهير. بعد ذهابها إلى هناك ونتيجة عدم توفر ظروف البقاء في تلك المنطقة رجعت إلى ساحة بوطان بتعليمات من الحزب، ومنها توجهت إلى كابار منطقة كارسا، فقد استشهدت نتيجة وقوع سريتهم في كمين العدو مع خمسة من الكوادر الآخرين عام 1998 .

هكذا كانت توأم روحي، عشقت الوطن توحدت مع الشعب والقائد، لذلك قررت السير بعناد وإصرار كبير، حفرت اسمها على وجدان البشرية، أوصلت صوتها لآذان الملايين من الناس، وحدت صرخاتها بصرخات الملايين من النساء المتألمات والمناضلات في سبيل التحرر، ليس في كردستان فقط، إنما في العالم بأكمله. هكذا تنام عزيزتي الغالية قريرة العين، بعدما أتمت مهمتها التاريخية، لترقد في مثواها، أروه البلدة الشاهدة على الانطلاقة التاريخية لقفزة 15 آب. دفنت بيد القرويين، لكنها تنتظر من يزورها على قبرها ليقول لها: ها قد حققنا آمالك عزيزتي، كوني مطمئنة، فلا مكان للذل والهوان والاستعباد على هذه الأرض بعد الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى